في أكل ما مسَّته النار
أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن رجلين أحدهما جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، عن أبيه "أن رسول اللَّه - ﷺ - أكل كتف شاة؛ ثم صلى ولم يتوضأ".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، والترمذي (٣).
فأما البخاري: فأخرجه عن يحيى بن [بُكَيْر] (٤)، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن جعفر بن عمرو بن أمية، أن أباه أخبره "أنه رأى النبي - ﷺ - يَجْتَزُّ من كتف شاة؛ فدعي إلى الصلاة فألقى السكين فصلى ولم يتوضأ.
وفي أخرى: فألقاها والسكين التي يَجْتَزُّ بها.
وأما مسلم: فأخرجه عن محمد بن الصباح، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن جعفر، مثل البخاري.
وفي أخرى: عن أحمد بن عيسى، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن الزهري، وقال فيه: وطرح السكين.
وأما الترمذي: فأخرجه عن محمود بن غيلان، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، نحو البخاري.
وفي الباب: عن أبي بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود،
_________________
(١) البخاري (٢٠٨).
(٢) مسلم (٣٥٥).
(٣) الترمذي (١٨٣٦) وقال: حسن صحيح.
(٤) بالأصل [كثير] وهو تصحيف والصواب ما أثبتناه كذا عند البخاري.
[ ١ / ٢٥٦ ]
وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي رافع، وجابر، وأنس، والمغيرة بن شعبة، وعبد اللَّه بن الحارث بن جزء، وسويد بن النعمان، وأم سلمة، وميمونة، وزينب بنت أبي سلمة، وأم الحكم، وأم عاصم.
"الكتف": معروف، وفيه لغتان: بفتح الكاف وكسر التاء، وبكسر الكاف وسكون التاء.
"والجز": القطع، واجتز افتعل منه.
"والسكين": اسم عربي يذكر ويؤنث، والغالب عليه التذكير.
وفي هذا الحديث من الفقه:
جواز جز اللحم بالسكن، وإن كان قد روي في حديث آخر النهي عنه (١)؛ ويشبه أن يكون النهي ورد في من يفعله فِعْلَ الأعاجم، ويتزيا بزي المتكبرين والمترفين؛ الذين يجلون أنفسهم عن قطع اللحم باليد ونهسه بالأسنان.
_________________
(١) أخرج أبو داود (٣٧٧٨)، والبيهقي (٧/ ٢٨٠) عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه - ﷺ - "لا تقطعوا اللحم بالسكين فإنه من صنيع الأعاجم، وانهسوه فإنه أهنأ وأبرأ". وهو حديث منكر قال أبو داود عقبه: وليس هو بالقوى، وقال المنذري في مختصر السنن (٥/ ٣٠٤): في إسناده: أبو معشر السندي المدني واسمه نجيح وكان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه، ويستضعفه جدًّا ويضحك إذا ذكره، تكلم فيه غير واحد من الأئمة، وقال أبو عبد الرحمن النسائي: أبو معشر له أحاديث مناكير منها هذا. اهـ وقد ذكر الحديث ابنُ الجوزي في الموضوعات (٢/ ٣٠٣). وقال: قال أحمد بن حنبل: ليس بصحيح، وقد كان رسول اللَّه - ﷺ - يجتز من لحم شاة. هذا حديث أبي معشر واسمه: نجيح بن عبد الرحمن، قال يحيى: ليس بشيء، وقد سرقه من أبي معشر يحيى بن هاشم. قلت: وقد بوب البخاري (٥٤٠٨) على حديث الباب بقوله: "باب قطع اللحم بالسكين" إشارة منه إلى ترجيح الفعل على النهي الوارد. وقال الحافظ في شرحه (١/ ٣٧٢ - ٣٧٣): وفي النهي عنه حديث ضعيف في سنن "أبي داود" فإن ثبت خص بعدم الحاجة الداعية إلى ذلك لما فيه من التشبه بالأعاجم وأهل الترف.
[ ١ / ٢٥٧ ]
فأما من فعله لتعذر قطعه باليد إما لقلة نضجه، أو لكبر القطعة أو لحرارتها، أو نحو ذلك فلا.
ومع ذلك فالنهي يكون من باب الكراهة لا التحريم بالإجماع (١).
والذي ذهب إليه الشافعي: أن كل ما مسته النار لا ينقض الوضوء، وهو مذهب الأكثر من الصحابة والتابعين والفقهاء.
وحكي أن عمر بن عبد العزيز، وأبا قلابة، وأبا مجلز، والزهري، والحسن البصري كانوا يتوضئون منه، تمسكًا بما روى أبو هريرة وغيره عن النبي - ﷺ - أنه قال: "توضأ مما مسته النار، ومما غيرت النار" (٢).
_________________
(١) هذا إن ثبت النهي، وأما وقد علمت ضعفه فلا معارضة.
(٢) أخرج مسلم (٣٥١، ٣٥٢، ٣٥٣) ثلاث روايات عن أبي هريرة وعائشة وزيد بن ثابت بنحوه. وقال النووي: ذكر مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في هذا الباب الأحاديث الواردة بالوضوء مما مست النار، ثم عَقَّبَها بالأحاديث الواردة بترك الوضوء مما مست النار فكأنه يشير إلى أن الوضوء منسوخ، وهذه عادة مسلم وغيره من أئمة الحديث، يذكرون الأحاديث التي يرونها منسوخة ثم يعقبونها بالناسخ، وقد اختلف العلماء في قوله - ﷺ -: "توضئوا مما مست النار"، فذهب جماهير العلماء -من السلف والخلف- إلى أنه لا ينتقض الوضوء يأكل ما مسته النار، ممن ذهب إليه أبو بكر الصديق ﵁، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعليّ بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن مسعود، وأبو الدرداء، وابن عباس، وعبد اللَّه بن عمر، وأنس بن مالك، وجابر بن سمرة، وزيد بن ثابت، وأبو موسى، وأبو هريرة، وأبي ابن كعب، وأبو طلحة، وعامر بن ربيعة، وأبو أمامة، وعائشة ﵃ أجمعين، وهؤلاء كلهم صحابة، وذهب إليه جماهير التابعين، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن يحيى، وأبي ثور، وأبي خيثمة ﵏. وذهب طائفة إلى وجوب الوضوء الشرعي -وضوء الصلاة- بأكل ما مسته النار، وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري والزهري وأبي قلابة وأبي مجلز، واحتج هؤلاء بحديث "توضئوا مما مسته النار" واحتج الجمهور بالأحاديث الواردة بترك الوضوء مما مسته النار. =
[ ١ / ٢٥٨ ]
وليس ذلك بحجة، لأن العلماء مجمعون على أنه منسوخ (١).
وروي عن جابر بن عبد اللَّه أنه قال: "كان آخر الأمرين من رسول اللَّه - ﷺ - ترك الوضوء مما مست النار" (٢).
ويستحب غسل يده منه إن كان يغير رائحتها.
وذهب أحمد بن حنبل، وإسحاق، وجماعة من أهل الحديث: إلى أن أكل
_________________
(١) = وقد ذكر مسلم -هنا- منها جملة وباقيها في كتب أئمة الحديث المشهورة وأجابوا عن حديث "الوضوء مما مست النار" بجوابين: أحدهما: أنه منسوخ بحديث جابر -﵁- قال: "كان آخر الأمرين من رسول اللَّه - ﷺ - ترك الوضوء مما مست النار"، وهو حديث صحيح. رواه أبو داود والنسائي وغيرهما من أهل السنن بأسانيدهم الصحيحة. والجواب الثاني: أن المراد بالوضوء غسل الفم والكفين، ثم إن هذا الخلاف الذي حكيناه كان في الصدر الأول، ثم أجمع العلماء بعد ذلك على أنه لا يجب الوضوء بأكل ما مسته النار، واللَّه أعلم. شرح مسلم (٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩).
(٢) دعوى الإجماع غير مسلم بها وقد نقلنا الخلاف بين أهل العلم في التعليق السابق، وإن كنا نذهب إلى هذا القول وهو مذهب الجمهور لكن المسألة لم تصل إلى حد الإجماع. قال الشوكاني في نيل الأوطار (١/ ٢٤٦): أما دعوى الإجماع فهي من الدعاوي التي لا يهابها طالب الحق، ولا تحول بينه وبين مراد منه.
(٣) أخرجه أبو داود (١٩٢)، والنسائي (١/ ١٠٨) وابن حبان (١١٣٤)، وابن خزيمة (٤٣) في صحيحهيما. كلهم من طريق علي بن عياش، عن شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر عنه به. قال الحافظ في التلخيص (١/ ١١٦): قال أبو داود: هذا اختصار من حديث: قربت للنبي - ﷺ - خبزًا ولحمًا فأكل، ثم دعا بوضوء فتوضأ قبل الظهر، ثم دعا بفضل طعامه فأكل، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ. وقال ابن أبي حاتم في "العلل" عن أبيه نحوه، وزاد: ويمكن أن يكون شعيب حدث به مِنْ حِفْظِهِ فوهم فيه. وقال ابن حبان نحوًا مما قاله أبو داود، وله علة أخرى، قال الشافعي في "سنن حرملة": لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر إنما سمعه من عبد اللَّه بن محمد بن عقيل. وقال البخاري في "الأوسط": ثنا علي بن المديني، قال: قلت لسفيان إن أبا علقمة الفروي روى عن ابن المنكدر، عن جابر: "أن النبي - ﷺ - أكل لحمًا ولم يتوضأ" فقال: أحسبني سمعت ابن المنكدر قال: أخبرني من سمع جابرًا.
[ ١ / ٢٥٩ ]
لحم الجزور خاصة يوجب الوضوء خاصة، وحكى أنه قول قديم للشافعي؛ تمسكًا بما رواه البراء بن عازب عن النبي - ﷺ - أنه سُئل عن الوضوء من لحوم الإبل؟ فقال: "توضأ منها"، وسئل عن لحوم الغنم؟ فقال: "لا يُتَوَضَّأُ منها" (١).
وهذا محمول عند الجمهور: على غسل اليد والفم منها لشدة رائحتها، وكثرة دهنها وزهومتها.
وحكي عن الشافعي أنه قال في بعض كتبه: إن صح الحديث من الوضوء من لحوم الإبل قلت به (٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٤/ ٢٨٨)، وأبو داود (١٨٤)، والترمذي (٨١)، وابن ماجه (٤٩٤)، وابن خزيمة (٣٢) وابن حبان (١١٢٨) وغيرهم. من طريق عبد اللَّه بن عبد اللَّه الرازي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه بنحوه. قال الحافظ في التلخيص (١/ ١١٥). قال ابن خزيمة في صحيحه: لم أر خلافًا بين علماء الحديث، أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه، وذكر الترمذي الخلاف فيه على ابن أبي ليلى هل هو عن البراء أو عن ذي الغرة، أو عن أسيد بن حضير، وصحَّح أنه عن البراء كذا ذكره ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه. قلت: وصحح إسناده الشيخ الألباني -﵀- في الإرواء (١/ ١٥٣).
(٢) قلت: صح فيه حديثان. قال الترمذي (١/ ١٢٥): قال إسحاق: صح في هذا الباب حديثان عن رسول اللَّه - ﷺ -: حديث البراء، وحديث جابر بن سمرة وهو قول أحمد وإسحاق. وقال الحافظ في التلخيص (١/ ١١٦): فائدة: قال البيهقي: حكى بعض أصحابنا عن الشافعي، قال: إن صح الحديث في لحوم الإبل، قلت به، قال البيهقي: قد صح فيه حديثان، حديث جابر بن سمرة وحديث البراء قاله أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. وهذا هو القول الصحيح في المسألة لصحة النص في ذلك؛ وقد أنصف الإمام النووي -﵀- عندما قال: هذا المذهب أقوى دليلًا، وإن كان الجمهور على خلافه وقد أجاب الجمهور عن هذا الحديث بحديث جابر: "كان آخر الأمرين من رسول اللَّه - ﷺ - ترك الوضوء مما مست النار". ولكن هذا الحديث عام، وحديث الوضوء من لحوم الإبل خاص والخاص مقدم على العام. شرح مسلم (٢/ ٢٨٤).
[ ١ / ٢٦٠ ]
وقد أخرج الشافعي في كتاب القديم: عن مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد اللَّه بن عباس: "أن رسول - ﷺ - أكل كتف شاة، ثم صلى ولم يتوضأ".
وهذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، وأبو داود (٣) والنسائي (٤).
وأخرج الشافعي: أيضًا في كتاب القديم: عن مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد، عن بُشيْر بن يسار مولى بني حارثة، أن سويد بن النعمان أخبره "أنه خرج مع رسول اللَّه - ﷺ - عام خيبر حتى إذا كانوا بالصهباء -وهي أدنى خيبر- فنزل للعصر؛ ثم دعى بالأزاود فلم يؤت إلا بالسويق؛ فأمر به فثري ثم صلى ولم يتوضأ".
قوله "فَثُرِّىَ": أي بُلَّ بالماء.
وهذا حديث صحيح، أخرجه البخاري (٥)، والموطأ (٦)، والنسائي (٧).
وفيه: "فثري وأكل وأكلنا، ثم قام النبي - ﷺ - إلى المغرب فمضمض ومضمضنا، ولم يتوضأ".
وهذا يدل على أن الوضوء إن أطلق في أكل ما مست النار؛ فإنما يراد به غسل الفم واليد.
_________________
(١) البخاري (٢٠٧).
(٢) مسلم (٣٥٤).
(٣) أبو داود (١٨٧).
(٤) لم أجده عنده بهذا الإسناد المذكور والمتن، وقد عزاه إليه المزي في تحفة الأشراف (٥/ ١٠٦) وقال: حديث النسائي في رواية ابن الأحمر، ولم يذكره أبو القاسم.
(٥) البخاري (٢١٥).
(٦) الموطأ (١/ ٥٢ رقم ٢٠).
(٧) النسائي (١/ ١٠٨ - ١٠٩).
[ ١ / ٢٦١ ]
وأخرج الشافعي في سنن حرملة، عن عبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللَّه مختصرًا من حديث [جابر] (١).
وقد أخرجه: أبو داود (٢)، والترمذي (٣)، والنسائي (٤) أنه قال: "ذهب رسول اللَّه - ﷺ - إلى امرأة من الأنصار ومعه أصحابه، فقربت لهم شاة مصلية، قال: فأكل فأكلنا، ثم حانت الظهر فتوضأ ثم صلى؛ ثم رجع إلى فضل طعامه فأكل، ثم كانت العصر فصلى ولم يتوضأ".
رواه الشافعي مختصرًا ثم قال: لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر، إنما سمعه من عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، عن جابر.
وهذا الذي ذكره الشافعي محتمل، وذلك لأن صاحِبَي الصحيح لم يخرجا هذا الحديث من جهة محمد بن المنكدر، عن جابر في الصحيح، مع كون إسناده من شرطهما، ولأن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل قد رواه أيضًا عن جابر، ورواه عنه جماعة إلا أنه قد روي عن حجاج بن محمد، عن عبد الرزاق، ومحمد بن بكر، عن ابن جريج، عن ابن المنكدر قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه فذكر هذا الحديث.
فإن لَمْ يَكُنْ ذِكْرُ السَّمَاعِ فيه وَهْمًا من ابن جريج؛ فالحديث صحيح على شرط صاحبي الصحيح، واللَّه أعلم.
قال الشافعي: قد روى عن النبي - ﷺ - الوضوء مما مست النار، وإنما قلنا: لا يتوضأ منه لأنه عندنا منسوخ، ألا ترى أن عبد اللَّه بن عباس إنما صحبه بعد الفتح، يروي عنه أنه رآه يأكل من كتف شاة ثم صلى ولم يترضأ؛ وهذا عندنا
_________________
(١) بالأصل [لجابر] والصواب ما أثبتناه.
(٢) أبو داود (١٠٩١) من طريق ابن جريج عن ابن المنكدر عنه بنحوه.
(٣) الترمذي (٨٠) من طريق سفيان بن عيينة، عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل عنه بنحوه.
(٤) أخرج النسائي الرواية المختصرة وقد سبق تخريجها.
[ ١ / ٢٦٢ ]
من أبين الدلالات على أن الوضوء منه منسوخ، أو أن أمره بالوضوء منه للتنظيف، والثابت عن رسول اللَّه - ﷺ - أنه لم يتوضأ منه، ثم عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن عباس، وعامر بن ربيعة، وأبي بن كعب، وأبي طلحة، كل هؤلاء لم يتوضئوا منه.
***
[ ١ / ٢٦٣ ]