في ماء البئر
أخبرنا الشافعي، أخبرنا الثقة، عن ابن أبي ذئب، عن الثقة عنده، عمَّن حدثه، أو عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن العدوي، عن أبي سعيد الخدري أن رجلًا سأل رسول اللَّه - ﷺ - قال: إن بئر بُضَاعة يطرح فيها الكلاب والمحيض فقال رسول اللَّه - ﷺ -: "إن الماء لا ينجسه شيء" (١).
أخرجه في كتاب اختلاف الحديث، هذا حديث صحيح (١)، قد أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي.
فأما أبو داود (٢)، فأخرجه عن أحمد بن شعيب، وعبد العزيز بن يحيى، الحرّانيين، عن محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن سليط بن أيوب، عن عبيد اللَّه بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري ثم العدوى، عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - وهو يقال له: إنه يُسْتَقَى لك من بئر بضاعة، وهي تلقى فيها لحوم الكلاب والمحايض وعذر الناس؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "إن الماء طَهُور لا يُنجِّسُهُ شَيء".
قال أبو داود: سمعت قتيبة بن سعيد قال: سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها فقلت (٣): أكثر ما يكون فيها الماء؟ قال: إلى العانة. قلت: وإذا نقص؟ قال: دون العورة.
_________________
(١) قال الحافظ في التلخيص (١/ ١٣). وصححه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو محمد بن حزم. ونقل ابن الجوزي أن الدارقطني قال: إنه ليس بثابت وأعله ابن القطان بجهالة راويه عن أبي سعيد واختلاف الرواة في اسمه واسم أبيه وانظر نصب الراية (١/ ١١٣).
(٢) أبو داود (٦٧).
(٣) في السنن: (قال).
[ ١ / ٦٧ ]
قال أبو داود: قدّرت بئر بضاعة بردائي، مددته عليها، ثم ذرعته، فإذا عرضها ستة أذرع.
وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني فيه: هلُ غيَّر بناؤها عما كانت عليه؟ فقال: لا.
ورأيت فيها ماءً متغير اللون.
ولأبى داود في رواية أخرى عن محمد بن العلاء، والحسن بن علي، ومحمد سليمان الأنباري، عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن رَافع بن خديج، عن أبي سعيد، فذكر الحديث.
قال أبو داود: وقال بعضهم، عبد الرحمن بن رَافع.
وأما الترمذي (١)، فأخرجه عن هنَّاد بن السرىِّ، والحسن بن علي الخلال، وغيْر واحد، عن أبي أسامة؛ بإسناد أبي داود الثاني، قال: "قيل يا رسول اللَّه أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي يلقى فيها الحِيَض ولحوم الكلاب والنَّتْن؟ فقال: "إن الماء طَهُور، ولا يُنَجِّسُهُ شَيءٌ".
قال الترمذي (٢): قد جود أبو أسامة هذا الحديث، لم يُرْوَ حديث أبي سعيد في بئر بضاعة (٣)، في أحسن مما روى أبو أسامة.
وقد روى هذا الحديث من غير وجه، عن أبي سعيد.
وأما النسائي (٤) فأخرجه عن هارون بن عبد اللَّه، عن أبي أسامة، بإسناد أبي
_________________
(١) الترمذي (٦٦)؟
(٢) لم ينقل المصنف -﵀- حكم الترمذي على الحديث مع أهميته، فقد قال في صدر كلامه: هذا حديث حسن
(٣) كذا بالأصل ولعلها زائدة ويؤكد ذلك أنها لم ترد في كلام الترمذي من النسخة المطبوعة لجامع.
(٤) النسائي (١/ ١٧٤).
[ ١ / ٦٨ ]
داود، والترمذي، ولفظه في رواية أخرى عن العباس بن عبد العظيم، عن عبد الملك بن [عمرو] (١) عن عبد العزبز بن مسلم -وكان من العابدين- عن مطرف بن طريف، عن خالد بن أبي نوف، عن سَليط، عن أبي سعيد قال: "مررتُ بالنبي - ﷺ - وهو يتوضأ من بئر بضاعة".
وفي الباب عن ابن عباس، وعائشة.
فقد روى الزعفراني، عن الشافعي، أنه قال -في القديم-: أخبرنا رجل عن سليط بن أيوب [عن] (٢) عبيد اللَّه بن عبد الرحمن العدوي، عن أبي سعيد الخدري، أن النبي - ﷺ - قيل له، فذكر الحديث مثل رواية أبي داود.
وقد اخْتُلِفَ في اسم عبد الرحمن بن رافع، فقيل: عبيد اللَّه، وقيل عبد اللَّه، واختلف في اسم أبيه أيضًا، فقيل عبد الرحمن، وقيل عبد اللَّه (٣).
"بئر بضاعة": بئر معروفة لأراضى المدينة -وقد تُكْسَرُ بَاؤُها.
و"المحيض": مصدر حاضت المرأة تحيض، حيضًا، ومحيضًا، وقد استعمل المصدر في هذا الحديث، استعمال الاسم، يريد بالمحيض هاهنا: الدم.
وفي رواية أبي داود: المحايض، وهي جمع محيضة، والمحيضة الخِرْقة التي تستثفر بها المرأة عند الحيض. وفي رواية الترمذي، والنسائي، الحيض، وهي جمع الحيضة -بكسر الحاء وبفتحها- فالكسر هي الحالة، والفتح هي المرة الواحدة من الحيض.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين بالأصل [عمر] وهو تصحيف؛ والصواب ما أثبتناه وكذا جاء في السنن.
(٢) ما بين المعقوفتين بالأصل [بن] وهو تصحيف؛ والصحيح ما أثبتناه.
(٣) قال الحافظ في التهذيب (٤/ ٢١): قال ابن القطان الفاسي: في هذا الرجل خمسة أقوال فذكر الثلاثة، وزاد ما ذكره البخاري عن يونس بن بكير: عبد اللَّه بن عبد الرحمن فهذا قول رابع. والخامس، قاله: محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق: عبد الرحمن بن رافع ثم قال: وكيف ما كان فهو من لا يعرف له حال، وقال ابن منده: عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن رافع مجهول، نعم صحح حديثه أحمد بن حنبل وغيره، وقد نص البخاري على أن قول من قال عبد الرحمن بن رافع وهم.
[ ١ / ٦٩ ]
"والنتنُ": ما يستقذر من النجاسات، كالميتات ونحوها.
و"العَذِر": بفتح العين، وكسر الذال، جمع عذرة، وهي الغائط، مثل كلمة وكلم ونبقة ونبق.
"وَالعَانة": الشعر النابت حول الفرج من الذكر والأنثى.
"والعورة" من الإنسان، كل ما يستحي منه إذا ظهر.
وهو في الشرع: موضع مخصوص من بدنه، وهذا يجيء بيانه في موضعه.
وفي رواية الجماعة "إن الماء طهور لاينجسه شيء" بزيادة لفظة طهور، وفيها فائدة حسنة، لأن قوله "إن الماء لا ينجسه شيء".
يجوز أن يكون غير نجس، وهو غير طهور، كالماء المستعمل في الحدث، ليس بنجس، وهو مع ذلك غير طهور، فإذا قال: "طهور"، زال هذا الوهم، وبقي قوله "لا ينجسه شيء"، زيادةً في البيان، وتعريضًا بذكر ما قالوا، أنه يلقى فيها من الحِيَضِ وغيرها، أي أن هذه النجاسات لا تؤثر في هذا الماء، فذكر ذلك تأكيدًا وبيانًا.
وقد يتوهم كثير من الناس إذا سمع هذا الحديث، أن هذا كان منهم عادة، وأنهم كانوا يأتون هذا الفعل قصدًا وتعمدًا، وهذا ما لا يجوز أن يُظَنَّ بذِمِّيِّ بل بوثني، فضلًا عن مسلم وصحابي، ولم يزل من عادة الناس قديمًا وحديثًا، مسلمهم وكافرهم، تنزيه المياه وصونها عن النجاسات، فكيف يظن بأهل ذلك الزمان، وهم أعلى طبقات أهل الدين، وأفضل جماعة المسلمين، والماء ببلادهم أعز، والحاجة إليه أمس، أن يكون هذا صنيعهم بالماء، وامتهانهم له؟!
[ ١ / ٧٠ ]
وقد لعن النبي - ﷺ - "من تغوط في موارد الماء ومشارعه" (١) (٢) فكيف من اتخذ عيون الماء ومنابعه، رَصَدًا للأنجاس، ومُطَّرَحًا للأقذار؟
مثل هذا الظن لا يليق بهم، ولا يجوز فيهم.
وإنما كان ذلك، من أجل أن هذه البئر موضعها في حَدُور من الأرض، وأن السيول كانت تكسح هذه الأقذار من الطرق والأفنية وتحملها، فربما ألقت منها فيها شيئًا، وكان الماء لكثرته فيها، يؤثر فيه وقوع شيء من هذه الأشياء ولا يغيره، فسألوا رسول اللَّه - ﷺ - عن شأنها ليعلموا حكمها في الطهارة والنجاسة، فكان من جوابه لهم أن الماء لاينجسه شيء، يريد الماء الذي صفته صفة هذه البئر، في غزارته وكثرة جمامه، لأن السؤال إنما وقع عنها بعينها فجاء الجواب عليها.
ولا يخالف حديث القلتين إذا كان معلومًا أن الماء الذي في بئر بضاعة يبلغ قلتين، فأحد الحديثين يوافق الآخر ولا يناقضه والخاص يقضي على العام ويبينه، ولا ينسخه ولا ييطله (٣).
قال الشافعي: بئر بضاعة كثيرة الماء، واسعة، كان يطرح فيها من الأنجاس، ما لا يغير لها لونًا، ولا طعمًا، ولا يظهر له فيها ريح، فقال النبي - ﷺ - مجيبًا: "الماء لا ينجسه شيء" يعني في الماء مثلها.
واستدل على ذلك، بحديث أبي هريرة في ولوغ الكلب، لأنه لما كان الإناء الذي يلغ فيه الكلب صغيرًا في الغالب، والماء فيه قليل، أمر بغسله، حيث نجس
_________________
(١) مشارع الماء: هي الفُرَض التي تشرع فيها الواردة اللسان مادة شرع.
(٢) أخرج أبو داود وغيره عن معاذ بن جبل قال: قال رسول اللَّه - ﷺ - "اتقوا الملاعن الثلاث: البَرَاز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل". وحسنه الألباني -﵀- في الإرواء (٦٢) وله شواهد ذكرها هناك فراجعه إن شئت.
(٣) وهذا هو قول أبي سليمان الخطابي كما في المعالم (٣٢،١ - ٣٣).
[ ١ / ٧١ ]
أصليته بالولوغ.
والذي ذهب إليه الشافعي، أن النجاسة إذا وقعت في الماء فغيرت لونه، أوطعمه، أوريحه، فالماء نجس، قل الماء أم كثر، وإن لم يغيره فإن كان قلتين فصاعدًا لم ينجس، وإن كان دونهما فهو نجس.
وروى الفرق بين القليل والكثير، عن جماعة وإن اختلفوا في مقدارهما، منهم: ابن عمر، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وإسحاق، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور، وأبو عبيْد، واختاره المزني. وذهبت طائفة إلى أن القليل والكثير سواء، لا ينجس إلا بالتغير، وروي ذلك عن ابن عباس، وحذيفة، وأبي هريرة، والحسن البصري، وابن المسيب، وعكرمة، وابن أبي ليلى، وجابر بن زيد، وإليه ذهب مالك، والأوزاعي، والثوري، وداود، واختاره ابن المنذر.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه؛ إلى أن كل ما تيقن وصول النجاسة إليه، أو غلب في الظن لم يجز استعماله.
هذا تحقيق مذهبه، وما يحكى عنه من اعتبار الحركة، فإنها أمارة تدل على وصول النجاسة إليه، فإنه إذا بلغته الحركة بلغته النجاسة، واللَّه أعلم.
قال الشافعي في القديم: أخبرنا رجل، عن أبيه، عن أمه، عن سهل بن سعد الساعدي قال: "سقيت رسول اللَّه - ﷺ - بيدي من بئر بضاعة" (١).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٣٣٧ - ٣٣٨)، والدارقطني في سننه (١/ ٣٢) كلاهما من طريق فضيل بن سليمان، عن محمد بن أبي يحيى، عن أمه عنه به. وتابع الفضيل حاتم بن إسماعيل بنحوه. أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٢). واختلف على محمد بن أبي يحيى. رواه حاتم بن إسماعيل أيضًا عنه عن أن أبيه -بدل أمه- عنه بنحوه، أخرجه الطبراني في الكبير (٦/ ٢٠٧ رقم ٦٠٢٦)، وأبو يعلى (٧٥١٩) والبيهقي في سننه (١/ ٢٥٩). قال البيهقي عقبه: هذا إسناد حسن موصول. وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ١٥): رواه أحمد وأبو يعلي والطبراني في الكبير ورجاله ثقات. قلت: أم محمد مجهولة، والحديث مختلف في إسناده كما ترى وقد قال ابن التركماني في =
[ ١ / ٧٢ ]
وهذا الرجل الذي روى عنه هو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وقد رواه غيره، عن أن أبيه، وأبوه ثقة (١).
_________________
(١) = الجوهر النقي (١/ ٢٥٨ - ٢٥٩) بهامش السنن الكبير: لم نعرف حال أمه ولا اسمها بعد الكشف التام ولا ذكر لها في شيء من الكتب الستة، وقد ذكر الطبراني في "معجمه الكبير" هذا الحديث في ترجمة أبي يحيى عن سهل، فذكر بسنده عن محمد بن أبي يحيى، عن أبيه، عن سهل الحديث. فظهر أن في سنده اضطرابًا أيضًا، ومع ما تقدم كيف يكون إسناده حسنًا؟!!.
(٢) كذا قال البيهقي في المعرفة (١/ ٧٩)، وأخرجه من وجه آخر بإسناده إلى سهل بن سعد. وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى: متروك فلا تعويل على روايته.
[ ١ / ٧٣ ]