في غسل الحيض
أخبرنا الشافعي؛ أخبرنا سفيان، عن منصور بن عبد الرحمن الحجبي، عن صفية بنت شيبة [عن عائشة ﵂] (١) قالت: جاءت امرأة إلى النبي - ﷺ - تسأله عن الغسل من الحيض؟ فقال: "خذي فِرْصَةً من مسك فتطهري بها" فقالت: كيف أتطهر بها؟ فقال رسول اللَّه - ﷺ -: "سبحان اللَّه سبحان اللَّه":- واستتر بثوبه -تطهري بها؛ فاجتذبتها وعرفت الذي أراد؛ فقلت لها: تتبعي بها آثار الدم -يعني: الفرج".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري (٢)، ومسلم (٣)، وأبو داود (٤)، والنسائي (٥).
فأما البخاري: فأخرجه عن يحيى، عن ابن عيينة بالإسناد نحوه.
وفي أخرى: عن وهيب [عن] (٦) منصور بالإسناد، أن امرأة من الأنصار قالت للنبي - ﷺ -: كيف أغتسل من الحيض؟
قال: "خذي فرصة مُمَسَّكَة وتوضئي ثلاثًا"، ثم إن النبي - ﷺ - استحيا فأعرض بوجهه وقال: "توضئي بها"، فأخذتها فجذبتها فأخبرتها بما يريد النبي - ﷺ -.
وأما مسلم: فأخرجه عن عمرو بن محمد الناقد، وابن أبي عمر جميعًا، عن
_________________
(١) سقط من الأصل والمثبت من مطبوعة المسند.
(٢) البخاري (٣١٤، ٣١٥).
(٣) مسلم (٣٣٢).
(٤) أبو داود (٣١٥،٣١٤).
(٥) النسائي (١/ ١٣٥ - ١٣٦، ٢٠٧).
(٦) الأصل [بن] والصواب ما أثبتناه، وكذا جاء في رواية البخاري. (*) قال معد الكتاب للشاملة: كذا في المطبوعة، ولعل صوابها: "الفصل الثالث"، والله أعلم.
[ ١ / ٣٢٦ ]
ابن عيينة وذكر الحديث وفيه: "أثر الدم"، "وآثار الدم" معًا.
وفي أخرى عن أحمد بن سعيد الدارمي، عن حِبَّان، عن وهيب، عن منصور بالإسناد نحو حديث البخاري.
وفي أخرى: عن محمد بن المثنى، وابن بشار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن إبراهيم بن المهاجر قال: سمعت صفية تحدث عن عائشة أن أسماء سألت النبي - ﷺ - عن غسل الحيض؟ فقال: "تأخذ إحداكن ماءها وسدرها، فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دَلْكًا شديدًا حتى يبلغ شؤون رأسها؛ ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها" فقالت أسماء: فكيف أتطهر بها؟
فقال: "سبحان اللَّه! تطهرين بها" فقالت عائشة:- كَأنها تخفي ذلك تتَّبعين أثر الدم. وسألته عن غسل الجنابة؟
فقال: "تأخذ ماءً فتطهَّر فتحسن الطهور" -أو "تبلغ الطهور"- ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى يبلغ شئون رأسها ثم تفيض عليها الماء" فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين. وله روايات أخرى.
وأما أبو داود: فأخرجه عن عثمان بن أبي شيبة، عن سلام بن سليم، عن إبراهيم بن مهاجر، عن صفية، عن عائشة قالت: دخلت أسماء على رسول اللَّه - ﷺ - وذكر نحو رواية مسلم، إلا أنه لم يذكر الجنابة.
وفي أخرى: عن مسدد، عن أبي عوانة، عن ابن مهاجر بالإسناد وذكر نحوه، إلا أنه قال: "فرصة ممسكة" قال مسدد: كان أبو عوانة يقول: فرصة، وكان أبو الأحوص يقول: [قرصة] (١).
_________________
(١) بالأصل [قريصة] وهو تصحيف، والمثبت من مطبوعة السنن وعون المعبود، وتهذيب السنن، وقد ذكرها المصنف على الجادة في شرحه ويأتي بعد قليل إن شاء الله
[ ١ / ٣٢٧ ]
وأما النسائي: فأخرجه عن عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن، عن سفيان بالإسناد ونحوه.
وفي أخرى: عن [الحسن] (١) بن محمد، عن عفان، عن وهيب، عن منصور بالإسناد: أن امرأة سألت النبي - ﷺ - قالت: يا رسول اللَّه، كيف أغتسل عند الطهور؟ قال: "خذي فرصة ممسكة فتوضئ بها" قالت: كيف أتوضأ بها؟ قال: توضئيء بها" قالت: كيف أتوضأ بها؟ قالت: ثم إن رسول اللَّه - ﷺ - سبح وأعرض عنها، ففطنت عائشة لما يريد رسول اللَّه - ﷺ -.
فأخذتها، فجبذتها إلىَّ، فأخبرتها بما يريد رسول اللَّه - ﷺ -.
"الحيض": عبارة عن جريان الدم من فرج المرأة، في أوقات معلومة ونوب معتادة، ولا يكاد يختلف على المرأة، فإن اختلف أو دام جريانه؛ وتغيرت أوقاته فهو استحاضة.
قال الأزهري: ومسيل الاستحاضة عن عرق يقال له: العاذل، تقول: حاضت المرأة تحيض حيضًا ومحيضًا ومحاضًا فهي حائض وحائضة.
أيضًا عن الفراء، ونساء حُيَّضٌ، فالمحيض يكون اسمًا ويكون مصدرًا.
"والحيضة": بالكسر الاسم وجمعها حيض وحيضات ساكنة الياء، فأما الحيضة بالفتح فالمرة الواحدة من دفع الحيض، والجمع حَيْضات -مفتوحة الحاء ساكنة الياء أيضًا- وقد تقدم بيان ذلك.
والفِرْصة: -بكسر الفاء وسكون الراء وبالصاد المهملة- قطعة من صوف أو قطن أو خرقة، وهي من الفرص: القطع.
وقوله: "من مسك" ظاهره أن الفرصة هي من المسك أي قطعة منه، وعليه المذهب.
_________________
(١) بالأصل [الحسين] وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه. والحسن هو: ابن محمد بن الصباح الزعفراني. روى له الجماعة سوى مسلم. وانظر تهذيب الكمال (٦/ ٣١٠) وقد جاء في سنن النسائي على الجادة، وكذا تحفة الأشراف (١٢/ ٣٩٨).
[ ١ / ٣٢٨ ]
وقول الفقهاء: إن الحائض بعد انقطاع الدم إذا اغتسلت يستحب لها أن تأخذ يسيرًا من مسك فتطيب به مواضع الدم، ليذهب به ريحه، قالوا: "والفِرْصَة" القطعة من كل شيء.
وأهل اللغة: لم يطلقوا هذا القول، وإن كان القياس يقتضيه لأنه من الفرص: القطع.
فإن لم تجد المسك أخذت طيبًا غيره، وهذا من غسل الحيض عند الفقهاء، عملًا بهذا الحديث.
ولذلك قوله - ﷺ -: "فرصة ممسكة" أي مطيبة بالمسك وهذا ظاهر في اللغة، أي تأخذ قطعة من صوف أو قطن أو خرقة فتطيبها بالمسك، وتتبع بها أثر الدم فيحصل منه فوائد الطيب والتنشيف وإزالة الدم بالمسح.
وهذه الرواية أوضح من الأولى وأبين، واتفق عليها البخاري ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
والأولى لم يخرجها أبو داود، وقد حكى أبو داود في بعض طرقه عن أبي الأحوص قرصة -بالقاف- يعني شيئًا يسيرًا يؤخذ من المسك مثل: القرصة بطرف الإصبعين: الإبهام والسبابة، ولكنه لم يذكر "من المسك" لما أورده في آخر حديثه الذي ذكر فيه "فرصة ممسكة" كما سبق.
قال الخطابي في شرح هذا الحديث، في معالم السنن (١): وقد تأول بعضهم "الممسكة" على معنى الإمساك دون الطيب، يقال: أمسكت (٢) الشيء ومسكته يريد أنها تمسكها بيدها فتستعملها، وقال: متى كان المسك عندهم بالحال التي يمتهن؛ فيتوسع في استعماله وفي هذا الموضع (٣).
وهذا الأمر وإن كان حكاه الخطابي والحالة تناسبه، ولكن الصحيح الأول وهو الذي ذهب إليه الفقهاء والمحدثون من الصدر الأول، وهم أعرف بتأويل
_________________
(١) معالم السنن (١/ ٩٧).
(٢) في المعالم: (مسَّكت).
(٣) في المعالم: (هذا التوسع).
[ ١ / ٣٢٩ ]
الأحاديث ومعانيها، ولا يجوز مخالفتهم لقياس مناسب وأمر محتمل لا حاجة إليه ولا ضرورة -واللَّه أعلم.
وقوله: "تتبعي بها أثر الدم" يريد أن يعصر بالفرصة الأماكن التي نالها الدم فتنضحه بها؛ وتوصله إليها لتزيله منها.
ومعنى قوله: "سبحان اللَّه" في هذا المقام: التعجب من سؤالها وأن هذا ليس مما يخفى عن أحد حتى تكرر السؤال عنه.
وفيه معنى الاستحياء من سماع هذا السؤال لما فيه من إظهار حالة المرأة في حيضها وذِكْرِ فرجها، وكثيرًا ما يستريح المتعجب والمستحيي إلى أمثال هذا اللفظ، فيقول مرة: سبحان اللَّه، ومرة: لا إله إلا اللَّه، ونحو ذلك، من الألفاظ التي يستراح إليها في المخاطبات؛ ولهذا جاء في بعض روايات هذا الحديث: "فأعرض بوجهه واستتر بيده" حياء من هذا الخطاب.
"والجبذ": لغة في الجذب، وقيل هو مقلوب منه.
"والشئون": هو أصل فتائل الرأس وملتقاها، وأحدها: شأن مهموز ومنها تجيء الدموع؛ قاله الجوهري.
وقال ابن السكيت: الشانآن عرقان ينحدران من الرأس إلى الحاجبين.
والمراد بالشئون في هذا الحديث: جميع منابت الشعر التي يجب إيصال الماء إليها في الغسل، فاستعمل بعض الرأس في معنى كله.
وقوله: "تطهري بها" يريد اعملي بها ما تعملين بما من شأنه أن يتطهر به، فإن الماء يتطهر به.
الضربة والدفعة: أي أن الشيطان قد عك (١) هذا الدم؛ وليس بدم حيض معتاد، يعني: أن الشيطان قد وجد بذلك طريقًا إلى التلبيس عليها في أمرها وشأن دينها ووقت طهرها وصلاتها حتى أنساها ذلك، فصار في التقدير كأنه ركضة نالها من ركضاته.
_________________
(١) أي: فجَّره وانظر اللسان مادة: عكك.
[ ١ / ٣٣٠ ]
"والميقات": مفعال من الوقت، يريد الوقت الذي تعيده من الحيض.
وهذا الحديث بخلاف حديث عائشة وحديث أم سلمة، وإنما هو للتي لا عادة لها ولا تمييز.
فكذلك قد ذكر الشافعي على الأحكام الثلاثة ثلاثة أحاديث كل حديث لحكم منها؛ ورد النبي - ﷺ - أمرها إلى العرف الظاهر، والأمر الغالب من أحوال النساء، كما حمل أمرها في محيضها في كل شهر مرة واحدة؛ على الغالب من عاداتهن ويدل على ذلك قوله: "كما تحيض النساء ويطهرن" ميقات حيضهن وطهرهن. وهذا أصل في قياس أمر النساء؛ بعضهن على بعض في باب الحيض، والحمل؛ والبلوغ، وما أشبه ذلك من أمرهن.
وقوله: "ستًّا أو سبعًا" يحتمل أن يكون ذلك على غير وجه التخيير بين الستة والسبعة؛ لكن على معنى اعتبار حالها بحال من مثلها؛ وفي مثل سنها من نساء أهل بيتها؛ فإن كانت عادتها مثلها منهن أن تقعد سِتًّا قعدت ستًّا؛ وإن سبعًا فسَبْعًا؛ ويحتمل: أن تكون هذه المرأة قد ثبت لها فيما تقدم من أيام ستة أو سبعة، إلا أنها قد نسيتها فلا تدري أيتهما كانت؛ فأمرها أن تتحرى وتجتهد وتبني أمرها على ما تتبينه من أحد العددين.
ومن ذهب إلى هذا استدل بقوله: "في علم اللَّه" أي فيما علم اللَّه من أمرك من ستة أو سبعة -واللَّه أعلم.
أخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة قال: أخبرني الزهري، عن عروة، عن عائشة أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت سبع سنين فسألت رسول اللَّه - ﷺ - فقال: "إنما هو عرق وليست بالحيضة" وأمرها أن تغتسل وتصلي؛ فكانت تغتسل لكل صلاة وتجلس في المركن فيعلو الدم".
وقد رواه المزني عن الشافعي نحوه، وقال في آخره: "وكانت تجلس في
[ ١ / ٣٣١ ]
مركن؛ فتعلو حمرة الدم، ثم تخرج فتصلي".
رواه الشافعي: عن عمرو بن أبي سلمة الدمشقي، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة بن الزبير وعمرة.
ورواه المزني أيضًا: عن الشافعي، عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، عن الزهري، عن عمرة.
هذا حديث صحيح متفق عليه؛ أخرجه الجماعة إلا الموطأ.
فأما البخاري (١): فأخرجه عن إبراهيم بن المنذر، عن معن، عن [ابن] (٢) أبي ذئب، عن ابن شهاب.
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن محمد بن جعفر بن زياد، عن إبراهيم بن سعد.
وعن ابن المثنى، عن سفيان بن عيينة، كلاهما عن الزهري، عن عمرة.
وعن محمد بن سلمة، عن ابن وهب، عن عمرو، عن ابن شهاب، عن عروة، وعمرة.
وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن ابن أبي عقيل، ومحمد بن سلمة المصريين، عن ابن [وهب] (٥)، عن عمرو بن الحارث، عن الزهري، عن عروة.
وفي رواية: عن عروة، وعمرة.
وأما الترمذي (٦): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن الزهري، عن عروة.
_________________
(١) البخاري (٣٢٧).
(٢) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل؛ والتصويب من رواية البخاري، وهي الجادة.
(٣) مسلم (٣٣٤).
(٤) أبو داود (٢٨٨ - ٢٩٢).
(٥) بالأصل [ذئب] وهو تصحيف، والتصويب من مطبوعة السنن وتحفة الأشراف (١٢/ ٦٩).
(٦) الترمذي (١٢٩) وقال: قال قتيبة: قال الليث: لم يذكر ابن شهاب أن رسول اللَّه - ﷺ - أمر أم حبيبة أن تغتسل عند كل صلاة، ولكنه شيء فعلته هي.
[ ١ / ٣٣٢ ]
وأما النسائي (١): فأخرجه مثل الترمذي.
قال الشافعي: قد رواه [غير] (٢) الزهري هذا الحديث: "أن النبي - ﷺ - أمرها أن تغتسل لكل صلاة".
ولكن رواه عن عمرة بهذا الإسناد والسياق، والزهري أحفظ.
قال: وقد روى فيه شيئًا يدل على أن الحديث غلط؛ قال: تترك الصلاة قدر أقرائها؛ وعائشة تقول: الأقراء: الأطهار. قال الليث: لم يذكر ابن شهاب أن رسول اللَّه - ﷺ - أمر أم حبيبة بنت جحش؛ أن تغتسل عند كل صلاة؛ ولكن شيء فعلته هي.
قال الشافعي: في حديث حمنة أن النبي - ﷺ - قال لها: "إن قويت أن تجمعي بين الظهر والعصر بغسل؛ وبين المغرب والعشاء بغسل؛ وصلي الصبح بغسل"؛ وأعلمها أنه أحب الأمرين إليه؛ وأنه يجزئها الأمر الأول أن تغتسل عند الطهر من الحيض؛ ثم لم يأمرها بغسل بعده.
قال الخطابي: ليس كل مستحاضة يجب عليها الاغتسال لكل صلاة؛ وإنما هي فيمن تبتلي وهي التي لا تمييز لها؛ أو كانت لها أيام فنسيتها؛ فهي لا تعرف موضعها ولا عددها؛ ولا وقت انقطاع الدم عنها من أيامها المتقدمة؛ فإذا كان كذلك فإنها لا تدع شيئًا من الصلاة؛ وكان عليها أن تغتسل عند كل صلاة؛ لأنه قد يمكن أن يكون ذلك الوقت صادف زمان انقطاع دمها؛ فالغسل عليها عند ذلك واجب ومَنْ كان هذا حالها من النساء؛ لم يأتها زوجها في شيء من الأوقات لإمكان أن تكون حائضًا.
وعليها أن تصوم شهر رمضان كله مع الناس؛ وتقضيه بعد ذلك؛ لتحيط
_________________
(١) النسائي (١/ ١١٩).
(٢) بالأصل [عن] وهو تصحيف؛ والتصويب من الأم (١/ ٦٢) وهو الموافق للسياق.
[ ١ / ٣٣٣ ]
علمًا أنها قد استوفت عدد ثلاثين يومًا؛ في وقت كان لها أن تصوم فيه.
وإن كانت حاجَّةً؛ طافت طوافين بينهما خمسة عشر يومًا؛ لتكون على يقين من وقوع الطواف في وقت حكمها فيه حكم الطهارة؛ وعلى مذهب من رأى أكثر أيام الحيض خمسة عشر يومًا.
وقد أخرج الشافعي: عن مالك، عن سُميّ مولى أبي بكر أن القعقاع بن حكيم وزيد بن أسلم أرسلاه إلى سعيد بن المسيب يسأله كيف تغتسل المستحاضة؟ فقالت: تغتسل من ظهر إلى ظهر؛ وتوضأ لكل صلاة فإن غلبها الدم استثفرت.
هذا الحديث أخرجه أبو داود (١) وقال: روى عن ابن عمر، وأنس بن مالك: تغتسل من ظهر إلى ظهر.
وكذلك رواه داود وعاصم، عن الشعبي، عن امرأته، عن قمير، عن عائشة، إلا أن داود قال: "كل يوم"، وفي حديث عاصم "عند الظهر"، وهو قول سالم ابن عبد اللَّه، والحسن، وعطاء. وقال مالك: إني لأظن حديث ابن المسيب "من ظهر إلى ظهر" إنما هو: "من طهر إلى طهر"؛ ولكن الوهم دخل فيه (٢).
فأخرج الشافعي في كتاب علي وعبد اللَّه: عن ابن علية، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن علي قال: المستحاضة تغتسل لكل صلاة.
أورده الشافعي فيما ألزم العراقيين من خلاف على، فرع "في سلس البول"،
_________________
(١) أبو داود (٣٠١).
(٢) قال الخطابي في معالم السنن (١/ ٧٩): ما أحسن ما قال مالك، وما أشبهه بما ظنه من ذلك لأنه لا معنى للاغتسال من وقت صلاة الظهر إلى مثلها من الغد، ولا أعلمه قولًا لأحد من الفقهاء، وإنما هو من طهر إلى طهر وهو وقت انقطاع دم الحيض.
[ ١ / ٣٣٤ ]
قال الشافعي: ذكر سفيان بن عيينة، عن معمر، عن الزهري، أن زيد بن ثابت سلس عليه البول، فكان يتوضأ لكل صلاة.
وهذا هو المذهب، أنه لا يجوز له الجمع بين صلاتي فرض بوضوء واحد ولا طوافى فرض؛ وعليه أن يستطهر في شد رأس ذكره؛ أو يحشو في ثقبه قليل قُطْنٍ -إن أمكن- نحوًا مما تستعمله المستحاضة من الشد والاستثفار، واللَّه أعلم.
***
[ ١ / ٣٣٥ ]