قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عبد اللَّه بن عباس أنه قال: "مَرَّ النبيُّ - ﷺ - بشاة ميتة قال: فَهَلَّا انتفعتم بجلدها! فقالوا: يا رسول اللَّه إنها مَيْتَةٌ! قال - ﷺ -: "إنما حَرُم أَكْلُها".
وأخبرنا الشافعي قال: أخبرنا ابن عيينة، عن الزهري، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عباس عن النبي - ﷺ - أنه مر بشاة لمولاةٍ لميمونة ميتة فقال النبي - ﷺ -: "ما
على أهل هذه، لو أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به، فقالوا: يا رسول اللَّه، إنها ميتة! قال - ﷺ -: إنما حَرُمَ أَكْلُها".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه مالك في الموطأ (١)، والبخاري (٢) ومسلم (٣)، وأبو داود (٤) والترمذي (٥)، والنسائي (٦).
فأما مالك: فأخرجه بالإسناد الأول واللفظ.
وأما البخاري: فأخرجه عن زهير بن حرب، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح، عن الزهري، بالإسناد "أن رسول اللَّه - ﷺ - مر بشاة فقال:
_________________
(١) الموطأ (٢/ ٣٩٧ رقم ١٦).
(٢) البخاري (٥٥٣١، ٥٥٣٢).
(٣) مسلم (٣٦٣).
(٤) أبو داود (٤١٢٠ - ٤١٢٢).
(٥) الترمذي (١٧٢٧) وقال: حسن صحيح.
(٦) النسائي (٧/ ١٧١ - ١٧٢).
[ ١ / ١١٨ ]
"هَلَّا استمتعتم بإهابها! قالوا: إنها ميتة! قال: "إنما حرم أكلها".
وفي أخرى: عن خَطّاب بن عثمان، عن محمد بن حِمْيَر، عن ثابت بن عجلان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "مر النبي - ﷺ - بعنز ميتة فقال: "ما على أهلها لو انتفعوا بإهابها".
وأما مسلم: فأخرجه عن يحيى بن يحيى، وأبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد، وابن أبي عمر، جميعًا عن ابن عيينة، عن الزهري، بالإسناد قال: "تُصُدِّق على مولاة لميمونة بشاة فماتت، فَمَرِّ بها رسول اللَّه - ﷺ - فقال: "هَلَّا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به! قالوا: إنها ميتة! قال: "إنما حرم أكلها". وقال أبو بكر، وابن أبي عمر، في حديثهما: عن ميمونة.
وله روايات أخرى.
وأما أبو داود: فأخرجه من مسدد، ووهب بن بيان، وعثمان بن أبي شيبة، وابن أبي خلف، عن سفيان، عن الزهري، قال مسدد، ووهب: عن ميمونة قالت: "أُهْدِيَ لمولاة لنا شاة من الصدقة، فماتت، فمر بها النبي - ﷺ - قال: "أَلاَ دبغتم إهابها" الحديث.
وفي أخرى له: عن مسدد، عن يزيد، عن معمر، عن الزهري؛ بهذا الحديث، لم يذكر ميمونة، ولم يَذْكُرِ الدِّبَاغَ.
قال معمر: وكان الزهري يُنْكِرُ الدِّبَاغَ ويقول: استمتع به على كل حال.
قال أبو داود: ولم يذكر الأوزاعي، ويونس، وعقيل، في حديث الزهري الدِّبَاغَ، وذكره الزبيري، وسعيد بن عبد العزيز، وحفص بن الوليد.
وأما الترمذي: فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء، عن ابن عباس وقال: "ماتت شاة، فقال النبي - ﷺ - لأهلها: "ألا نزعتم جلدها (١) فاستمعتم به".
_________________
(١) زاد في الجامع (ثم دبغتموه).
[ ١ / ١١٩ ]
قال الترمذي: وقد روى من غير وجه عن ابن عباس، عن ميمونة، وروي عنه عن سَوْدة.
قال: وسمعت محمدًا -يعني البخاري- يصحح حديث ابن عباس عن النبي - ﷺ -، وحديث ابن عباس عن ميمونة.
وأما النسائي: فأخرجه عن قتيبة، عن سفيان، عن الزهري، بالإسناد، الحديث.
وفي أخرى: عن محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك، بإسناده ولفظه.
وقد كثرت الطرق لمسلم والنسائي في تخريج هذا الحديث، فلم نُطِلْ بذكرها.
"الشاة": واحدة الشياه من الغنم، وقد يقع على الذكر والأنثى من الضأن والمعز، وقد يطلق لفظ الشاة على الجميع، يقولون: فلان كثير الشاة والبعير، لأن الألف واللام للجنس.
وأصل الشاة "شاهة" لأن تصغيرها "شويهة"، وجمعها لأدني العدد "شياه" وفي الكثير "شات".
و"العطاء": الهبة، و"العطية": الشيء المُعْطَى.
و"المولاة": تأنيث المولى وهو وارد في العربية مطلقًا على مسميات عدة، منها: المُعْتِق، والمُعْتَق، والسَّيِّد، والصَّاحِب، والناصر، والمنعم، والجار، والحليف، وكل من ولي من أحد شيئًا فهو وليه، ويقال: بينهما ولاء أي: قرابة، والمراد في هذا الحديث بالمولاة، الجارية والأَمَة.
"وَهَلَّا": حَثٌّ وتحضيض، وأصلها "هَلْ" التي للاستفهام، و"لا" التي للنفي بُنِيَتَا معًا فأحدثت معنى التحضيض، كما بنوا "لولا" و"لوما" وجعلوهما
[ ١ / ١٢٠ ]
كلمة واحدة، وهي مختصة بالفعل، لأجل المعنى الحادث فيها وهو التحضيض.
و"النفع": ضد الضر، و"الانتفاع" افتعالٌ منه، والاسم "المنفعة".
و"الحرام": ضد الحلال، يقال حرم الشيء يحرم فهو حرام.
والذي جاء في هذا الحديث، يجوز أن يكون حَرُمَ -بفتح الحاء وضم الراء- صار هو في نفسه حرامًا، فكان الفعل له مثل شَرُفَ، وظَرُفَ.
ويجوز أن يكون حُرِّم -مضموم الحاء مكسور الراء- مشدد لما لم يُسَمَّ فاعله أي: حَرَّمَهُ اللَّه -﷿.
ويعضد هذا الوجه الثاني، ما جاء في رواية النسائي "إنما حَرَّمَ اللَّه -﷿- أكلها".
وفي قوله - ﷺ - من الجواب السديد والفائدة؛ ما ليس في غيره من الأجوبة،
كما لو قال مثلًا: إن جلدها ليس بحرام، أو ادبغوه فإنه يطهر، وذلك لأن فيه من التنبيه، على أن المعنى الذي امتنعتم من الانتفاع به لأجله، وهو التحريم الشرعي، والتنجيس بالموت إنما مخصوص بلحمها وشحمها، اللذين هما من وظيفة الأكل، وأن ذلك هو المُحَرَّمُ وحده، لا الانتفاع بالجلد، فجمع في الجواب بين الغرضين وأتى فيه بالحكمين، ونبه على ما سبق به حكمه العام من تحريم الميتة، في قوله -تعالى-: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (١) فالقرآن دل ظاهر إطلاقه على تحريم الانتفاع به، بجميع أجزاء الميتة، لكن لما كان النبي - ﷺ - عالمًا بخصوص حكم اللَّه -﷿- ومراده من قَصْرِ التحريم على الأكل، قال: "إنما حَرُمَ أكلها" فَخَصَّصَ ذلك العام، وقيد ذلك المطلق بجوابه.
"والأهل": الأقارب والألزام من الرجال والنساء، أنسابًا وأصهارًا، إلا أنه بالنسب أشبه.
_________________
(١) المائدة: ٣
[ ١ / ١٢١ ]
وأما "الآل": فإنهم الأهل، والهمزة مبدلة من الهاء، وقيل: بَل الهاء مبدلة من الهمزة، وقيل: بل هما اسمان مرتجلان، وما أشبه الإبدال في الكلمتين وأقربه!!. ويقال لمن أهمل شيئًا أو غفل عنه: "ما عليه لو فعل كذا"، أو لو كان كذا [أي] (١) شيء يلحقه من الضرر أو العيب أو العار، ونحو ذلك: لو فعل ذلك، فكأنه استفهام يتضمن تنبيهًا وتوبيخًا.
"والإهاب": الجِلْدُ ما لم يُدْبَغْ، وقيل: هو الجلد دُبِغَ أو لم يُدْبَغْ.
وذهب قوم: إلى أن جلد ما لا يؤكل لحمه، لا يسمى إهابًا.
ويُجْمَعُ "الإهاب": على "أَهَب" بفتح الهمزة والهاء، على غير قياس.
وقد جاء أَدِيم، وأُدُم، وقد جاء أُهُب بضم الهمزة، وضم الهاء، على القياس.
"والدِّبَاغَةُ": معاناة الجلد بما يصلحه، من نحو الشَّبِّ، والقرظِ والعفص، والملح، بما ينشف رطوبته ويذهب فضلاته ويليِّنه.
وأكثر ما يدور في ألسنة الفقهاء وغيرهم، "الشث" -بثاء مثلثة- وكذا ذكره الجوهري في الصحاح، فإنه قال -في فصل الشين من باب الثاء-: و"الشث": نبتٌ طَيِّبُ الريح، مُر الطعم، يدبغ به.
وقال الأزهري: في كتاب "التهذيب" (٢) -في باب الشين والثاء-: الشث: شجر طيب الريح، مر الطعم، ينبت في جبال الغوْر وتِهَامة، وقال -في باب الشين والباء: الشب: حجارة منها الزاج وأشباهه، وأجوده ما جُلِبَ من اليمن.
ولم يتعرض في البابين إلى ذكر الدباغ بهما أو بواحد منهما.
_________________
(١) جات مكررة بالأصل.
(٢) تهذيب اللغة (١١/ ٣٣٧، ٢٨٩).
[ ١ / ١٢٢ ]
وقال في كتاب "لغة الفقه" -في باب ما يفسد الماء-: عند دخول القرظ والشب.
فأما القرظ: فهو ورق السلم، نبت بنواحي تهامة، يدبغ به الجلود، يقال أديم مقروظ، والذي يجني القرظ يسمى قارظًا، والذي يبيعه يسمى قرَّاظًا.
وأما "الشب": فهو من الجواهر التي أنبتها اللَّه -﷿- في الأرض، يدبغ به، شبه الزاج، والسماع: الشب. -بالباء- قال: وقد صحفه بعضهم فقال: الشب، والشث: شجر مر الطعم، ولا أدري أيدبغ به أم لا.
وقد جاء في كتاب "الشامل لابن الصباغ": قال: قال الشافعي في الأم (١):
الدباغ بكل ما دبغت به العرب، من قرظ وشب وما عمل عمله، مما يمكث في الإهاب حتى يُنَشِّفَ فضوله، ويُطيِّبَهُ وَيَمْنَعهُ الفسادَ إذا أصابه الماء، فأما القرظ -وهو ورق السَّلم- ينبت بنواحي تِهامة، يدبغ به العرب، يقال: أديم مقروظ، والشب يشبه الزاج، وقيل: شث بثلاث نقط وهو: شجر مر الطعم، لا يعلم هل يدبغ به أم لا (٢).
"والعَنْزُ": الأنثى من المعز ومن الظِّبَاء.
و"الاستمتاع": استفعال من المتاع، وهو المنفعة، تقول تمتعت كذا، واستمتعت به، أي انتفعت، والاسم المنفعة، ومنه متعة النكاح، ومتعة الطلاق، ومتعة الحج لأنه انتفاع.
و"النزع": القَلْعُ، نزعت الشيء من مكانه، إذا قلعته منه وأزلته عنه.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الجلد لا يخلو أن يكون لما يؤكل لحمه، أو لما لا يؤكل لحمه.
_________________
(١) تصحفت في الأصل إلى (الأمل).
(٢) وراجع المزيد على هذا من لسان العرب مادة: "شب".
[ ١ / ١٢٣ ]
فإن كان لما يؤكل لحمه، فلا يخلو إما أن يكون ذَكِيًّا أو مَيْتَةً، فإن كان ذَكِيًّا فإنه طاهر بالذكاة، وإن كان ميتة فإنه طاهر بالدباغ.
وأما ما لا يؤكل لحمه، فإن الذكاة لا تفيده طهارة، ولكنه يَطْهُرُ بالدباغ، وسواء ذكية وميتة إلا الكلب والخنزير، وما تولد منهما أو من أحدهما، وهو قول علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وإليه ذهب مالك، وأبو حنيفة والثوري.
إلا أن أبا حنيفة قال: إن جلد الكلب يطهر بالدباغ، وقال: إن التذكية تفيد الطهارة.
وذهب الأوزاعي، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وابن المبارك؛ أن الدباغ لاَ يُطَهِّرُ إلا جِلْدَ ما يؤكل لحمه.
وأما أحمد بن حنبل فقال في إحدى الروايتين عنه: إنه لا يطهر من جلود الميتة شيء، مأكولًا كان أو غير مأكول.
وروي ذلك عن عمر، وابن عمر، وعائشة.
وروي هذا القول عن مالك أيضًا، قالوا: كان يقول: إنه يفيدها الطهارة في الظاهر دون الباطن، ويُصَلَّى عليه ولا يصلى فيه، ويستعمل في الأشياء اليابسة دون الرطبة.
قال ابن المنذر: كان الزهري يُنْكِرُ الدباغ، يقول بجلود الميتة على كل حال، تعلقًا بظاهر الحديث، فإنه قال - ﷺ -: "فهلا أخذتم إهابها وانتفعتم به" ولم يذكر دباغًا.
وقد تعارضت الروايات على ذكر الدباغ، والإجماع من القائلين بالدباغ على خلافه.
والزيادة في الحديث معمول بها؛ ولا سيما إذا جاءت من الثقة، فالعمل بها أولى.
[ ١ / ١٢٤ ]
وللشافعي قول قديم في المنع من بيع جلد الميتة المدبوغ، موافقًا لقول مالك، حيث قال: إنه يُطَهِّرُ ظاهِرَهُ دُونَ بَاطِنِهِ.
وقد أخرج الشافعي في سنن حرملة، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس أن رسول اللَّه - ﷺ - مر بشاة ميتة لمولاة لميمونة، فقال: "ألا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به".
فأما حديث عبد اللَّه بن عكيم "أن رسول اللَّه - ﷺ - كعب إلى جهينة قبل موته بشهر، أن لا ينتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب".
فقد رواه الشافعي: في سنن حرملة، عن عبد الوهاب الثفقي، عن خالد الحَذَّاء، عن الحكم، عن عبد اللَّه بن عكيم.
وفي الحديث إرسال: وهو محمول على إهابها قبل الدبغ، جمعًا بين الخبرين (١).
_________________
(١) قال الحافظ في التلخيص (١/ ٤٨). ومحصل ما أجاب به الشافعية وغيرهم عنه التعليل بالإرسال: وهو أن عبد اللَّه بن عكيم لم يسمعه من النبي - ﷺ -. والانقطاع بأن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمعه من عبد اللَّه بن عكيم. والاضطراب في سنده فإنه تارة قال عن كتاب النبي - ﷺ - وتارة عن مشيخة من جهينة وتارة عن من قرأ الكتاب. والاضطراب في المتن، فرواه الأكثر من غير تقييد، ومنهم من وراه بقيد شهر أو شهرين، أو أربعين يومًا أو ثلاثة أيام. والترجيح بالمعارضة، بأن الأحاديث الدالة على الدباغ أصح والقول بموجبه بأن الأهاب اسم الجلد قبل الدِّباغ، وأما بعد الدِّباغ فَيُسَمَّى شَنًّا، وقربة؛ وحمله على ذلك ابن عبد البر والبيهقي وهو منقول عن النضر بن شميل؛ والجوهري قد جزم به. وانظر بتفصيل أوسع من هذا في نصب الراية (١/ ١٢٠). وقد مال الشيخ الألباني -﵀- إلى تقوية الحديث. وقال في الضعيفة (١/ ٢٣٩): في ثبوته خلاف كبير بين العلماء، لكن الراجح عندنا صحته كما حققناه في كتابنا إرواء الغليل (رقم ٣٨).
[ ١ / ١٢٥ ]
أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم، أنه سمع ابن وعلة، سمع ابن عباس سمع النبي - ﷺ -، يقول "أَيُّما إِهابٍ دُبغَ فَقَد طَهُرَ" وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن ابن وعلة، عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: "إِذا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَد طَهُرَ".
هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم (١)، ومالك (٢)، وأبو داود (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥).
فأما [مسلم] (٦): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، بالإسناد وذكر الرواية الثانية.
وفي أخرى: عن إسحق بن منصور، وأبي بكر بن إسحاق، عن عمرو بن الربيع، عن يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، أن أبا الخير حدثه قال: رأيت على ابن وعلة السَّبَائي فَرْوًا، فَمَسَسْتُهُ، فقال مالك: تَمَسُّهُ؟ قال: سألت عبد اللَّه بن عباس قلت: إنا نكون بالمغرب، ومعنا البربر والمجوس نُؤْتَى بالكبش [قد ذبحوه] (٧) ونحن لا نأكل ذبائحهم، ويأتوننا بالسقاء يجعلون فيه الودك، فقال ابن عباس: قد سألنا رسول اللَّه - ﷺ - عن ذلك فقال: "دباغه طهوره".
_________________
(١) مسلم (٣٦٦).
(٢) الموطأ (٢/ ٣٩٧ رقم ١٧) ولم يسق المصنف إسناده ومتنه كعادته في التخريج، وتتميمِا للفائدة أقول أخرجه مالك عن زيد بن أسلم بإسناد ومتن الرواية الثانية.
(٣) أبو داود (٤١٢٣).
(٤) الترمذي (١٧٢٨) وقال: حديث ابن عباس حسن صحيح، وقد رُوِي من غير وجه عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - نحو هذا.
(٥) النسائي (٧/ ١٧٣).
(٦) ما بين المعقوفتين في الأصل (مالك) وهو تحريف مخالف للسياق والذي يبدولي أنه كتب (مالك) على أن يُبَينَّ وجه روايته، فوقع له ذهول أو نسيان فلم يتكلم على رواية مالك؛ ثم انتقل إلى تخريج مسلم.
(٧) ما بين المعقوفتين مثبت من صحيح مسلم، وجاء في الأصل (فذبحوه) والسياق به غير ملائم.
[ ١ / ١٢٦ ]
وأما الترمذي: فأخرجه عن قتيبة، عن ابن عيينة، وعن عبد العزيز بن محمد عن زيد بن أسلم، بالإسناد ولفظ الأولى.
وأما أبو داود: فأخرجه عن محمد بن كثير، عن سفيان، عن زيد بن أسلم، بالإسناد ولفظ الرواية الثانيه.
وأما النسائي: فأخرجه عن قتيبة، وعلي بن حجر، عن سفيان، عن زيد، مثل الترمذي.
وفي أخرى: عن الربيع، وسليمان بن داود، عن إسحاق بن بكر -وهو ابن مضر- عن جعفر بن ربيعة، أنه سمع أبا الخير، وذكر نحو رواية مسلم.
وفي الباب عن عائشة، وميمونة، وسودة بنت زمعة، وسلمة بن المحبَّق.
"أيما": كلمتان هما "أيّ"، و"ما"، "فأي" هي التي تنوب في الشرط مناب حرفه، وهي اسم، تقول: أي الرجال يقم اضربه، وأيُّ الرِّجالِ يُكْرِمْنِي أُكْرِمْهُ، وهي فيه معرفة للإضافة، وقد تُترك الإضافة، وفيه معناها.
وأما "ما" فإنها المبهمة، وَزِيدَتْ لتفيد التنكير لما يدخل عليه ويضاف إليه، وهو في هذا المكان "الإهاب"، وهي التي في قولهم: شيءْ ما، أي أيُّ شيء: كان قليلًا أوكثيرًا وهذه الرواية تؤكد مذهب الشافعي: أن الدباغ يطهر جلود الميتة لدلالة هذا اللفظ على الاستغراق من وجهين:-
أحدهما: الشرط، والثاني: الإبهام والتنكير الحادثان بها.
وأما "إذا" فاسم مبني، وهو ظرف زمانٍ مُسْتَقْبَل، ولم يستعمل إلا مضافًا إلى جملة، تقول: "أجيبك إذا قام زيد"، وفيها نوع مجازاة، فيجاب بها الشرط، كما يجاب بالفعل والفاء، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ (١) وهذا هو معنى قولهم: إنها تكون للمفاجآت، تقول: "خرجت فإذا زيد قائم" المعنى: خرجت
_________________
(١) التوبة: [٥٨].
[ ١ / ١٢٧ ]
ففاجأني قيام زيد.
و"دُبِغَ" فِعْلٌ لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُه.
و"الإهاب، والطهورية" قد تقدم بيانهما.
و"قد": حرف يصحب الأفعال، ويقرب إلى الحال، ويدخل على الماضي والمستقبل.
و"المَسُّ واللَّمْسُ" أخوان تقول: مَسِسْتُ الشيِءَ -بالكسر- أَمسٌّ -بالفتح- وحكى أبو عبيدة: مَسَستُ -بالفتح- أمُسٌّ بالضم.
وقوله: "مالكَ" أي ما شأنك وما أمرك؟.
و"البربر" جيل من الناس مساكنهم البلاد العربية.
و"السقاء" الظَّرْفُ الذي يكون فيه الماء واللبن إذا كان من جلد، والرطب للبن خاصة، والقربة للماء خاصة.
وقوله: "يأتوننا بالسقاء" أي يجيئوننا ومعهم السقاء، وهذه الباء هي التي في قوله تعالى ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١)، وقوله ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (٢).
و"الودك" دسم اللحم، ولحم ودك.: أي سمين.
و"الطَّهور" بالفتح- ما يتطهر به، وهو في هذا الحديث: ما يُدْبَغُ به الجلد من شب أو قرظ ونحوهما، ويجوز أن يكون بالضم يريد به الفعل نفسه.
والمذهب في هذا الحديث؛ قد تقدم بيانه في حديث ابن عباس الذي قبله.
واللَّه أعلم.
_________________
(١) يوسف: [٩٣].
(٢) النمل: [٣٨].
[ ١ / ١٢٨ ]
وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن ابن قسيط، عن محمد بن عبد الرحمن ابن ثوبان، عن عائشة "أن النبي - ﷺ - أمر أن يُسْتمتع بجلود الميتة إذا دُبِغَتْ".
هذا حديث أخرجه (١) الموطأ، وأبو داود (٢)، والنسائي (٣).
وأما مالك: فأخرجه إسنادًا ولفظًا وقال: يزيد بن عبد اللَّه بن قسيط.
وأما أبو داود: فأخرجه عن القعني، عن مالك.
وأما النسائي: فأخرجه عن إسحاق بن إبراهيم، عن بشر بن عمر، عن مالك.
وعن الحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك.
وله روايات أخرى في المعنى.
ما في هذا الحديث من غريب وشرح وفقه؛ قد تقدم ذكره في حديثين: شاة ميمونة.
وهذه الأحاديث الثلاثة، التي رواها الشافعي عن ابن عباس، في شاة مولاة ميمونة، وفي حديث ابن وعلة، وهذا الحديث دليل على فساد قول من قال: إن جلود الميتة لا تطهر بالدباغ، حيث قد صرح فيها بجواز الانتفاع بها بعد الدباغ، واحتج من قال بذلك بحديث عبد اللَّه بن عكيم، وقد تقدم ذكر الحديث، وهو حديث متروك، لأن ابن عكيم قد وهَّن حديثه العلماء، فإنه لم يلق النبي - ﷺ -، وإنما قوله حكاية عن كتاب أتاهم، فيحتمل إن ثبت الحديث، أن يكون جاء ناهيًا عن الانتفاع بها قبل الدباغ، ولذلك قال قوم: إن الإهاب
_________________
(١) كذا بالأصل وهو خلاف العبادة، وعادته أن يسمي صاحب الكتاب؛ وموضعه في الموطأ (٢/ ٣٩٧ رقم ١٨).
(٢) أبو داود (٤١٢٤).
(٣) النسائي (٧/ ١٧٢).
[ ١ / ١٢٩ ]
هو اسم للجلد قبل أن يدبغ، فنهاهم أن ينتفعوا به من الميتة قبل أن يدبغ.
ثم الحديث مضطرب الإسناد، فإنه روي مرة عن عبد اللَّه بن عكيم، عن أشياخ له من جهينة.
ومرة قال: قبل موته بشهر، ومرة بشهرين.
ولأجل ذلك روي عن أحمد بن حنبل في العمل به روايتان.
وقال الترمذي: إن أحمد رجع عن القول الأول، ووافق الجماعة لهذا الاضطراب الذي في إسناده -واللَّه أعلم.
[ ١ / ١٣٠ ]