في لمس المرأة
أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه قال: "قبلة الرجل امرأته وجسّها من الملامسة، فمن قبل امرأته أو جسها بيده فعليه الوضوء".
في نسخة "وجسها" بواو العطف لا بـ "أو".
هذا حديث صحيح (١)، وقد أخرجه مالك في الموطأ (٢) بالإسناد المذكور، وقال: إن ابن عمر كان يقول: وذكر الحديث بـ "أو".
وفي الباب عن عبد اللَّه بن مسعود.
"القُبْلَة": معروفة ويجمع على قُبَل؛ مثل ظُلْمَة وظُلَم.
"والتقبيل": مصدر قبلته إذا بُسْتُهُ، إلا أن البَوْسَ فارسي معرب.
"والجَسُّ": اللمس، تقول: جسه بيده يجسه جسًّا، إذا لمسه. والملامسة مفاعلة من اللمس، وهو أخو المس تقول: لمست الثوب ألمُسه -بالضم- وألمِسه -بالكسر- ولامسته ملامسةً.
وقد يكنى باللمس عن الجماع، كما كنى بالمس عنه لاجتماعهما في المعنى، ولأن الجماع لمس وزيادة.
وسيردُ الخِلاف في الحكم المترتب على التسمية عند الأئمة.
وقوله: "من الملامسة": خبر المبتدأ الذي هو قبلة الرجل، وإنما قال: "من
_________________
(١) قال ابن عبد البر: وهو ثابت عن ابن عمر من وجوه، من حديث سالم، ونافع عنه. "الاستذكار" (٣/ ٤٥).
(٢) الموطأ (١/ ٦٥ رقم ٦٤).
[ ١ / ٢٣٨ ]
الملامسة" فأدخل لفظةِ "منْ" لأمور ثلاثه:-
الأول: أن الملامسة فعل عام، وهو التقاء البشرتين من غير حاجز بأي، عضوٍ كان من البدن وبجميع البدن، فالقبلة نوع منها، لأنها مباشرة مخصوصة ببعض الأعضاء.
والثاني: أن اللمس والمس في أصل الوضع هو: الجَسُّ باليد، فلولا هذا التبيين لظن أن القبلة غير داخلة في حكم اللمس باليد؛ فقال: هي من الملامسة، أي حكمها وهي نازلة منزلتها.
والثالث: أن اللمس عند قوم: إنما أريد به الجماع دون المس باليد، فأخبر أن قبلة الرجل امرأته من جملة الجماع، لأنها من مقدماته ودواعيه، وهذا جائز في الاستعمال.
ولما جمع بين الجماع وبعضه؛ أعطاها بعض الحكم المترتب على الجماع وهو الوضوء؛ لأنه غسل بعض الأعضاء، كما أن الواجب في الجماع غسل جميع الأعضاء، ألا ترى أنه قال: فمن قبل امرأته أو جسها بيده فعليه الوضوء، فجعل القبلة والجس باليد في حكم واحد، وأنهما أمران مستويان في الحالة والحكم.
وقوله: "من الملامسة": كلام فيه إيجاز واختصار واستدلال وذلك أتى بلفظتين اكْتُفِيَ بهما عن ألفاظ كثيرة، لأنه في هذا المقام يريد أن يعرف الحكم في شأن القبلة؛ وما يتعلق بها من الوضوء أو تركه، فقال: من الملامسة، لعلمه بما قد ثبت في الشرع من حكم الملامسة؛ وأنهما موجبة للوضوء.
وهذا هو وجه الاستدلال؛ لأنه استدل بالملامسة على إلحاق القبلة بها.
والمراد بالملامسة قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (١) فأوجب في ملامسة النساء الوضوء، فألحق القبلة بها وبَيَّن أنها منها ليرتب عليها حكم الملامسة،
_________________
(١) المائدة: [٦].
[ ١ / ٢٣٩ ]
وذلك ذهاب منه إلى أن المراد من الموجبة للوضوء؛ التقاء البشرتين مطلقًا.
ولا خفاء بما في هذا اللفظ من الإيجاز والاختصار والاستدلال؛ وهكذا كانت ألفاظهم ﵃ لإشراق أنوار النبوة عليهم.
وقوله: "فعليه الوضوء": أبلغ من قوله: فليتوضأ لأمرين:-
أحدهما:- أن "عليه" حرف جر يستدعى فعلًا قاصرًا؛ هي به من أجله لتوصله إلى المفعول؛ وهو حينئذ الوجوب. التقدير: فيجب عليه؛ فهو في هذا الجواب متعرض لذكر الواجب، بخلاف غيره.
والثاني:- أن قوله "فعليه" فيه إيذان بوجوب هذا الأمر من جهة العلو والقدرة.
والذي جاء في الرواية الثانية "وجسها" بواو العطف، وفي الأولي بـ "أو" فإنها مع الواو تفيد اشتراط القبلة والجس، في كونهما من الملامسة.
وأما مع "أو" فإنه يفيد أن كل واحد منهما من الملامسة والجس، وهو أبين وأوضح، لأنه يشير بذلك إلى أن كل واحد منهما على الانفراد؛ له حكم الملامسة وهو وجوب الوضوء.
ومع "الواو" وإن حصلت هذه الفائدة؛ إلا أنها مشوبة بتوهم يعرض من الجمعية؛ أن اجتماع القبلة والجس باليد هو الذي يوجب ما توجبه الملامسة، وهذا وهم بعيد وإن كان اللفظ يقتضيه.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن لمس النساء يوجب الوضوء، بشهوة وبغير شهوة بأي موضع كان من البشرة، وبه قال عمر، وابن مسعود، وابن عمر، والزهري، وربيعة، وزيد بن أسلم، ومكحول، والأوزاعي.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه: لا تنتقض الطهارة باللمس، وروي ذلك عن ابن عباس، وهو مذهب عطاء، وطاوس، والحسن والثوري.
[ ١ / ٢٤٠ ]
إلا أن أبا حنيفة، وأبا يوسف قالا: إذا وطئها دون الفرج وانتشر عليه العضو انتقض الوضوء.
وقال مالك، وأحمد، وإسحاق: إن لمسها بشهوة انتقض، وإن كان بغير شهوة فلا.
حكى ذلك عن النخعي، والشعبي، والحكم، وحماد، وفيه وجه لأصحاب الشافعي.
وقال داود: إن قصد لمسها انتقض، وإن لم يقصد فلا.
وقال ابنه: لا ينتقض بحال، وروى مثل ذلك عن الثوري.
وأما ذات المحرم: كالأم، والأخت، والبنت ففيها قولان، وأما العجائز ففيهن وجهان، بناء على القولين في المحارم، كذا قال أبو إسحاق، وابن الصباغ.
والذي جاء في كتاب الغزالي قال: المحرم والصغيرة فيهما قولان:
أصحهما: أنه لا ينتقض لذهاب الشهوة.
والعجوزة الهرمة: ينتقض بلمسها الوضوء.
واللامس ينتقض وضوؤه قولًا واحدًا.
وفي الملموس قولان.
ومستند الخلاف بين من نقض باللمس، ومن لم ينقض به أن من نقض جعل الملامسة التي في الاية عبارة عن الجس؛ ومن لم ينقض به جعل الملامسة عبارة عن الجماع خاصة، وهو بعيد فإن اللغة لا تساعده على ذلك.
وقد استدل من لم ينقض به بحديث عائشة: "أن النبي - ﷺ - قَبَّلَ بعض
[ ١ / ٢٤١ ]
نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ" (١).
وهذا حديث متروك لا يصح عند أهل المعرفة بالحديث؛ لموضع إسناده، وقد ضعفه يحيى بن سعيد القطان وقال: هو شبه لا شيء.
وكان محمد بن إسماعيل البخاري يضعفه ويقول: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٦/ ٢١٠)، وأبو داود (١٧٩)، والترمذي (٨٦)، وابن ماجه (٥٠٢) وغيرهم. كلهم من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن عروة عنها به. قال أبو داود: قال يحيى بن سعيد القطان لرجل: احك عني أن هذين -يعني حديث الأعمش هذا عن حبيب، وحديثه بهذا الإسناد في المستحاضة أنها تتوضأ لكل صلاة- قال يحيى: احك عني أنهما شبه لا شيء، قال أبو داود: وروي عن الثوري قال: ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني -يعني: لم يحدثهم عن عروة عن الزبير بشيء. وقال الترمذي: إنما ترك أصحابنا حديث عائشة عن النبي - ﷺ - في هذا لأنه لا يصح عندهم لحال الإسناد. وسمعت أبا بكر العطار البصري يذكر عن علي بن المديني قال: ضعَّف يحيى بن سعيد القطان هذا الحديث جدًّا، وقال: هو شبه لا شيء. وسمعت محمد بن إسماعيل يضعف هذا الحديث، وقال: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة. قلت: وقد دافع ابن عبد البر عن هذا الحديث ومال إلى تقويته، قال في الاستذكار (٣/ ٥١ - ٥٢): وهذا الحديث معلول عندهم، فمنهم من قال: لم يسمع حبيب من عروة، ومنهم من قال: ليس هو عروة بن الزبير، وضعفوا هذا الحديث ودفعوه. وصححه الكوفيون وثبتوه لرواية الثقات أئمة الحديث له، وحبيب بن أبي ثابت لا ينكر لقاؤه عروة، لروايته عمَّن هو أكبر من عروة وأجل وأقدم موتًا وهو إمام من أئمة العلماء الجلَّة. وأفاض الزيلعي في نصب الراية (١/ ٧١ - ٧٢) وكذلك الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي (١/ ١٣٤ - ١٣٨) في رد هذه العلل. لكن من ضعفه أقعد في هذا الفن وكلامه أدق فهم أصحاب الشأن في هذا الباب وعليهم المعول في التصحيح والتضعيف. قال الحافظ في التلخيص (١/ ١٣٣): معلول وذكر علته أبو داود والترمذي، والدارقطني، والبيهقي، وابن حزم، وقال: لا يصح في هذا الباب شيء، وإن صح فهو محمول على ما كان عليه الأمر قبل نزول الوضوء من اللمس.
[ ١ / ٢٤٢ ]
وقال الترمذي: وليس يصح عن النبي - ﷺ - في هذا الباب شيء وضعفه أبو داود (١) وقال: هو منقطع، لأن إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة، وعروة الذي روى عن عائشة ليس بعروة بن الزبير؛ إنما هو عروة المزني.
وقد روى أبو حنيفة أيضًا: عن أبي روق، عن إبراهيم التيمي، عن حفصة (٢).
وروي عن: إبراهيم، وعائشة.
وإبراهيم لم يسمع من عائشة ولا من حفصة ولا أدرك زمانهما، قاله الدارقطني وغيره.
وقد أخرج الشافعي في كتاب "القديم" عن مالك أنه بلغه أن ابن مسعود كان
_________________
(١) وهذه طريق أخرى أخرجها أبو داود (١٧٨)، وأحمد (٦/ ٢١٠)، والنسائي (١/ ١٠٤) وغيرهم. من طريق أبي روق، عن إبراهيم التيمي عنه بنحو الأول. قال أبو داود: وهو مرسل، إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة. وقال النسائي: ليس في هذا الباب حديث أحسن من هذا الحديث وإن كان مرسلًا، وقد روى هذا الحديث الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة. قال يحيى القطان: حديث حبيب، عن عروة، عن عائشة هذا، وحديث حبيب عن عروة عن عائشة: "تصلي وإن قطر الدم على الحصير"؛ لا شيء وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٣/ ٥٣). وهو مرسل لا خلاف فيه، لأنه لم يسمع إبراهيم التيمي، عن عائشة، ولم يروه أيضًا غير أبي روق، وليس فيما انفرد به حجة.
(٢) أخرجه الدارقطني في سننه (١/ ١٤١)، والبيهقي في الخلافيات (٤٤٤). قال البيهقي في سننه (١/ ١٢٧): ورواه أبو حنيفة، عن أبي روق، عن إبراهيم، عن حفصة، وإبراهيم لم يسمع من عائشة، ولا من حفصة قاله الدارقطني وغيره. والحديث الصحيح عن عائشة في قبلة الصائم فحمله الضعفاء من الرواة على ترك الوضوء منها، ولو صح إسناده لقلنا به إن شاء اللَّه. وقال في الخلافيات (٢/ ١٧٤): أسنده الثوري عن عائشة، وأسنده أبو حنيفة عن حفصة وكلاهما أرسله، وإبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة ولا من حفصة ولا أدرك زمانهما.
[ ١ / ٢٤٣ ]
يقول: من قبلة الرجل امرأته: الوضوء.
وأخرج أيضًا في كتاب علي وعبد اللَّه بلاغًا، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود قال: القبلة من اللمس وفيها الوضوء.
قال الشافعي: فخالفنا بعض الناس فقال: ليس في القبلة الوضوء، واحتج فيها بحديث ليس بمحفوظ، واللَّه أعلم.
قال: ولو ثبت حديث معبد بن نباتة في القبلة، لم أر فيها شيئًا ولا في اللمس؛ فإن معبد بن نباتة، يروي عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن عائشة: أن النبي - ﷺ - كان يقبل ولا يتوضأ (١).
ولكني لا أدرى كيف معبد بن نباته هذا؛ فإن كان ثقة فالحجة فيما روي عن النبي - ﷺ -، ولكني أخاف أن يكون غلط من قبل أن عروة إنما روى أن النبي - ﷺ - قبلها صائمًا.
قال البيهقي: معبد بن نباته هذا مجهول، ومحمد بن عمرو بن عطاء لم يثبت له عن عائشة شيء، واللَه أعلم.
_________________
(١) أخرجه: عبد الرزاق في مصنفه (٥١٠). وقال ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٥٤): هو -أي: معبد بن نباتة- مجهول لا حجة فيما رواه عندنا، وإبراهيم بن أبي يحيى عند أهل الحديث ضعيف متروك الحديث. وقال الحافظ في التلخيص بعد ذكره كلام الشافعي (١/ ١٢٢): روي من عشرة أوجه عن عائشة، أوردها البيهقي في الخلافيات وضعفها. قلت: وراجع الخلافيات للبيهقي المسألة رقم (١٩) لتقف على كل هذه الطرق وزيادة مع الكلام عليها بما لا تراه عند غيره.
[ ١ / ٢٤٤ ]