في الأحداث الناقصة
وفيه ثمانية فروع:-
الفرع الأول
في النوم
أخبرنا الشافعي، أخبرنا الثقة، عن حميد، عن أنس بن مالك قال: "كان أصحاب رسول اللَّه - ﷺ - ينتظرون العشاء فينامون -أحسبه قال- قعودًا حتى تخفق رءوسهم، ثم يصلون ولا يتوضئون".
الثقة في هذا الحديث هو: إسماعيل ابن علية.
قال الحافظ أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه: إذا قال الشافعي: أخبرنا الثقة، عن حميد الطويل، فإنما يكنى بالثقة عن إسماعيل بن علية (١).
وأخرج الشافعي في كتاب القديم قال: أخبرنا بعض أصحابنا، عن الدستوائي، عن قتادة، عن أنس: "أن أصحاب رسول اللَّه - ﷺ - كانوا ينتظرون العشاء حتى تخفق رءوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون".
وهذا حديث صحيح، أخرجه مسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والترمذي (٤).
فأما مسلم: فأخرجه عن يحيى بن حبيب الحارثي، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أنسًا يقول: "كان أصحاب رسول اللَّه - ﷺ - ينامون ثم يصلون لا -أو- ولا يتوضئون" قال: قلت: سمعتَه من أنس؟ قال: إي واللَّه.
_________________
(١) وكذا قال البيهقي عن شيخه الحاكم وعنه نقل المصنف -انظر المعرفة (١/ ٣٥٨).
(٢) مسلم (٣٧٦).
(٣) أبو داود (٢٠٠).
(٤) الترمذي (٧٨) وقال: حسن صحيح.
[ ١ / ٢١٨ ]
وأما أبو داود: فأخرجه عن شاذّ بن فيَّاض، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أنس قال: "كان أصحاب النبي - ﷺ - ينتظرون العشاء الاخرة، حتى تخفق رءوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون".
قال أبو داود: زاد فيه شعبة، عن قتادة: قال: كنا على عهد رسول اللَّه - ﷺ -.
وأما الترمذي: فأخرجه عن محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد، عن شعبة بالإسناد، قال: "كان أصحاب رسول اللَّه - ﷺ -[ينامون] (١) ثم يقومون فيصلون ولا يتوضئون".
وفي الباب عن علي، وابن مسعود، وأبي هريرة، وابن عمر، وعائشة.
وقد أخرج البخاري (٢)، ومسلم (٣)، وأبو داود (٤)، والنسائي (٥)، هذا الحديث بأطول من هذا من طرق عدة، وفيه ذكر الصلاة وتأخير وقتها، وليس هذا موضع ذكرها، وربما جاءت في أحاديث الصلاة.
"الأصحاب": جمع صحب، وصحب جمع صاحب، ويجمع صاحب أيضًا على صحاب وصحبة، والصحابة بالفتح: الأصحاب والمصدر.
"والصاحب": هو الذي يوافقك ويكون معك.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل والمثبت من جامع الترمذي والسياق لا يتم بدونها.
(٢) البخاري (٥٧٢) ولفظه: قال أنس: "أخر النبي - ﷺ - صلاة العشاء إلى نصف الليل، ثم قال: قد صلى الناس وناموا أما إنكم في صلاة ما انتظرتموها" وله ألفاظ أخرى عنده، وراجع أطرافه هناك.
(٣) مسلم (٣٧٦).
(٤) أبو داود (٢٠٠، ٢٠١).
(٥) النسائي (١/ ٢٦٨). كلهم من حديث أنس.
[ ١ / ٢١٩ ]
وقد اختلف العلماء فيمن يطق عليه اسم الصحابة.
وقد استقصيناه في كتاب "جامع الأصول في أحاديث الرسول" ولابد من ذكر طرف هاهنا.
فنقول: كان ابن المسيب لا يعد الصحابي إلا من أقام مع النبي - ﷺ - سنة أو سنتين، أو غزا معه غزوة أو غزوتين.
وقال غيره: كل [من] (١) أدرك الحُلم ورأى النبي - ﷺ -، وعقل أمر الدين، فهو من الصحابة ولو أنه صحبه ساعة.
وقيل: كل من صحبه سنة، أو شهرًا، أو يومًا، أو ساعة، وهو مسلم كبيرًا كان أو صغيرًا فهو صحابي.
والحق في ذلك: أن اسم الصحبة في مطلق الفقه يتناول كل من صحبه زمانًا؛ إلا أن العرف المتناول بين الناس؛ أنهم لا يطلقون لفظ الصحبة؛ إلا على من عرف بصحبة الإنسان ودام معه واشتهر به، كما يقال: علقمة صاحب ابن مسعود، وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة، والمزني صاحب الشافعي.
والأكثرون على أنه لا ينطلق اسم الصحابي؛ إلا على من أسلم ورأى النبي - ﷺ - وصحبه ولو أقل شيء؛ حتى أنهم عدّوا جماعة ولدوا على عهد رسول اللَّه - ﷺ -؛ من أبناء الصحابة ولم يروه؛ في الصحابة، وليس بشيء (٢).
_________________
(١) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل وأثبتناه ليتناسب مع السياق.
(٢) قال السخاوي في فتح المغيث (٣/ ٨٠). الصغير غير المميز كعبد اللَّه بن الحارث بن نوفل، وعبد اللَّه بن أبي طلحة الأنصاري وغيرهما ممن حنكه النبي - ﷺ - ودعا له ومحمد بن أبي بكر الصديق المولود قبل الوفاة النبوية بثلاثة أشهر وأيام، فهو وإن لم تصح نسبة الرؤية إليه صدق أن النبي - ﷺ - وراه ويكون صحابيًّا من هذه الحيثية خاصة، وعليه مشى غير واحد ممن صنف في الصحابة وقد قال شيخنا في "الفتح": إن أحاديث هذا الضرب مراسيل. وقال العراقي في التقييد والإيضاح (٢٩٢): =
[ ١ / ٢٢٠ ]
ونظرت فلانًا، وانتظرته نظرًا وانتظارًا بمعنى، وكان الانتظار افتعال من النظر وهو: تأمل الشيء بالعين، وكذا هو الذي يرتقب الشيء ويديم تحديق النظر إلى وصوله.
"والعشاء": يريد بها صلاة العتمة.
"والحِسْبان": بالكسر مصدر حسبت بمعنى ظننت، وقد تقدم بيانه.
"والقعود": هنا جمع قاعد، مثل: جالس وجلوس، والمصدر فيهما مثل: لفظ الجمع قعدت قعودًا، وجلست جلوسًا.
"وقعود" هنا منصوب على الحال؛ أي ينامون قاعدين.
ويجوز أن يكون مصدرًا، أي ينامون في حالة قعودهم.
"وخفق الرجل": إذا حرك رأسه وهو ناعس؛ يخفق خفوقًا فهو خافق، ومنه خفقت الدابة إذا تحركت، وخفق القلب والشراب إذا اضطربا، والمراد به في الحديث: ما يعرض للنائم إذا كان قاعدًا من سقوط ذقنه على صدره، وهذا لا يكون إلا عن نوم.
"ثم": حرف عطف يفيد الجمع بين الشيئين؛ والأشياء بمهلة وترتيب في عطف المفردات والذوات، وبلا مهملة وترتيب في عطف الجمل والأحوال.
"والصلاة": هذه العبادة المخصوصة، ذات الأحوال والأقوال المشهورة في الشرع.
وأصلها في اللغة: "الدعاء"، ثم نقلها الشارع إِلى ذلك وهو:
اسم يوضع موضع المصدر، تقول: صليت صلًاة.
_________________
(١) = فأما التمييز فظاهر كلامهم اشتراطه كما هو موجود في كلام يحيى بن معين وأبي زرعة وأبي حاتم وأبي داود وابن عبد البر وغيرهم وهم جماعة أُتي بهم النبي - ﷺ - وهم أطفال فحنكهم ومسح وجوههم أو تفل في أفواههم؛ فلم يكتبوا لهم صحبة كمحمد بن حاطب بن الحارث
[ ١ / ٢٢١ ]
ومعنى رواية مسلم: "ثم يصلون لا -أو ولا- يتوضئون" يريد: ثم يصلون لا يتوضئون أو ولا يتوضؤن، كأنه شك في إثبات الواو قبل "لا" وحذفها مع حذفها؛ ففيه زيادة تحقيق لعدم التوضؤ في هذه الحالة؛ كأنه جعل ذلك حالة لازمة لهم، وأنها داخلة في الجملة وليست جملة خارجة عن الأول، لأن واو العطف يؤذن بانفراد المعطوف عن المعطوف عليه، وهذا نوع من البلاغة لطيف، وباب من الفصاحة شريف، وهو أن يذكر القائل جملًا من القول كل واحدة منها مستقلة بمعنى؛ ثم يسردها متلاحقة بغير عاطف، وهي مع ذلك اخذة بعضها برقاب بعض، ومثله قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١).
و"إي": في قوله: "إي واللَّه" بمعنى نعم وبلى، وهي ابتداء يتقدم على القسم، والواو واو القسم، وهي نائبة عن حرفه الأصلي الذي هو الباء، لأن الباء هو الحرف الذي يوصل الفعل القاصر إلى المفعول فتعديه إليه، تقول: حلفتُ باللَّه، وأُقْسم باللَّه، ثم أبدلت من الباء الواو لقرب المخرج وصارت أولى من الأصل لكثرة الاستعمال.
"والسماع": مصدر سمعت الشيء أسمعه سمعًا وسماعًا، وسمعت إليه وسمعت له، وتسمعت واستمعت، كل ذلك بمعنى.
وقوله: "كان أصحاب رسول اللَّه - ﷺ -" فرع من أنواع طرق لفظ الراوي وإيراده الحديث، وهو اخر مراتب الإيراد، وكذلك قول الصحابي: كنا نفعل كذا والمراد: أنهم كانوا يفعلون الشيء بمشهد من النبي - ﷺ - ولا ينكر عليهم ذلك، فهذا دليل الجواز، وهو حجة معمول به، فقد تقدم قبل هذا الحديث بيان ذلك أكثر إيضاحًا.
_________________
(١) آل عمران: [١١٨].
[ ١ / ٢٢٢ ]
وقوله: "كان أصحاب النبي - ﷺ - ينتظرون العشاء".
فيه دليل على أن ذلك أمر كان يتواتر منهم، وأنه قد كثر حتى صار كالعادة ولم يكن نادرًا.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن النوم ينقض الوضوء، إلا أنه إذا كان النائم قاعدًا متمكنًا بمقعدته من الأرض ولو تجافى بمقعدته انتقض.
وحكى البويطي، والزعفراني عنه قولًا قديمًا له: إن نام في الصلاة فلا تنفض طهارته، وهو ضعيف، وحكى مثله عن ابن المبارك.
وأما أبو حنيفة فقال: إذا نام مضطجعًا وجب عليه الوضوء، وإن نام قائمًا، أو راكعًا، أو ساجدًا، أو جالسًا؛ ولا (١) وضوء عليه.
وهو يعتبر أن يكون على حالة يكون على مثلها في الصلاة في حال الاختيار، وبه قال الثوري، وابن المبارك، وداود.
وقال مالك: النوم ينقض الوضوء بكل حال؛ إلا أن يكون جالسًا أو يكون نومه يسيرًا؛ فإن كثر نقض.
وأما أحمد: فإنه اعتبر ما اعتبره أبو حنيفة وزاد فيه؛ أن يكون النوم قليلًا.
وأما الاضطجاع: فقليل النوم وكثيره ينقض عنده.
وقال المزني: قليل النوم وكثيره على جميع حالاته ناقض، وبه قال الحسن وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيدة، وقال به من الصحابة أبو هريرة، وعائشة، وروي عن علي.
وقال ابن عباس: الوضوء على كل نائم إلا من خفق برأسه خفقة أو خفقتين.
وقال الزهري: كانوا لا يرون بغرار (٢) النوم بأسًا، يعني أنه لا ينقض الوضوء.
_________________
(١) كذا بالأصل بذكر (و) في جواب الشرط ولا وجه لها والصواب [فلا].
(٢) قال البغوي: أصل الغرار: النقصان، وأراد بغرار النوم: قلته. شرح السنة (١/ ٣٣٩).
[ ١ / ٢٢٣ ]
وحكى عن أبي موسى الأشعري، وأبي مجلز، وحميد الأعرج أنهم قالوا: النوم لا ينقض الوضوء على سائر الأحوال، وبذلك قالت الشيعة الإمامية.
ومنشأ هذا الخلاف: هو أن النوم هل هو ناقض لذاته أو لأنه مظنة الحدث؟ وهذا الحديث يدل على أن مجرد النوم مطلقًا ليس بناقض، لأنه لو كان ناقضًا على كل حال لنقضه كسائر الأحداث الناقضة، قليلها وكثيرها، خطئها وعمدها، وإنما هو مظنة للحدث موهم لوقوعه من النائم غالبًا، ولذلك قال النبي - ﷺ - "العينان وكاء السَّه" (١) فإذا كان النائم بحال من التمسك والاستواء في القعود المانع من خروج الحدث منه؛ كان محكومًا له ببقاء الطهارة، ومتى زال عن هذه الحالة من الاستواء كالاضطجاع، والميل، والاتكاء، والقيام، والركوع، والسجود، وبالجملة فعلى حالة يسهل معها خروج الحدث؛ كان أمره محمولًا على أنه قد أحدث عملا بالغالب -واللَّه أعلم-.
وقال بعض من ذهب إلى مذهب مالك: إنه إذا استقر وارتبط ثم نام، فإن الذي يجيء على المذهب أنه لا وضوء عليه.
وحكى ذلك عن إمام الحرمين أبي المعالي الجويني -رحمة اللَّه عليه.
أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان ينام قاعدًا ثم يصلي ولا يتوضأ.
وأخرج هذا الحديث أيضًا في كتاب اختلاف الشافعي ومالك، وقال فيه: كان ينام وهو قاعد، وأخرجه أيضًا في كتاب اختلافه مع مالك قال:
_________________
(١) روى من حديث علي ومعاوية وفي كلا الإسنادين مقال. قال الحافظ: قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن هذين الحديثين، فقال: ليسا بقويين، وقال أحمد: حديث علي أثبت من حديث معاوية في هذا الباب. وحسَّن المنذري وابن الصلاح والنووي حديث علي. التلخيص الحبير (١/ ١١٨). وراجع نصب الراية (١/ ٤٥ - ٤٦).
[ ١ / ٢٢٤ ]
أخبرنا الثقة، عن عبد اللَّه بن عمر عن نافع، عن ابن عمر، أنه قال: من نام مضطجعًا وجب عليه الوضوء ومن نام جالسًا فلا وضوء عليه.
هذا حديث صحيح، أخرجه مالك في الموطأ (١) إلا أنه قال: جالسًا بدل قاعدًا.
وإنما ذكره الشافعي في كتاب اختلافه مع مالك، لأن من مذهب مالك أن يسير النوم لا ينقض الوضوءَ، ومذهب جماعة أخرى منهم الحسن البصري: أن النوم على جميع حالاته ناقض للوضوء.
فأخرج الشافعي هاتين الروايتين في كتاب اختلافه مع مالك، نقضًا للمذهبين فإنه لم يفرق فيهما ابن عمر بين قليل النوم وكثيره؛ وإنما اعتبروا النوم قاعدا وجالسًا، ولا فرق بين القعود والجلوس من جهة المعنى، وإنما يفترقان من جهة اللفظ والتصرف في الموضع فإن موضع القعود مقعد -بفتح العين- قال اللَّه تعالى (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ) (٢) وموضع الجلوس مجلس بكسر اللام، فأما المجلس -لفتح اللام- فهو المصدر.
وقاعدًا: منصوب على الحال، وقوله: وهو قاعد، جملة من مبتدأ وخبر في موضع الحال أيضًا.
وقد صرح في الرواية الثالثة بالفرق بين النومتين، فقال: "من نام مضطجعًا فعليه الوضوء ومن نام جالسًا فلا وضوء عليه".
فلم يبق تأويلًا يتطرق إلى اللفظ.
وهذا يرد قول من قال: إن النائم جالسًا لا ينقض وضوؤه.
_________________
(١) الموطأ (١/ ٥٠). وأخرج الرواية الثانية البيهقي في المعرفة (٩٠٤).
(٢) القمر: [٥٥].
[ ١ / ٢٢٥ ]
وهو فعل صحابي مشهور من جلة الصحابة وفقهائهم، عارف بمواقع الخطاب، بصير بمظان الحلال والحرام، خبير بالجائز والممنوع، وفعله في هذا المقام حجة؛ لا سيما وقد ثبت ورود مثل هذا الفعل عن الصحابة، في حضرة الرسول - ﷺ - ولم ينكره عليهم، فكان الأخذ به أولى والعمل بموجبه أحرى.
وقد تقدم ذكر مذاهب الأئمة، في الحديث الذي قبله.
وقد اختلفت أقوال الأئمة؛ في قول الصحابي وفعله، هل هو حجة أم لا؟
أما في حق العامي فلا خلاف أنه حجة يجوز العمل به.
وأما العالم فقال قوم: يجوز له تقليد الصحابة، وأضاف قوم إلى الصحابة التابعين، وممن ذهب إلى جواز تقليد العالم للعالم: الثوري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق.
وقال قوم: تقليد العالم للأعلم، ولا يقلد من هو مثله أو دونه، وذهب الأكثرون من أهل العراق: إلى جواز تقليد العالم للعالم فيما يفتى به فيما يخصه.
وقال قوم: يجوز له فيما خصه دون ما يفتى.
وخصص قوم من جملة ما يخصه؛ بما يفوتُ وَقْتُهُ لو اشتغل عن الاستفتاء بالاجتهاد فيه.
واختار القاضي أبو بكر: منع تقليد العالم للصحابة ولمن بعدهم، قالوا: وهو الأظهر.
فإن المسألة اجتهادية، وتقليد من لم يثبت عصمته؛ ولم يعلم الحقيقة إصابته شديد.
وقد اختلف قول الشافعي في المسألة.
[ ١ / ٢٢٦ ]
وقال في القديم: إنه حجة يجب على المجتهدين من أهل الأعصار التمسك بها ثم قال: وإنما تكون حجة إذا لم يختلف الصحابة ولكن نقل قول واحد ولم يظهر خلاف، فيكون حينئذ حجة وإن لم ينتشر.
وقال في بعض أقواله: إذا اختلف الصحابة فالتمسك يقول الخلفاء أولى.
وقال في بعض أقواله: القياس الجلي يقدم على قول الصحابي.
وقال في موضع اخر: إن قول الصحابي مقدم على القياس.
وأجمعوا على أن قول الصحابة لا يكون حجة [] (١) والظاهر من المذهب أنهم إذا اختلفوا، سقط الاحتجاج بأقوالهم [] (١) اضطربت الأقوال فيها.
وقد حكينا ما عرفناه من أقوال الأئمة فيها.
وقد أخرج الشافعي في كتاب القديم: عن مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، أن عمر بن الخطاب قال: إذا نام أحدكم مضطجعًا فليتوضأ.
وقد أخرجه مالك في الموطأ (٢).
_________________
(١) طمس بالأصل قدر كلمتين تقريبًا.
(٢) الموطأ (١/ ٤٩ رقم ١٠).
[ ١ / ٢٢٧ ]