في لمس الذكر والفرج
أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن عبد اللَّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم، أنه سمع عروة بن الزبير يقول: دخلت على مروان بن الحكم وتذاكرنا ما يكون منه الوضوء، فقال مروان: مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ الوضوءُ، فقال عروة: ما علمت ذلك، فقال مروان:
أخبرتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: "إذا مس أحدُكُم ذَكَره فليتوضأ".
هذا حديث صحيح (١)، أخرجه مالك في الموطأ (٢)، وأبو داود (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥).
_________________
(١) قال الحافظ في التلخيص (١/ ١٢٢): وصححه الترمذي، ونقل عن البخاري أنه أصح شيء في الباب وقال أبو داود، وقلت لأحمد: حديث بسرة ليس بصحيح؟ قال: بل هو صحيح، وقال الدارقطني، صحيح ثابت، وصححه أيضًا يحيى بن معين، فيما حكاه ابن عبد البر وأبو حامد بن الشرقي والبيهقي والحازمي، وقال البيهقي: هذا الحديث -وإن لم يخرجه الشيخان لاختلاف وقع في سماع عروة منها أو من مروان- فقد احتجا بجميع رواته؛ واحتج البخاري بمروان بن الحكم في عدة أحاديث فهو على شرط البخاري بكل حال؛ وقال الإسماعيلي في "صحيحه"؛ في أواخر تفسير سورة آل عمران: إنه يلزم البخاري إخراجه؛ فقد أخرج نظيره؛ وغاية ما يعلل به هذا الحديث أنه من رواية عروة عن مروان؛ عن بسرة، وأن رواية من رواه عن عروة عن بسرة منقطعة، فإن مروان حدث به عروة، فاستراب عروة بذلك، فأرسل مروان رجلًا من حرسه إلى بسرة، فعاد إليه بأنها ذكرت ذلك، فرواية من رواه عن عروة عن بسرة منقطعة، والواسطة بينه وبينها، إما مروان وهو مطعون في عدالته، أو حرسه وهو مجهول، وقد جزم ابن خزيمة وغير واحد من الأئمة، بأن عروة سمعه من بسرة، وفي صحيح ابن خزيمة وابن حبان، قال عروة: فذهبت إلى بسرة فسألتها، فصدقته، واستدل على ذلك برواية جماعة من الأئمة له، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن مروان، عن بسرة، قال عروة: ثم لقيت بسرة فصدقته، وبمعنى هذا أجاب الدارقطني وابن حبان أهـ.
(٢) الموطأ (١/ ٦٣ - ٦٤ رقم ٥٨)
(٣) أبو داود (١٨١).
(٤) الترمذي (٨٢) وقال: حسن صحيح.
(٥) النسائي (١/ ١٠٠ - ١٠١).
[ ١ / ٢٤٥ ]
وفي الباب عن: سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وأبي أيوب، وجابر، وزيد بن خالد، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وأم حبيبة، وعائشة، وأروى بنت أنيس.
قال البخاري: أصح شيء في هذا الباب حديث بسرة.
فأما مالك: فأخرجه بالإسناد واللفظ.
وأما أبو داود: فأخرجه عن عبد اللَّه بن مسلمة، عن مالك، بالإسناد واللفظ، وقال فيه: من مس ذكره فليتوضأ.
وأما الترمذي: فأخرجه عن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن سعيد القطان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن بسرة بنت صفوان أن النبي - ﷺ - قال: "من مَسَّ ذَكَرَه فلا يصلي حتى يتوضأ".
قال: وروى من غير وجه عن عروة، عن بسرة، وعن عروة، عن مروان، عن بسرة.
وأما النسائي: فأخرجه عن هارون بن عبد اللَّه، [عن] (١) معن، وعن الحارث ابن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك بالإسناد المذكور واللفظ.
وفي رواية: عن أحمد بن محمد بن المغيرة، عن عمار بن سعيد، عن شعيب، عن الزهري قال: أخبرنا عبد اللَّه (٢) بن أبي بكر بن حزم؛ أنه سمع عروة بن الزبير يقول: ذكر مروان في إمارته على المدينة أنه يُتَوَضَّأُ من مس الذكر؛ إذا أفضى إليه الرجل بيده؛ فأنكرتُ ذلك فقلت: لا وضوء على من مسه، فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول اللَّه: ذكر ما يُتوضأ منه فقال رسول اللَّه - ﷺ - "ويتوضأ من مس الذكر".
قال عروة: [فلم أزل] (٣) أُمارِي مروان حتى دعا رجلًا من حرسه فأرسله إلى
_________________
(١) بالأصل [بن] وهو تصحيف والمثبت هو الصواب، وكذا جاء عند النسائي.
(٢) زاد في الأصل بعد [بن]: "الحكم" وهي مقمحة والتصويب من رواية النسائي.
(٣) بالأصل [فلما زال] وهو تصحيف، ولا يتفق مع السياق وفي السنن جاء كما هو مثبت أعلاه.
[ ١ / ٢٤٦ ]
بسرة فسألها عما حدثت مروان؛ فأرسلت إليه بسرة مثل الذي حدثني عنها مروان.
"المذاكرة": مفاعلة من ذكرت الشيء أذكره إذا تلفظتُ به؛ وإذا خطر ببالك بعد النسيان.
والمراد به في هذا الحديث الأول: هو الخوض في ذكر ما ينقض الوضوء؛ وهو قوله: "مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ"، خبر المبتدأ الذي هو الوضوء؛ وهو مقدم عليه في الذكر والنية به التأخير؛ وإنما قدَّم الخبر هاهنا لأن تقديمه أولى، وذلك أن عنايته بِذِكْرِ الناقض لا بِذِكْرِ الوضوء.
"والإخبار" والإنباء والإعلام بمعنى.
ولأهل الحديث خلاف في أخبرنا، وحدثنا، وأنبأنا. فذهب الأكثرون: إلى أنه لا فرق بين أخبرنا، وحدثنا؛ وهو الصحيح.
وذهب آخرون: إلى أن حدثنا: هو ما سمعته من لفظ الشيخ، وأخبرنا: هو ما قرأته عليه.
وأما أنبأنا: فله عندهم وضع واصطلاح: وهو عبارة عن الإجازة.
"والإفضاء": المباشرة، وأفضى بيده إلى كذا إذا مدها إليه ولمسها به.
"والمماراة": المجادلة والمخاصمة.
"والحرس": جمع حارس؛ وهم الجماعة المرتبون لحفظ الأمير وحراسته من أعوانه.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن مَنْ مَسَّ ذَكَرَه أو حَلْقَة دُبُرِهِ؛ أو مسهما من غيره، أو مس فرج امرأة، أو مست فرجها، كل ذلك من صغير أو كبير بباطن كفه انتقض وضوؤه.
[ ١ / ٢٤٧ ]
وقال في القديم: إذا مس حلقة دبره لا ينتقض وضوؤه.
وبه قال من الصحابة: عمر، وابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وعائشة، وأبو هريرة، وابن عباس.
ومن التابعين: سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، وأبان بن عثمان، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، والزهري، وأبو العالية، ومجاهد.
وبه قال: مالك، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والمزني.
وذهبت طائفة أخرى: إلى أنه لا وضوء عليه.
وروي ذلك: عن علي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر، وابن مسعود، وابن عباس، وعن حذيفة، وعمران بن حصين، وأبي الدرداء، وعن سعد بن أبي وقاص.
وبه قال: الحسن البصري، وقتادة، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه.
وروي: عن الزهري، والأوزاعي، ومالك: أن مس ذكر الصغير لا ينقض.
وقد احتج من لم ير الوضوء منه [بحديث] (١) قيس بن طلق، عن أبيه أنه لا وضوء عليه.
قال الشافعي: قد سألنا عن قيس فلم نجد من يعرفه بما يكون لنا قبول خبره، وقد عارضه من وصفنا ثقته ورجاحته وثبت.
قال ابن معين: لقد أكثر الناس في قيس بن [طلق] (٢)؛ وأنه لا يصح بحديثه (٣).
_________________
(١) بالأصل [للحديث] والمثبت هو الموافق للسياق.
(٢) في الأصل [قيس] وهو تحريف وقد تقدم على الصواب.
(٣) كذا جاء بالأصل، ونقل الحافظ في التهذيب (٦٤٦٤) عن ابن معين قوله ولفظه: ( وأنه لا يحتج بحديثه) ولابن معين رواية أخرى وَثَّقَه فيها. قال عثمان الدارمي: سألت ابن معين قلت: عبد اللَّه بن النعمان عن قيس؟ قال: شيوخ يمامية ثقات وكذا وَثَّقه العجلي. وقال الذهبي في الميزان (٦٩١٦): ضعفه أحمد، ويحيى في إحدى الروايتين عنه. وقال ابن القطان: يقتضي أن يكون خبره حسنًا لا صحيحًا.
[ ١ / ٢٤٨ ]
وقال أبو حاتم؛ وأبو زرعة: قيس بن طلق ليس ممن تقوم به حجة، وَوَهَّناهُ ولم يُثْبِتَاه.
وحديث قيس -كما لم يخرجه البخاري، ومسلم في كتابيهما- لم يَحْتَجَّا بشيء من رواياته ولا روايات أكثر حديثه؛ في غير هذا الحديث.
وحديث بسرة: وإن لم يخرجاه في كتابيهما لاختلافٍ في سماع عروة منها؛ فقد احتجا بسائر رواة حديثهما.
وإذا ثبت سؤال عروة بسرة عن هذا الحديث، وكان الحديث صحيحًا على شرط البخاري ومسلم، ويكفي في ترجيح حديثهما من طريق الإسناد.
واحتج البخاري ومسلم بأحاديثها دون أحاديث قيس بن طلق.
وأما ما احتجوا به من أقاويل الصحابة فقد قال الشافعي: قول من لم يوجب منه إنما قاله بالرأي، والذي أوجب الوضوء منه أوجبه بالحديث الثابت عن رسول اللَّه - ﷺ -؛ وما وجب بالحديث لم يكن في قول أحد خالفه حجة على قوله -واللَّه أعلم.
وقال الشافعي: وخالفنا بعض الناس في هذا القول؛ وعاب علينا الرواية عن بسرة، والذي يعيب علينا الرواية عن بسرة؛ يروي عن عائشة بنت عجرد، وأم خداش، وعدة من النساء غير معروفات في العامة، ويحتج بروايتهن ويضعف بسرة مع سابقتها وقديم هجرتها وصحبتها النبي - ﷺ - وقد حَدَّثت بهذا في دار المهاجرين والأنصار وهم متوافرون؛ فلم يدفعه منهم أحد بل عَلِمْنا بعضَهم صار إليه عن روايتها منهم: عروة بن الزبير، وقد دفع وأنكر الوضوء من مس الذكر قبل أن يسمع الخبر، فلما علم أن بسرة روته قال به، وترك قوله، وسمعها ابن عمر تُحَدِّث به فلم يزل يتوضأ من مس الذكر حتى مات، وهذه طريق أهل الفقه والعلم.
[ ١ / ٢٤٩ ]
أخبرنا الشافعي، أخبرنا سليمان بن عمرو ومحمد بن عبد اللَّه، عن [يزيد] (١) بن عبد الملك الهاشمي، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه - ﷺ - أنه قال: "إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره، وليس بينه وبينها شيء فليتوضأ".
هكذا رواه الشافعي في كتاب الطهارة في المسند.
ورواه في سنن حرملة: عن عبد اللَّه بن نافع، عن يزيد بن عبد الملك النوفلي، عن أبي موسى الخياط، عن سعيد بن أبي سعيد.
وقال الشافعي: روى حديث يزيد بن عبد الملك عدد منهم: سليمان بن عمرة، ومحمد بن عبد اللَّه بن دينار، عن يزيد بن عبد الملك، عن سعيد المقبري (٢).
والإفضاء ذكرناه في الحديث الذي قبله، وقد جاء في كتب اللغة: أنه لمس الشيء بباطن كفه، وهذا مما يعضد ما ذهب إليه الشافعي من تحديد اللمس بباطن الكف دون ظاهرها.
_________________
(١) بالأصل [زيد] وهو تصحيف، وقد ذكره المصنف بعد ذلك -كما يأتي- على الصواب.
(٢) ويزيد بن عبد الملك ضعيف الرواية، لكنه لم ينفرد به، فقد تابعه نافع بن أبي نعيم القارئ. أخرج المتابعة ابن حبان في صحيحه (٨/ ١١). وقال: احتجاجنا في هذا الخبر بنافع بن أبي نعيم دون يزيد بن عبد الملك النوفلي، لأن يزيد بن عبد الملك تبرأنا من عهدته في كتاب الضعفاء. وقد جود هذا الإسناد الشيخ ناصر -﵀- في الصحيحة (٣/ ٢٣٨) وقال الحافظ في التلخيص (١/ ١٢٦): وقال ابن حبان في كتاب الصلاة له: هذا حديث صحيح سنده، عدولٌ نَقَلَتُهُ، وصححه الحاكم من هذا الوجه، وابن عبد البر. وقال ابن السكن: هو أجود ما روي في هذا الباب. وأما يزيد بن عبد الملك فضعيف. وقال ابن عبد البر: كان هذا الحديث لا يعرف إلا من رواية يزيد حتى رواه أصبغ عن ابن القاسم، عن نافع بن أبي نعيم ويزيد جميعًا عن المقبري، فَصَحَّ الحديث اهـ بتصرف وانظر نصب الراية (١/ ٥٦).
[ ١ / ٢٥٠ ]
وقوله: "ليس بينه وبينها حائل": يعني تحول بين الكف وبين الذكر كائنًا ما كان، كثيفه ورقيقه، وخفيفه وصفيقه؛ فإن ذلك كله حائل.
"والحائل": الشيء الذي يحجب بين الشيئين ويمنع الملامسة بينهما.
فأخبرنا الشافعي، أخبرنا عبد اللَّه بن نافع، وابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن عقبة بن عبد الرحمن [عن] (١) ابن ثوبان قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: "إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره فليتوضأ" وزاد ابن نافع فقال: محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر عن النبي - ﷺ - مثله.
وقال الشافعي: سمعت [غير] (٢) واحد من الحفاظ يرويه؛ لا يذكرون فيه جابرًا.
وهذا الحديث: قد رواه دحيم الدمشقي، عن عبد اللَّه بن نافع كذلك موصولًا، وهو مما يعضد ما ذهب إليه الشافعي: من إيجاب الوضوء من مس الذكر.
وقوله: سمعت غير واحد: أي أكثر من واحد، فهو يتناول الاثنين فصاعدًا، وإنما يذكر ذلك في معرض الكثير.
و"الحفاظ": جمع حافظ، وهو في الأصل من يحفظ الشيء من الضياع والذهاب، وقد أطلقه العلماء بعد ذلك على من أتقن علم الحديث وضبطه عن الاختلال؛ رواية ولفظا في عرفه (٣) وحفظًا.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل والصواب إثباته ففي المسند بترتيب السندي (٨٩) قال: عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان وكذا أخرجه البيهقي في المعرفة (١٠٢٢)، وفي السنن الكبير (١/ ١٣٤) وقال: وزاد ابن نافع، فقال: عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر، عن النبي - ﷺ -.
(٢) بالأصل [عن] وهو تصحيف وقد نقلها مصححةً بعد قليل، وقد نقل العبارة البيهقي في سننه (١/ ١٣٤) عن الشافعي كما أثبتناه.
(٣) كذا بالأصل والعبارة غير مستقيمة.
[ ١ / ٢٥١ ]
وفي الرواية الأولى: أخرجه عن محمد بن عبد الرحمن فجعله مرسلًا.
وفي الثانية: عنه، عن جابر ثم قال: وسمعت غير واحد من الحفاظ يرويه ولا يذكرون فيه جابرًا.
فكأن المرسل عنده كان أكثر رواة من المسند (١).
والمرسل مختلف فيه وفي [العمل] (٢) به:-
فذهب الشافعي: إلى ترك العمل به، وبه قال أحمد، وابن المسيب، والزهري، والأوزاعي، وفقهاء الحجاز، وأصحاب الحديث قاطبة أو معظمهم؛ فإن المراسيل عندهم واهية غير محتج بها.
ومن هؤلاء الذين قالوا برد المرسل، من قبل مرسل الصحابي، ومنهم من أضاف إليه مراسيل التابعين، ومنهم من خصص كبار التابعين كابن المسيب، ويُحْكى أنه قول الشافعي وأنه قال: مراسيل ابن المسيب وحده، واحتج له بأنه وجدها مسندة.
_________________
(١) وقد رجح المرسل غيرُ واحد من الحفاظ. قال البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٤٣٥ - ٤٣٦). عقبة بن عبد الرحمن بن معمر، عن ابن ثوبان، روى عنه ابن أبي ذئب مرسلًا عن النبي - ﷺ - في مس الذكر. وقال بعضهم: عن جابر ﵁، ولا يصح. وقال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ١٩): سألت أبي عن حديث رواه دحيم قال أبي: هذا خطأ، الناس يروونه عن ابن ثوبان، عن النبي - ﷺ - مرسلًا لا يذكرون جابرًا أ. هـ. وكذا رجح الطحاوي الإرسال، نقل ذلك الزيلعي في نصب الراية (١/ ٥٧) ونقل قول الذهبي في مختصر السنن قال: وهذا الحديث -إن صح- فليس الاستدلال فيه على باطن الكف إلا بالمفهوم، وإنما يكون المفهوم حجة إذا سلم من المعارض كيف! وأحاديث المس مطلقًا في مسمى المس أعم وأصح.
(٢) ما بين المعقوفتين بالأصل جاء مكررًا.
[ ١ / ٢٥٢ ]
والمختار على قياس رد المرسل: أن التابعي والصحابي إذا عُرِفَ تصريح خبره، أو بعادته أنه لا يروي إلا عن صحابي قُبِلَ مُرْسَلُهُ؛ وإن لم يُعْرَفْ ذلك فلا يُقْبَلُ.
وأما أبو حنيفة، ومالك، والنخعي، وحماد بن أبي سليمان، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، ومن بعدهم من أئمة الكوفة فذهبوا إلى: أن المراسيل مقبولة محتج بها عندهم، حتى إن منهم من قال: إنها أصح من المسند، فإن التابعي إذا أسند الحديث أجاز الرواية على من رواه عنه؛ وإذا قال، قال رسول اللَّه - ﷺ - فإنه لا يقول إلا بعد اجتهاد في معرفة صحته.
وإنما عمل الشافعي بهذا الحديث لأمرين:-
أحدهما:- أنه قد رواه من طريق مسندًا عن جابر.
والآخر:- أن هذا المعنى قد رُوي عن جماعة من الصحابة مسندًا، فقد ذكر الشافعي من طرقه طريقين:-
أحدهما:- عن بسرة، والآخر:- عن أبي هريرة.
فخرج بهذين الأمرين عن حكم المرسل من الحديث، هو أن يروي الراوي حديثًا عمن لم يعاصره.
وله أوضاع واصطلاح وأنواع من أهل الحديث، إلا أنهم أكثر ما يطلقون المرسل إذا رواه الشافعي، عن النبي - ﷺ - فيخصون أمثال هذه الرواية بالمرسل، وإن كان غيرها مما هو في معناها مرسلًا أيضًا، مثل: أن يروي التابعي عن الصحابي ونحو ذلك، وقد خصوا هذا باسم آخر فقالوا: هو منقطع، ولهذا شرح وبيان قد استقصيناه في كتاب "جامع الأصول في أحاديث الرسول".
أخبرنا الشافعي، أخبرنا القاسم بن عبد اللَّه، أظنه عن [عبيد] (١) اللَّه بن
_________________
(١) ما بين المعقوفتين بالأصل [عبد] وهو تصحيف وقد نقله بعد قليل على الصواب، وفي المسند بترتيب السندي (٩٠) كما أثبتناه.
[ ١ / ٢٥٣ ]
عمر، عن القاسم بن محمد، عن عائشة [قالت] (١): إذا مست المرأة فرجها توضأت.
تابعه عبد العزيز بن محمد، عن عبيد [اللَّه بن] (٢) عمر.
وهذا الحديث مما يعضد إيجاب الوضوء من مس الفرج، وقدم تقدم شرح أقوال الأئمة فيه، وحكم فرج المرأة حكم فرج الرجل، وينطلق فرجها على القبل والدبر.
وقوله في إسناد الحديث "أظنه عن عبيد اللَّه بن عمر" من الألفاظ التي تُنْزِلُ الحديث عن الطبقة العالية في الإسناد، فإن المسند الصحيح: هو أن يروي الحديث واحد عن واحد، رآه سمع منه أو عليه، قراءة، أو إجازة، أو مناولة، رواية متصلة إلى من رأى النبي - ﷺ - وسمع منه.
وله عند المحدثين أوضاع أو اصطلاح وشرائط فمن شرائطه:-
أن لا يكون في الإسناد: أُخْبِرْتُ عن فلان؛ ولا حُدِّثْتُ؛ ولا بَلَغَني؛ ولا رفعه فلان؛ ولا أظنه مرفوعًا؛ اسما يرويه المحدث عن شيخ يظهر سماعه منه ليس يحتمله، وكذلك سماع شيخه من شيخه؛ إلى أن يصل الإسناد إلى صحابي مشهور إلى رسول اللَّه - ﷺ -.
وقد أخرج الشافعي في كتاب القديم عن مسلم بن خالد، عن ابن جريج؛ عن عبد الواحد بن قيس؛ عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: "من مس ذكره فليتوضأ".
وقال الشافعي: وأخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب قال: سمع ابن عمر بُسْرة بحديثها عن النبي - ﷺ - في مس الذكر فلم يدع الوضوء منه حتى مات.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين بالأصل [قال] وهو خطأ.
(٢) بالأصل [بن أبيه] وهو تحريف والتصويب من المعرفة.
[ ١ / ٢٥٤ ]
وقال الشافعي: وأخبرنا مسلم، وسعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن يحيى ابن أبي كثير، عن رجال من الأنصار، أن النبي - ﷺ - قال:
"إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ".
وقال الشافعي: وأخبرنا مسلم، وسعيد، عن ابن جريج، عن فلان، أن عمر بن الخطاب بينا هو يؤم الناس -أحسبه قال: صلى ركعة أو أكثر- إذ زلت يده على ذكره، فأشار إلى الناس أن امكثوا؛ ثم خرج فتوضأ ثم رجع فأتم بهم ما بقي من الصلاة.
وقال الشافعي: حدثنا مالك، عن نافع، أن عبد اللَّه بن عمر كان يقول: إذا مس الرجل ذكره فقد وجب عليه الوضوء.
وقال الشافعي: وأخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد اللَّه أنه قال: رأيت ابن عمر يغتسل ثم يتوضأ؛ فقلت له: يا أبه ما يجزئك الغسل من الوضوء؟ قال بلى، ولكني أحيانًا أمس ذكرى فأتوضأ.
وقال الشافعي: وحدثني مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه أنه كان يقول: من مس ذكره فقد وجب عليه الوضوء.
هذه الآثار كلها رواها الشافعي في كتاب القديم؛ عن مالك وغيره ممن ذكرنا اسمه، وجميعها مُؤَكِّدَةٌ لما ذهب إليه؛ من إيجاب الوضوء على من مس فرجه (١).
_________________
(١) وانظرها وزيادة على ذلك عند عبد الرزاق (١/ ١١٢ - ١٢١)، ابن أبي شيبة (١/ ١٨٩ - ١٩٠).
[ ١ / ٢٥٥ ]