في تسمية [العشاء] (١) بالعتمة
أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي لبيد، عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: "لا تغلبَنَّكم الأعراب على اسم صلاتكم، هي العشاء ألا إنهم يعتمون بالإبل".
هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤).
فأما مسلم: فأخرجه عن زهير بن حرب، وابن أبي عمر، عن سفيان، وقال فيه: "ألا إنها العشاء وهم يعتمون بالإبل".
وفي رواية له عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان، بالإسناد قال: "لا تغلبنكم عن اسم صلاتكم (٥)؛ فإنها في كتاب اللَّه العشاء، فإنها تعتم بحلاب الإبل".
وأما أبو داود: فأخرجه عن عثمان بن أبي شيبة، عن سفيان، وقال: "ألا وأنها العشاء ولكنهم يعتمون بالإبل".
وأما النسائي: فأخرجه عن أحمد بن سليمان، عن أبي داود، عن سفيان، وفيه "فإنهم يعتمون على الإبل وإنها العشاء".
"الأعراب": جمع قد تقدم بيانهم، وهم سكان البادية من العرب.
وقوله: "لا تغلبنكم" هي كراهية، وسيرد بيان المذاهب فيه، والمراد بغلبتهم:
_________________
(١) ما بين المعقوفتين غير مثبت بالأصل والسياق يقتضيها.
(٢) مسلم (٦٤٤).
(٣) أبو داود (٤٩٨٤).
(٤) النسائي (١/ ٢٧٠).
(٥) في مطبوعة مسلم زاد [العشاء].
[ ١ / ٤١١ ]
أن الأعراب كانوا [يسمون] (١) صلاة العشاء صلاة العتمة، والشرع سماها صلاة العشاء، وكلا التسميتين باسم الوقت، فحثهم - ﷺ - على حفظ الاسم الشرعي الذي لم يكن الأعراب تعرفه، لأنهم لما ألفوه أَحْفَظُ، وبما عرفوه آنس، ولم تكن الأعراب تجري هذا الاسم في خطابها؛ ويحتاج الصحابة أن يخاطبوهم بعد بها؛ لكثرة الملابسة والمجاورة، مالوا إلى الاسم الذي هو العتمة، وغلب على ألسنتهم وأهملوا الاسم الشرعي، فحرضهم على حفظه بطريق النهي، ثم لم يكتف بمجرد النهي حتى جعله من طريق [الغلبة] (٢)، لأن النفوس تنفر أن تغلب بالطبع، فأخرجه مخرج المغالبة، فإن الأعراب يريدون أن يقهروكم ويغلبوكم ويردوكم إلى موافقتهم في تسمية صلاتكم بالعتمة فإياكم أن تنقادوا لهم، ولا أن تسمحوا أن يغلبوكم وترضوا لأنفسكم أن يقهروكم.
ثم انظر إلى ما في قوله: "صلاتكم" وإضافتها إليهم، وتخصيصها بهم؛ حتى كأنها لهم خاصة دون الأعراب من التخصيص والتحريض والحث على المحافظة، لأن من قيل له: لا تنقهر لخصمك في أخذ مالك، ليس كمن يقال له: لا تقهر لخصمك في أخذ مالٍ ما، فإضافتها إليهم مما يؤكدهم على حفظ هذا الاسم، وترك الميل إلى غيره.
ثم قال - ﷺ -: "هي العشاء" بيانًا للتسمية الشرعية، لأنه قال أولًا: "على اسم صلاتكم" ولم يذكر الاسم، فعقبه بقوله: "هي العشاء" حتى لا يظن أن الاسم الذي أمرهم بالمحافظة عليه هو غيره ثم قال: "ألا إنهم يعتمون بالإبل". "العتمة": هي اسم للثلث الأول من الليل بعد غيبوبة الشفق، قاله الخليل وهو اسم لوقت صلاة العشاء، وقد "عتم الليل" يعتم، وعتمه: ظلامه والمراد بقوله: "يعتمون بالإبل"
_________________
(١) ما بين المعقوفتين غير مثبت بالأصل، والسياق يقتضيها.
(٢) في الأصل [القبلة] وهو تصحيف والمثبت هو الموافق للسياق.
[ ١ / ٤١٢ ]
أي يؤخرون حلبها إلى أن يظلم الظلام، فسموا الصلاة باسم ذلك الوقت.
و"ألا" يجوز أن تكون مشددة، فتكون استثناء، ويجوز أن تكون مخففة فتكون استفتاحًا للكلام، ويعضد الاستثناء ما جاء في رواية أبي داود: "ولكنهم يعتمون بالإبل" فجاء بـ "لكن" التي للاستدراك، كما أن تلك للاستثناء، ويعضد الاستفتاح باقي الروايات، على ما فيها من إضافة "ألا" تارة إلى العشاء وتارة إلى العتمة.
ويشد من تخفيفها إدخال الواو بعد "إلا" في رواية أبي داود أيضًا.
والأشبه برواية الشافعي أن تكون للاستثناء، وكلا الوجهين جائز.
وأما دخول الواو بعد "ألا" المخففة، ففيه زيادة ليست مع عدمها وذلك كأنه لما استفتح الكلام بقوله: "ألا" أراد أن يذكر مقصوده، فأدخل الواو ليوهم المخاطب أن هذا القول معطوف على كلام قبله، كأنه قال: لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم، ألا إنها الصلاة التي يعهدون ويعرفون وأنها العشاء.
وأما قوله - ﷺ -: "فإنها في كتاب اللَّه العشاء" يريد قول اللَّه -﷿- في سورة النور ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ (١) وإنما نهاهم النبي - ﷺ - عن هذه التسمية: لئلا يرغبوا عما سماه اللَّه تعالى ورسوله، وليتأدبوا بآداب الشرع، ولا يميلوا إلى الأعراب محافظة على القانون الشرعي.
وقيل: أراد لا يغرنكم فعل الأعراب تأخير حلب الإبل، وتسميتهم هذه الصلاة بالعتمة فتؤخروها عن وقتها الذي عرفتموه، ولكن صلوها لوقتها واتركوا فعلهم.
والذي ذهب إليه الشافعي أنه قال: واجب أن لا تسمى صلاة العشاء بالعتمة لهذا الحديث.
_________________
(١) النور [٥٨].
[ ١ / ٤١٣ ]
وقد كره ذلك جماعة من الصحابة والتابعين.
وكان ابن عمر: إذا سمع رجلًا يقول: "العتمة" صاح وغضب، وقال: إنما هو العشاء.
وقال مالك بن أنس: واجب أن لا تسمى إلا بما سماها اللَّه -﷿- ومنهم من لم يكره ذلك، لما جاء عن عائشة قالت: اعتم رسول اللَّه - ﷺ - بالعتمة، وفي رواية: اعتمّ بالعشاء (١)، ولما رواه أبو هريرة عن النبي - ﷺ - قال: "لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا" (٢) ويحتمل أن يكون النهي بعد حديث أبي هريرة.
قال الشافعي: وسمى اللَّه -﷿- صلاة الصبح قرآنا في قوله -تعالى- ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (٣) وسماها رسول الله - ﷺ - صبحًا في قوله: "من أدرك ركعة من الصبح فقد أدرك الصلاة" (٤) فلا أحب أن يسمى بغير هذين الاسمين، فلا يقال: صلاة الغداة ولا غير ذلك.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٦٦)، ومسلم (٦٣٨).
(٢) أخرجه البخاري (٦١٥)، ومسلم (٤٣٧).
(٣) الإسراء: (٧٨).
(٤) تقدم تخريجه.
[ ١ / ٤١٤ ]