في الأوقات المكروهة
أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد اللَّه الصنابحي أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: "إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها؛ فإذا زالت فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها؛ فإذا غربت فارقها" ونهى رسول اللَّه - ﷺ - عن الصلاة في تلك الساعات.
هذا الحديث أخرجه الشافعي في كتاب اختلاف الحديث، وأخرجه مالك في الموطأ (١)، والنسائي (٢).
فأما مالك فأخرجه هكذا عن عبد اللَّه الصنابحي.
ورواه معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن أبي عبد اللَّه الصنابحي (٣).
قال الترمذي: -الصحيح رواية معمر وهو أبو عبد اللَّه: عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي (٤).
_________________
(١) الموطأ (١/ ١٩١ رقم ٤٤).
(٢) النسائي (١/ ٢٧٥).
(٣) أخرجه من هذا الوجه أحمد (٤/ ٣٤٨)، وابن ماجه (١٢٥٣).
(٤) نقل هذا القول البيهقي في المعرفة (٣/ ٤١٥) عن الترمذي. وفي العلل الكبير للترمذى (حديث رقم ١) سأل البخاري عن حديث رواه عبد اللَّه الصنابحي من طريق مالك بنفس إسناد حديث الباب فقال: مالك بن أنس وهم في هذا الحديث، فقال: عبد اللَّه الصنابحي وهو: أبو عبد الله الصنابحي، واسمه: عبد الرحمن بن عسيلة، ولم يسمع من النبي - ﷺ -. وهذا الحديث مرسل وعبد الرحمن هو الذي روى عن أبي بكر الصديق. والصنابح بن الأعسر الأحمسي صاحب النبي - ﷺ -. وقال الحافظ في التلخيص (١/ ١٨٥): اتفق جمهور رواة مالك عنه على سياقه، وقال مطرف وإسحاق بن الطباع وغيرهما =
[ ١ / ٣٩١ ]
وقد أشبعنا القول في بيانه، واختلاف الأئمة فيه، في كتابنا كتاب "جامع الأصول في أحاديث الرسول" (١).
فأما النسائي فأخرجه عن قتيبة، عن مالك بالإسناد.
وفي الباب: عن عتبة بن عامر، وابن عمر، وأبي سعيد، وعمرو بن عبسة، وابن عباس، وأبي هريرة، وعائشة، وغيرهم من الصحابة؛ إلا أن حديث عمرو ابن عبسة كالمبين المفسر لهذا الحديث، وهو: قال: قلت يا رسول اللَّه، أي الليل أسمع؟ قال: "جوف الليل الآخر فصل ما شئت؛ فإن الصلاة مشهودة مكتوبة، حتى تصلي الصبح؛ ثم اقصر حتى تطلع الشمس فترتفع قيس رمح أو رمحين؛ فإنها تطلع بين قرني الشيطان فيصلي لها الكفار، ثم صل ما شئت فإن الصلاة مشهودة مكتوبة، حتى يعدل الرمح ظله ثم اقصر، فإن جهنم تُسَجَّرُ وتفتح أبوابها، فإذا زاغت الشمس فصل ما شئت، فإن الصلاة مشهودة حتى تصلي العصر، ثم
_________________
(١) = عن أبي عبد الله الصنابحي وهو الصواب وهو عبد الرحمن بن عسيلة وهو تابعي كبير لا صحبة له. وقال القطان: نص حفص بن ميسرة على سماعه من النبي - ﷺ -، وترجم ابن السكن باسمه في الصحابة، وقال عباس عن ابن معين: يشبه أن يكون له صحبة، ثم حكى الخلاف فيه إلى أن قال: ولست أثبت أنه عبد الرحمن بن عسيلة، ولا أثبت أن له صحبة.
(٢) ومن الفائده نقل كلامه هنا، قال - (٢/ ٥٧٥) من التتمة-: قد اختلف فيه على عطاء بن يسار، فقيل: عبد اللَّه الصنابحي، وقيل: أبو عبد اللَّه الصنابحي، وقال يحيى بن معين: يقال عبد اللَّه وأبو عبد اللَّه. وخالفه غيره، فقال: هذا غير عبد اللَّه، وأما أبو عبد الله الصنابحي، فاسمه عبد الرحمن، وسيرد ذكره في التابعين، وقال ابن عبد البرِّ: الصواب عندي أنّ الصنابحي أبو عبد اللَّه تابعي؛ لأن عبد اللَّه الصنابحي غير معروف في الصحابة، والصنابحي الصحابي قد أخرج حديثه مالك في "الموطأ"، والنسائي، في "سنه" واللَّه أعلم. ولتمام الفائدة راجع حاشية الرسالة بتعليق الشيخ أحمد شاكر -﵀- صـ (٣١٧ - ٣٢٠) فقد عقد مبحثًا نفيسًا في تحقيق، وكذلك انظر ترجمته من التهذيب للحافظ والمزي مع الحاشية في تهذيب الكمال ..
[ ١ / ٣٩٢ ]
اقصر حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان، ويصلي لها الكفار" (١).
وقد اختلف العلماء في معنى "قرني الشيطان".
فقال قوم: معناه مقارنة الشيطان لها في هذه الأوقات.
وقيل: معنى القرن قوته، من قولك: أنا مقرن لهذا الأمر، أي مطيق له قوى عليه، وذلك لأن الشيطان لها يقوى أمره في هذه الأوقات، لأنه يسول لعبدة الشمس أن يسجد لها في هذه الأوقات.
وقيل: "قرنه" حزبه وأصحابه الذين يعبدون الشمس، يقال:
هؤلاء قرن، أي قوم جاءوا بعد قوم.
وقيل: إن هذا تمثيل وتشبيه، وذلك أن تأخير الصلاة إنما هو من تسويل الشيطان لهم، وتسويفه وتزيين ذلك في قلوبهم، وذوات القرون من شأنها أنها تعالج الأشياء وترفعها بقرونها، فكأنهم لما دافعوا الصلاة وأخروها عن وقتها، بتسويل الشيطان لهم حتى اصفرت الشمس؛ صار ذلك بمنزلة ما تعالجه ذوات القرون بقرونها وتدفعه بها.
وقيل: إن الشيطان يقابل الشمس حين طلوعها، وينتصب دونها حتى يكون طلوعها بين قرنيه، وهما جانبا رأسه، فينقلب سجود الكفار للشمس عبادة له.
"وقرنا الرأس" جانباه، ويجوز أن يكون المراد به: أنه شبه طلوع الشمس وهو ظهورها على العالم، بظهور الملوك والسلاطين على رعيتهم؛ وما يعاملونهم به من الخدم، والتحايا، والركوع، والسجود، وذلك على اختلاف أقدارهم ومراتبهم، وكذلك يفعلون معهم عند انفصالهم عنهم وعودهم إلى مساكنهم،
_________________
(١) أخرجه مسلم (٨٣٢)، وأحمد (٤/ ١١١)، وأبو داود (١٢٧٧) واللفظ له.
[ ١ / ٣٩٣ ]
فشبه طلوع الشمس وغروبها بظهور الملوك ورجوعهم إلى أماكنهم، وأن الصلاة في هذين الوقتين؛ يشبه أن تكون مضافة إلى طلوع الشمس وغروبها، لحدوثها عند حدوثها فنهوا عنها.
فأما وقت توسطها السماء واستوائها في قبة الفلك، فلأن ذلك المكان هو أعلى أمكنتها وأرفعها، والسجود في هذا الوقت إذا توهم مضافًا إليها كان تعظيمًا لشأنها وإكبارًا لقدرها، فنهوا عن الصلاة حينئذ حتى لا يجري هذا الوهم، ولا يظن هذا الخيال.
الذي ذهب إليه الشافعي: أن الأوقات المنهي عن الصلاة فيها خمسة: ثلاثة متعلقة بالوقت وهي الصلاة عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وعند الاستواء حتى تزول، وعند الغروب حتى تغرب، واثنان متعلقان بالفعل وهما: الصلاة بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس، وبعد العصر إلى الغروب، وهذه الأوقات لا تجوز الصلاة فيها عنده، إلا أن تكون صلاة لها سبب، كقضاء فرض، أو صلاة جنازة، أو سجود قرآن، أو إدراك جماعة أو نذر.
وقال أبو حنيفة: الأوقات الثلاثة: الأول: لا يصلي فيها فرض ولا نفل إلا عصر يومه ولو عند اصفرار الشمس.
وأما الوقتان الآخران فلا يصلي فيهما، سواء كان لها سبب أو لم يكن.
وقال مالك: تقضي الفرائض في الأوقات المنهي عنها، دون النوافل.
وبه قال أحمد، إلا أنه أجاز فيها الجماعة مع إمام الحي وركعتي الطواف.
وهذا النهي عند الشافعي عام إلا بمكة، وإلا يوم الجمعة عند الزوال، خلافًا لأبي حنيفة وأحمد، قال: لأن الناس ينتظرون الجمعة ويشق عليهم مراعاة الشمس، وفي ذلك قطع للنوافل.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن
[ ١ / ٣٩٤ ]
الأعرج، عن أبي هريرة: "أن النبي - ﷺ - نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس".
هذا حديث صحيح، أخرجه الشافعي في كتاب اختلاف الحديث، وأخرجه مالك في الموطأ (١)، ومسلم (٢).
فأما مالك: فأخرجه بالإسناد واللفظ.
وأما النسائي (٣): فأخرجه عن قتيبة، عن مالك، بالإسناد واللفظ.
وقد أخرج البخاري (٤) هذا المعنى في جملة حديث نَهى عن بيعتين، [وعن] (٥) لبْستين وعن صلاتين،، وذكر الحديث عن عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن عبيد اللَّه [عن] (٦) خُبيب [بن] (٧) عبد الرحمن، عن حفص [بن] (٧) عاصم، عن أبي هريرة.
قال الشافعي: وأعاد حديث أبي هريرة أن رسول اللَّه - ﷺ - قال:
"من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح" وكذلك في العصر.
وقد تقدم هذا الحديث في الفرع الثالث من هذا الفصل.
قال الشافعي: فالعلم محيط أن المصلي ركعة من الصبح قبل طلوع الشمس،
_________________
(١) الموطأ (١/ ١٩٢ رقم ٤٨).
(٢) مسلم (٨٢٥) من طريق يحيى بن يحيى، عن مالك به.
(٣) كذا بالأصل، ولم يعزه له في صدر كلامه، وأسقط تخريج مسلم على غير عادته وقد استدركته في الحاشية السابقة. وأما النسائي فقد أخرجه في سننه (١/ ٢٧٦) بالإسناد.
(٤) البخاري (٥٨٤).
(٥) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، والمثبت من صحيح البخاري.
(٦) ما بين المعقوفتين بالأصل [بن] وهو تصحيف والصواب هو المثبت.
(٧) ما بين المعقوفتين بالأصل [عن] وهو تصحيف والصواب ما أثبتناه كذا في رواية البخاري.
[ ١ / ٣٩٥ ]
والمصلي ركعة من العصر قبل غروب الشمس؛ قد صليا معًا في وقتين مجمعان تحريم وقتين، فلما جعله مدركًا للصبح والعصر، استدللنا على أن نهيه عن الصلاة في هذه الأوقات على النوافل التي لا تلزم، وكان أبو هريرة يفتى بمثل ذلك فيما رواه المقبري عنه، فإذا كانت فتوى أبي هريرة هذه روايته، وهو أحد رواة النهي عن الصلاة في هذه الأوقات، فكيف يجوز دعوى نسخ ما رواه أبو هريرة في الإدراك بما رواه في النهي من غير تاريخ ولا سبب يدل على النسخ، فقد رُوي عن علي بن أبي طالب: أنه دخل فسطاطه بعد العصر فصلى ركعتين.
وروي ذلك عن الزبير، وابن الزبير، والنعمان بن بشير، وأبي أيوب، وعائشة، وتميم الداري.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال:
"لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الشافعي في كتاب اختلاف الحديث، وأخرجه مالك في الموطأ (١)، والبخاري (٢)، ومسلم (٣)، والنسائي (٤).
فأما مالك: فأخرجه بالإسناد واللفظ.
وأما البخاري: فأخرجه عن عبد اللِّه بن يوسف، عن مالك.
وأما [النسائي] (٥) فأخرجه عن عمرو بن علي، عن يحيى بن سعيد، عن هشام، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: "إذا طلع حاجب
_________________
(١) الموطأ (١/ ١٩٢ رقم ٤٧).
(٢) البخاري (٥٨٥).
(٣) مسلم (٨٢٨).
(٤) النسائي (١/ ٢٧٧).
(٥) ما بين المعقوفتين بالأصل [مسلم] وهو سهو، فلم يخرجه مسلم بهذا الإسناد إنما أخرجه من طريق آخر [٨٢٩] عن هشام بنحوه، وهذا العزو إنما هو للنسائي (١/ ٢٧٩) وقد أخرجه بهذا التمام فَلِذَا أثبته.
[ ١ / ٣٩٦ ]
الشمس فأخروا الصلاة حتى تشرق، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغرب".
وقد أخرج الشافعي هذه الرواية في كتاب الرسالة (١).
"التحرك": القصد والتعمد لفعل الشيء وقوله وهذه لا في قوله.
"لايتحرى" ناهية ومن حقها أن تجزم الفعل الواقع بعدها، وعلامة جزم هذا الفعل المعتل هو حذف الياء، وقد جاءت في الرواية مثبتة، فإن لم يكن تحريفًا من الرواة والكتاب، فتكون "لا" نافية لا ناهية، وقد ضمَّنت معنى النهي، وقد جاء مثل هذا في الاستعمال كثيرًا.
والفاء في قوله: "فيصلي" عاطفة "ليصلي" على "يتحرى"، وحقها أيضًا أن تكون مجزومة محذوفة الياء مثل "يتحرى"، ولها حكمها.
"ولا" في قوله: "ولا عند غروبها" نافية، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، ولأن النهي متعلق بالوقتين، وفي دخول "لا" فائدة وهو: أن لا يتوهم أن النهي متعلق بالصلاتين معًا في الوقتين معًا؛ وأنه إن صلى إحداهما ولم يصل الأخرى؛ لم يكن النهي متعلقًا بذلك؛ ومع دخول "لا" يزول هذا الوهم؛ لأنك إذا قلت: لم يقم زيد وعمرو، جاز أن يكون قد قام أحدهما، وأنك إنما أردت أن تخبر أنهما لم يقوما معًا في وقت واحد، فأما إذا قلت: لم يقم زيد ولا عمرو فإن اللفظ خاص لنفي القيام عن كل واحد منهما مجتمعين ومنفردين.
وفي تكرار لفظة "عند" زيادة تأكيد لنفي الفعل في هذا الوقت.
وبيان النهي متعلق بحالة الغروب.
وحاجب الشمس: أول ما يبدو منها، قال الجوهري: حاجب الشمس
_________________
(١) الرسالة (٨٧٣).
[ ١ / ٣٩٧ ]
طلوعها وإضاءتها، تقول: أشرقت الشمس إذا أضاءت وإذا طلعت.
فأما "شرقت الشمس" بغير ألف فإنما هو طلعت، والأحسن في الحديث أن يكون من أشرقت بمعنى أضاءت، لأنه قد نهى عن الصلاة حتى ترتفع الشمس قدر رمح، وعند ذلك يضيء نورها ويشرق.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن ابن أبي لبيد قال سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول: قدم معاوية بن أبي سفيان المدينة؛ فبينا هو على المنبر إذ قال: يا كثير بن الصلت اذهب إلى عائشة فسلها عن صلاة رسول اللَّه - ﷺ - بعد العصر، قال أبو سلمة: فذهب معه إلى عائشة، وبعث ابنُ عباس عبدَ اللَّهِ بن الحارث بن نوفل معنا، فأتى عائشة وسألها عن ذلك؟ فقالت له: اذهب غسل أم سلمة، فذهبت معه إلى أم سلمة فسألها؟ فقالت أم سلمة: "دخل عليَّ رسول اللَّه - ﷺ - ذات يوم بعد العصر، فصلى عندي ركعتين لم أكن أراه يصليهما، فقالت أم سلمة: فقلت يا رسول اللَّه، لقد صليت صلاة لم أكن أراك تصليها؟ قال: "إني كنت أصلي ركعتين بعد الظهر، وإنه قدم عليَّ وفد بني تميم -أو صدقة- فشغلوني عنهما، فهاتان الركعتان".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن عبد اللَّه بن أبي لبيد، بالإسناد واللفظ، وقال فيه، وبعث ابن عباس عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل معنا، فقال: اذهب فاسمع ما تقول أم المؤمنين، وفيه فقالت له عائشة: لا علم لي.
وذكرنا في الحديث الذي أخرج الشافعي الرواية الأولى في كتاب الصلاة (١) والثانية في كتاب اختلاف الحديث.
_________________
(١) الأم (١/ ١٤٨ - ١٤٩).
[ ١ / ٣٩٨ ]
وهذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤)، إلا أنهم لم يذكروا معاوية وقوله.
فأما البخاري: فأخرجه عن يحيى بن [سليمان] (٥) عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بكير، عن كريب أن ابن عباس والمسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن أزهر أرسلوه إلى عائشة، فقالوا: اقرأ ﵍ منا جميعًا، وسلها عن الركعتين بعد صلاة العصر؟ وقل لها: إنا أخبرنا أنك تصلينهما، وقد بلغنا أن النبي - ﷺ - ينهي عنهما، قال ابن عباس: وكنت أضرب الناس مع عمر بن الخطاب عنها، قال كريب: فدخلت على عائشة، فبلغتها ما أرسلوني فقالت: سل أم سلمة، فخرجت إليهم فأخبرتهم بقولها، فردوني إلى أم سلمة بمثل ما أرسلوني به إلى عائشة، فقالت أم سلمه: "سمعت النبي - ﷺ - نهى عنهما، ثم رأيته يصليهما حين صلى العصر، ثم دخل وعندي نسوة من بني حرام من الأنصار، فأرسلت إليه الجارية فقلت: قومي بجنبه فقولي له: تقول لك أم سلمة: يا رسول اللَّه، سمعتك تنهى عن هاتين وأراك تصليهما؟ فإن أشار بيده فاستأخرى عنه، [ففعلتْ] (٦) الجارية، فأشار بيده فاستأخرت عنه، [فلما] (٧) انصرف قال: "يا ابنة أبي أمية سألت عن الركعتين بعد العصر، وإنه أتاني ناس من عبد القيس -زاد في رواية بالإسلام- فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان".
وأما مسلم: فأخرجه عن حرملة، عن ابن وهب، بالإسناد ونحوه.
وأما أبو داود: فأخرجه عن [أحمد] (١) بن صالح، عن ابن وهب، بالإسناد،
_________________
(١) البخاري (١٢٣٣).
(٢) مسلم (٨٣٤).
(٣) أبو داود (١٢٧٣).
(٤) النسائي (١/ ٢٨١ - ٢٨٢)، وفي الكبرى (١٥٥٧).
(٥) بالأصل [سليم] وهو تصحيف، والصواب هو المثبت كذا عند البخاري.
(٦) بالأصل [ففعل] وهو خطأ والتصويب من رواية البخاري.
(٧) بالأصل [فإنما] وهو خطأ، والتصويب من رواية البخاري.
[ ١ / ٣٩٩ ]
مثل البخاري ومسلم.
وأما النسائي: فأخرجه عن محمد بن عبد الأعلى، عن معتمر، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أم سلمة أن النبي - ﷺ - صلى في بيتها بعد العصر ركعتين مرة واحدة، وإنها ذكرت ذلك له، فقال: "هما ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر؛ فشغلت عنهما حتى صليت العصر".
وله روايتان أخريان نحوهما مختصرًا.
وقد جاء في جواب بينا أداة بـ "إذ"، وقل ما تستعمل في العربية، إنما جوابها الفعل، تقول: بينا زيد قائم وصل عمرو، وقد سبق فيما مضى من الكتاب بيان هذه الكلمة مستوفيً فلم نعده.
وقوله: "ذات يوم" أي في يوم وهو من ظروف الزمان التي لا تتمكن، تقول: لقيته ذات يوم، وذات غداة، وذات العشاء، وذات مرة، وذات الزمين، وذات العريم.
وقالوا: لقيته ذا صباح، وذا مساء، وذا صبوح، وذا غبوق، فهذه الأربعة بغير تاء، وإنما سمع في هذه الأوقات المذكورة ولم يقولوا: ذات شهر، ولا ذات سنة.
"وهاتان" تثنية "هذه"، كما أن "هذان" تثنية "هذا".
"والوفد": القوم القادمون على الأمير، يسترفدون أو زائرين، ونحو ذلك.
وقوله: "أو صدقة" يريد أو صدقة بني تميم، وتقول: قرأ على فلان السلام، واقرأ ﵇ أي سلم عليه وأقرئ آل فلان السلام.
وقوله: "كنت أضرب الناس مع عمر بن الخطاب عنهما" أي كان ضربي
_________________
(١) بالأصل [محمد] وهو تصحيف، والتصويب من تحفة الأشراف (١٣/ ٣٠) ومطبوعة أبي داود.
[ ١ / ٤٠٠ ]
لهم صادرًا عن صلاتها وبسببها، يريد أن عمر بن الخطاب قد كان يمنع من يصليها وينهاه عنها؛ وكان ابن عباس ممن أمره عمر بذلك.
وفي هذا الحديث من الفقه:-
جواز الصلاة بعد العصر إذا كانت صلاة ذات سبب، لأن أم سلمة لما رأت النبي - ﷺ - يصلي بعد العصر وقد سمعت منه النهي عنها، سألته فقال في جوابه ما قال فأضافها إلى سببها، وهذا نص ظاهر في جواز الصلاة السببيَّة في الوقت المنهي عنه، فهو أيضًا صريح في أن صلاة هاتين الركعتين بعد العصر كان بعد النهي عن الصلاة بعد العصر، فلا يمكن ادعاء النسخ فيه، لأنه ثبت أنه بعد النهي، فكيف يكون منسوخًا وهو ناسخ.
وفيه من الفقه: أن الرواتب تُقْضَى.
وللشافعي فيها قولان:-
أحدهما: أنها تقضى، وبه قال أحمد في أصح الروايتين عنه وبه قال المزني.
والثانية: لا تُقضى، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، إذا فاتت الرواتب مع الفريضة قضيت جميعها.
[ ١ / ٤٠١ ]
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني إسحاق بن عبد اللَّه، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة أن رسول اللَّه - ﷺ -: "نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس، إلا يوم الجمعة".
هكذا رواه الشافعي في كتاب "الجمعة" (١)، ورواه في كتاب اختلاف الحديث (٢)، عن إبراهيم بن محمد قال: وروي عن إسحاق بن عبد اللَّه ورواه أبو خالد الأحمر، عن شيخ من أهل المدينة يقال له: عبد اللَّه بن سعيد، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - (٣) وفي الباب: عن أبي قتادة، وأبي سعيد الخدري.
وقد أشار الشافعي إلى حديث أبي سعيد في رواية المزني عنه.
قد تقدم بيان الأوقات المكروهة، وأن الكراهة ساقطة للصلوات ذوات الأسباب، وفي يوم الجمعة خاصة نصف النهار لهذا الحديث، ولذلك أخرجه الشافعي في كتاب الجمعة.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم، وعبد المجيد، عن ابن جريج، عن عامر بن مصعب أن طاوسًا أخبره أنه سأل ابن عباس عن الركعتين بعد العصر؟ فنهاه عنهما، قال طاوس: فقلت: ما أدعهما، قال ابن عباس: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٤).
إنما قرأ ابن عباس هذه الآية في معرض الاحتجاج، والاستدلال على طاوس في إبطال قوله: إني ما أدعهما، وذلك أنه إذا كان اللَّه ورسوله قد قضى أن لا
_________________
(١) الأم (١/ ١٩٧).
(٢) اختلاف الحديث (٥٠٣).
(٣) الحديث ضعيف جدًا. قال ابن عبد البر في "التمهيد" (٤/ ٢٠). وإبراهيم بن محمد الذي روى عنه الشافعي هذا الخبر، هو: ابن أبي يحيى المدني، متروك، الحديث، وإسحاق بعده في الإسناد، وهو: ابن أبي فروة ضعيف أيضًا.
(٤) الأحزاب: [٣٦].
[ ١ / ٤٠٢ ]
صلاة بعد العصر، فلا فسحة لأحد من الناس أن يختار خلاف ما قضى به.
وإيراد هذه الآية في معرض الاحتجاج، على سبيل التعريض لا على سبيل الاستدلال من أبلغ أنواع البلاغة، وهذا النوع يسمى في علم البيان "التعليق"، لأنه قد حذف من الخطاب شيئًا كان يريد أن يذكره، ثم يعضده بذكر الآية، وذلك أنه كان عليه أن يقول لطاوس لما قال: ما أدعهما، لا يجوز لك ذلك، فيقول له: ولم؟ فيقول: لأن النبي - ﷺ - نهى عنهما، فيقول: وكيف نهى عنهما؟ فيقول: قال: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس"، فيقول: ولم كان اتباع ذلك لازمًا؟ فيقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ (١) فانظر كيف حذف هذه الأسئلة والأجوبة، واكتفى بذكر الآية فأغنت عن ذلك جميعه، وتلاوة القرآن "وما كان لمؤمن" بواو قبل "ما"، والذي جاء في هذا الحديث بحذفها، فإن صحت الرواية بها، فلأنها إنما ذكر الآية مبتدئًا ولم يتقدمها ما يعطفها عليه، فأسقط الواو لذلك.
والأولى إثباتها محافظةً على لفظ القرآن.
وهذا الحديث أخرجه الشافعي في كتاب الرسالة (٢)، في جملة أحاديث أُخَر في معناه، استدل بها على بعضٍ من كُلِّهِ، في جواز صلاة الأسباب في الأوقات المكروهة.
قال الشافعي في جملة قوله: فإذا وجدت عن رسول اللَّه - ﷺ - خبرًا مُجْمَلًا فهو على جملته وظاهره، لا يحيله عن جملته وظاهره شيء إلا أن يأتي عن رسول اللَّه - ﷺ - خبر يكون فيه دلالة على أنه خاص دون عام، وباطن دون ظاهر، فيستدل بخبر رسول اللَّه - ﷺ - على خبره، وذلك أن ينهى رسول اللَّه - ﷺ - عن الشيء فيأتي الخبر جملة بنهيه عنه، ثم يأتي خبر عنه بترخيص
_________________
(١) الأحزاب: [٣٦].
(٢) الرساله (١٢٢٠).
[ ١ / ٤٠٣ ]
بعض ما يدخل في معنى الجملة، فيعلم أنه لم هد بالجملة قطعًا أجل، وقد بينت بعض هذا في كتابي هذا، ثم قال:
ومن هذا الوجه من السنة، أن رسول اللَّه - ﷺ - من أن تصلي للصَّلواتِ كلها لمواقيت معلومة، وذكر أحاديث منها، حديث أبي هريرة: "نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس" وحديث ابن عمر: "لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها". قال الشافعي: بظاهر هذه الأحاديث عن رسول اللَّه - ﷺ - لا تحل في شيء من هذه الساعات، لا صلاة فائتة ولا صلاة لطواف، ولا صلاة على جنازة، ولا سجدة، ولا غيرها من الصلوات.
فإن قال قائل: فلم تقل هذه الأحاديث على عمومها وظواهرها؟
قلنا: بالدلالة البينة عن رسول اللَّه - ﷺ - وذكر حديث أبي هريرة: "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح" وحديث ابن المسيب "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها" وحديث جبير بن مطعم "لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت أو صلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار" وسيجيء الحديث.
قال الشافعي: فدلت هذه الأحاديث عن رسول اللَّه - ﷺ - -واللَّه أعلم- أن رسول الله إنما أراد -بالنهي عن الصلاة في الساعات التي نهي عنها فيها- النافلة، فأما صلاة لزمت بوجه من الوجوه فلا، ولو كان على جملته ما كان لمن فاتته صلاة أن يصليها بعد الصبح، ولكان من كان في بقية من صلاته مع مغيب الشمس، أو طلوعها غير جائز الصلاة، ولما صلى أحد للطواف في شيء من هذه الأوقات، ولا على جنازة، ولم أر الناس اختلفوا في الصلاة على الجنازة بعد الصبح والعصر، ولو جاز لنا أن نزيل هذه الأحاديث بالأحاديث التي جاءت في النهي جاز لغيرنا أن يزيل هذا النهي بهذه الأحاديث. قال: وقد خالفنا بعض الناس في هذا، فقال -مع ظانة السنة فيه- قولًا متناقضًا، فزعم أن من صلى
[ ١ / ٤٠٤ ]
ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فصلاته تامة، ومن صلى ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فصلاته فاسدة.
فقيل لبعض من قال هذا القول من أصحابه، أَرَأيْتَ لو قال رجل يستخف بخلاف السنة: أفسد التي زعمت أنها تامة، وأتم التي زعمت أنها فاسدة، ما الحجة عليه؟.
قال: الذي صلى الركعة من العصر، خرج إلى وقت تحل فيه الصلاة والذي صلى الركعة من الصبح؛ خرج إلى وقت تحرم فيه الصلاة.
قيل له: أرأيت ما أفسد أول الصلاة، أليس يفسد آخرها؟
وما أفسد آخرها يفسد أولها؟ قال: بلى، قيل: فما صلى (١) العصر في وقت تحرم فيه الصلاة من اصفرار الشمس، ومن مغيب حاجب الشمس؟ قال: بلى، قلت: فكيف لم تفسد الأولى وأفسدت الأخرى؟ ثم ذكر كلامًا كثيرًا، وقال في آخره: وفيما كتبت إن شاء اللَّه كفاية لك، فإذا ورد عليك غيره، قلت فيه واللَّه لنا ولك بالتوفيق (٢) على ما شرحت من الناسخ والمنسوخ وغيره.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن أبي الزبير المكي، عن عبد اللَّه بن باباه عن جبير بن مطعم أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: "يا بني عبد مناف! من ولي منكم من أمر المسلمين شيئًا، فلا ينفر (٣) أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد وعبد [المجيد] (٤)، عن ابن جريج، عن عطاء، عن النبي - ﷺ - مثله أو مثل معناه لا يخالفه، وزاد عطاء: "يابني
_________________
(١) جاءت مكررة في الأصل.
(٢) كذا بالأصل وراجعت لفظ الشافعي من مصادره فلم أقف عليه بهذا التمام أو اللفظ وانظر قول الشافعي السابعة في الرسالة (٣١٦ - ٣٣٠).
(٣) كذا بالأصل وفي مطبوعة المسند بلفظ (يَمْنَعَنَّ).
(٤) بالأصل [المجد] وهو تصحيف.
[ ١ / ٤٠٥ ]
عبد المطلب، أو يا بني هاشم، أو يا بني عبد مناف".
هذا الحديث أخرجه الشافعي في كتاب اختلاف الحديث (١)، مع حديث أبي سلمة، عن معاوية، وعائشة، وهو حديث قد أخرجه أبو داود (٢)، والترمذي (٣)، والنسائي (٤).
فأما أبو داود: فأخرجه عن ابن السرح، عن سفيان، بالإسناد عن جبير بن مطعم يبلغ به النبي - ﷺ - قال: "لا تمنعوا أحدًا يطوف بهذا البيت، ويصلي أي ساعة شاء من ليل أو نهار".
فأما الترمذي: فأخرجه عن أبي عمار، وعلي بن خشرم، عن سفيان، بالإسناد: "يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى" الحديث.
وأما النسائي: فأخرجه عن عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن، عن سفيان بالإسناد، مثل الترمذي، وقال: لا يمنَعَنَّ.
وفي الباب: عن أبي ذر، وابن عباس.
والشافعي لما أخرج رواية جبير بن مطعم وهي متصلة، أكدها برواية عطاء المرسلة.
وإنما خص النبي - ﷺ - من بني عبد مناف ولاة الأمر لأن الأمر والنهي خصوصًا في الأحكام الشرعية إنما هو منوط بأولي الأمر وإنما خصَّ بني عبد مناف لأنهم ألزم به من غيرهم، وذلك جاء في رواية "يا بني عبد مناف، أو يا بني هاشم"، لأن بني هاشم أقرب إليه من بني عبد مناف، وبني عبد المطلب أقرب
_________________
(١) اختلاف الحديث (٥٠٤).
(٢) أبو داود (١٨٩٤).
(٣) الترمذي (٨٦٨) وقال: حسن صحيح.
(٤) النسائي (٥/ ٢٢٣)، وأخرجه في (١/ ٢٨٤) عن محمد بن منصور به.
[ ١ / ٤٠٦ ]
إليه من بني هاشم.
وفي رواية أبي داود: "يطوف ويصلي" وفي رواية الباقين "طاف وصلى" ورواية أبي داود أحسن، لأن لفظ الحالية يقتضي التجدد والحدوث، بخلاف لفظ الماضي لأنه مقصور على الواقع دون المتوقع والمتجدد.
ورواية الشافعي: قد جاءت مصدرة بالشرط والجزاء، الذي هو "مَنْ وَلِيَ" "فلا يمنع" وهي آكد وأعم وأبلغ في وجوب الحكم من غيرها، إلا أنها مخصوصة بمن ولي منهم الأمر.
والرواية الباقية مطلق لبني عبد مناف، سواء ولوا أمرًا أو لم يلوا.
وفيها دليل على أن: حكم البيت والحرم؛ مفوض إليهم على اختلاف الحالين، لأن من يكون إليه المنع يكون حكم ذلك الممنوع إليه، فإنه قادر عليه.
ومع تخصيص من يلي منهم ينبغي ذلك، لأنه إنما أمرهم بترك المنع مع الولاية، إذ الولاة قادرون عليه، بخلاف من لم يَلِ منهم.
وهذا الحديث: يدل على ما ذهب إليه الشافعي، من كراهة الأوقات المنهي عنها إلا في مكة، وقد سبق القول في ذلك.
والصلاة في الأوقات المكروهة قد فعلها ابن عباس، وابن عمرو، وابن الزبير، والحسن والحسين بن علي بن أبي طالب، وعطاء، وطاوس، والقاسم بن محمد، ومجاهد، والشعبي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
وأنكرت ذلك طائفة، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وروي عن أحمد أيضًا.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: رأيت أنا وعطاء بن أبي رباح ابن عمر "طاف بعد الصبح وصلى قبل أن تطلع الشمس".
هذا الحديث أخرجه في كتاب الرسالة (١)، في جملة الآحاديث التي أشرنا
[ ١ / ٤٠٧ ]
إليها قبله، وأخرجه في كتاب الصلاة، عقيب اعتراض اعترضه على شيء رواه عن عمر، وأبي سعيد الخدري أنهما كانا يمنعان من الصلاة بعد العصر.
قال الشافعي: وإن قال قائل: فهل من أحد صنع خلاف ما منعا؟
قيل: نعم، ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، والحسن، والحسين، وغيرهم وذكر إسناد حديث ابن عمر كما ذكرناه، ولم يذكر الأصم في المسند سوى حديث ابن عمر وقد ذكر الشافعي حديث الباقين في كتبه، عقيب حديث ابن عمر المذكور (١).
قال الشافعي: أخبرنا سفيان، عن عمار الدُهْنِيِّ، عن أبي شعبة: أن الحسن والحسين طافا بعد العصر وصليا.
فقال: أخبرنا مسلم وعبد المجيد، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، أن ابن عباس طاف بعد العصر وصلى (٢).
وهذا الحديث المذكور مؤكد لما ذهب إليه الشافعي، من جواز الصلاة (٣) السببية في الأوقات المكروهة.
وقد أخرج الشافعي فيما حكاه الزعفراني عنه قال:
قال الشافعي أخبرنا عبد اللَّه بن المؤمل، عن حميد مولى عفراء، عن قيس بن سعد، عن مجاهد قال: قدم أبو ذر مكة فأخذ بعضادتي الباب فقال: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا جندب أبو ذر، سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: "لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس؛ إلا بمكة إلا بمكة" تابعه إبراهيم بن طهمان، عن حميد مولى عفراء.
_________________
(١) الرسالة (٩٠١).
(٢) أخرج الأثرين في الرسالة (٩٠٢، ٩٠٣).
(٣) في الأصل بهذا الموضع زاد حرف (و) والظاهر أنها مقحمة والسياق مستقيم بحذفها.
[ ١ / ٤٠٨ ]
وهذا حديث مرسل (١)، وهو مع حديث عطاء المرسل، وحديث ابن عمر الموصول حجة متأكدة.
قال الشافعي: سمع عمر بن الخطاب النهي عن الصلاة جملة بعد العصر، ولم يسمع ما يدل على أنه إنما نهى عنها؛ للمعني الذي وصفنا فكان يجب عليه ما فعل، وكذلك أبو سعيد الخدري حين صنع كما صنع، ويجب على عن علم المعنى الذي نهى عنه؛ والمعنى الذي أبيحت فيه إباحتها، بالمعنى الذي أباحتها فيه.
وقد أخرج الشافعي، فيما ألزم العراقيين من مخالفة علي -كرم اللَّه وجهه- حكايه عن ابن مهدي، عن سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن وهب بن الأجدع، عن علي، عن رسول اللَّه - ﷺ - قال:
"لا تصلوا بعد العصر، إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة".
وعن ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي قال: "كان رسول اللَّه - ﷺ - يصلي دبر كل صلاة ركعتين إلا العصر والصبح".
_________________
(١) قال الحافظ في التلخيص (١/ ١٨٩): قال أبو حكم الرازي: لم يسمع مجاهد من أبي ذر، وكذا أطلق ذلك ابن عبد البر، والبيهقي، والمنذري وغير واحد. قال البيهقي: قوله في رواية إبراهيم بن طهمان: جاءنا أبو ذر أي جاء بلدنا، قلت (الحافظ): ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" من حديث سعيد بن سالم، كما رواه ابن عدي وقال: أنا أشك في سماع مجاهد من أبي ذر.
[ ١ / ٤٠٩ ]
وعن ابن مهدي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن عاصم قال: كنا مع عليّ في سفر فصلى العصر، ثم دخل فسطاطًا فصلى ركعتين.
قال الشافعي. وهذه الأحاديث يخالف بعضها بعضا (١) - واللَّه أعلم.
_________________
(١) وساق هذه الروايات البيهقي في السنن الكبير (٢/ ٤٥٩) ثم قال عقب قول الشافعي: فالواجب علينا اتباع ما لم يقع فيه الخلاف ثم يكون مخصوصًا بما لا سبب لها من الصلوات، ويكون ما لها سبب مستثناة من النهي بخبر أم سلمة وغيرها. وتعقب الشيخ الألباني -﵀- قول البيهقي وعقد مبحثًا نفيسًا في الصحيحة (٢٠٠) فانظره لزامًا.
[ ١ / ٤١٠ ]