في المَاءِ الدائم
أخبرنا الشافعي، أخبرنا ابن عيينة، عن أبي الزناد، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: "لا يَبُولَنَّ أَحدُكُم في الماءِ الدائم ثم يغتسل منه".
أخرجه في كتاب اختلاف الحديث.
هذا حديث صحيح، متفق عليه، أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥).
أما البخاري فأخرجه عن أبي اليمان، عن شعيب، عن أبي الزِّنَاد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، وزاد بعد "الدائم": "أي الذي لا يجرى"، وقال: (٦)
"يغتسل فيه".
وأما مسلم، فأخرجه عن زهير بن حَرب، عن جرير، عن هشام، عن ابن سيرين، بلفظ الشافعي.
وفي أخرى عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن همام ابن منبه، عن أبي هريرة نحوه.
أما أبو داود، فأخرجه عن أحمد بن يونس، عن زائدة، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، بلفظ الشافعي.
_________________
(١) البخاري (٢٣٩).
(٢) مسلم (٢٨٢).
(٣) أبو داود (٦٩، ٧٠).
(٤) الترمذي (٦٨) وقال: حسن صحيح.
(٥) النسائي (١/ ٤٩) وفي الكبرى (٥٥، ٥٧) وأخرجه أيضًا في المجتبى من طرق أخرى (١/ ١٩٧).
(٦) لفظ الصحيح: ثم.
[ ١ / ٧٤ ]
وفي أخرى عن مسدَّد، عن يحيى، عن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة نحوه، وقال: "لا يغتسل فيه من الجَنَابَة".
وأما الترمذي فأخرجه عن محمود بن غَيْلان، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن مُنَبِّه، عن أبي هريرة وقال: "ثم يتوضأ منه".
وأما النسائي: فأخرجه عن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس عن عوف، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة. مثل الترمذي.
وفي أخرى عن يعقوب بن (١) إبراهيم، عن إسماعيل، عن يحيى بن عتيق، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة بلفظ الشافعي.
قال النسائي: كان يعقوب لا يحدث بهذا الحديث إلا بدينار.
هذه "لا" ناهية، ومن حقها أن تجزم الفعل الواقع بعدها.
وعلامة الجزم في الأفعال الصحيحة، سكون آخرها، نحو "لم يضربْ" فإن كان قبل حرف الإعراب حرف علة نحو: تقول، وتبيعُ وتخاف، حذفته لئلا يجتمع ساكنان، هما حرف العلة، وحرف الإعراب، تقول: لم يقل، ولم يبع، ولم يخف، وبقيت حركة فاء الكلمة، تدل على المحذوف، فإذا صرنا إلى قوله: "لا يبولنَّ" الأصل "لاَ يَبُل" فلما دخلت عليه نون التوكيد الثقيلة وهما نونان، الأولى منهما ساكنة، فاجتمعت مع اللام وهي ساكنة، ونون التوكيد الثقيلة، إذا دخلت على فعل الواحد لا يكون ما قبلهما إلا مبنيًّا على الفتح، فَفُتِحَتْ اللام لذلك، فلما فتحت عادت الواو المحذوفة التي هى عين الفعل، لأنها إنما حذفت لاجتماعها مع اللام وهي ساكنة، فقال "لا يبولن".
"والماء الدائم" هو: الراكد الذي لايجري، ويدل على ذلك أنه جاء في رواية البخاري وغيره، مصرحًا به، فقال: "الماء الدائم الذي لا يجرى".
_________________
(١) في الأصل زاد بعد (ابن): (أبي) وهي خطأ ولعلها من الناسخ.
[ ١ / ٧٥ ]
وفي رواية الشافعي: "ثم يغتسل منه".
وفي رواية البخاري وأبي داود "ثم يغتسل فيه" والفرق بينهما، أن الاغتسال منه هو: أن يأخذ منه ماءً فيغتسل به.
وأما الاغتسال فيه فهو: أن يدخل في الماء ويغتسل وهو داخل فيه؛ لأن قوله "فيه" يفيد الظرفية، فجعل الماء ظرفًا له، وهذا يظهر اعتباره فيما إذا كان دون القلتين، فإنه إذا أخذ منه شيئًا فاغتسل به صح غسله، وبقيت فضلة الماء بحالها.
فأما إذا دخل في الماء وغط فيه، وكان الماء دون القُلَّتَيِنْ، فإنه يطهر ويصير الماء مستعملًا، وذلك بِخلاف القُلَّتَيِنْ فإنه لا يؤثر فيه الاستعمال، نص عليه الشافعي في الأم.
وقال بعض أصحابه: لا يجوز التوضؤ به وإن كان أكثر من قلتين، والأول أولى.
وقوله: "يغتسل منه أو فيه" فيه ترتيب لوقوع الغسل بعد البول، وأن النَّهْيَ عن الاغتسال، إنما هو لأجل وجود البول فيه.
فأما في رواية أبي داود الثانية: "ولا يغتسل فيه من الجنابة".
فظاهرها لايفيد ما أفادته لفظة "ثم"، وكأن الحديث تضمن نَهْيين، أحدهما: النهي عن البول في انماء الدائم، والآخر: النهي عن الاغتسال في الماء الدائم، فيكون فائدته النهي عن دخول الماء الدائم، والاغتسال فيه، هذا مدلول اللفظ، ويكون الاغتسالُ فيه سالبًا له حُكْمَ الطهوريةِ، كما يسلبه إياها البول.
ويزيد البول عليه بأنه ينجسه لنجاسته في نفسه، والجنب ليس بنجس البدن، لكن اغتساله فيه يجعله مستعملًا.
[ ١ / ٧٦ ]
وفي رواية الترمذي، والنسائي "ثم يتوضأ منه" بدل "يغتسل"، والحكم فيهما واحد، فإن كُلًّا منهما رفع حدث.
والذي ذهب إليه الشافعي، أن الماء الدائم -وهو الراكد- لا ينجس لوقوع النجاسة فيه، ما لم يتغير أو كان دون القلتين.
وقد تقدم خلاف الأئمة فيه، والاعتبار بالبول في الماء الدائم عنده وعند من وافقه واعتبر القلة والكثرة.
ويُحمل هذا النهى على أحد أمرين: إما على تخصيصه بالماء القليل، أو أنه على جهة الاستحباب، لأن النفس تعاف الماء إذا خالطه البول، ولو كان قُلَّتَيِنْ.
وقد ذهب داود، إلى أنه إذا بال في الماء الراكد، فلم يتغير أنه لا ينجس، ولكن لا يجوز له أن يتوضأ منه، ويجوز لغيره، لأنه إذا تغوط فيه ولم يتغير لم ينجس، وأجاز له ولغيره الوضوء منه عملًا بظاهر الحديث.
وفي هذا الحديث دليل على أن حكم الماء الجاري بخلاف الراكد، لأن الشيء إذا ذكر بأَخَصِّ أَوْصَافِه، كان حكم ما عداه بخلافه.
والمعنى فيه: أن الماء البخاري إذا خالطه النجو (١) دفعه الجري الثاني، الذي يتلوه فيه فيغلبه فيصير في معنى المستهلك، ويَخْلُفُهُ الطاهر الذي يخالطه النجس، والماء الراكد لا يدفع النجس عن نفسه إذا خالطه، لكن يداخله ويقاربه فمهما أراد استعمال شيء منه، كان النجس فيه قائمًا، والماء قليل فكان مُحَرَّمًا، واللَّه أعلم.
_________________
(١) النجو: ما يخرج من البطن من ريح وغائط. اللسان مادة: نجا.
[ ١ / ٧٧ ]