في المستحاضة
أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول اللَّه - ﷺ -: إني لا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول اللَّه - ﷺ -: "إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي الدم عنك وصَلِّي".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة.
فأما الموطأ (١): فأخرجه إسنادًا ولفظًا.
وأما البخاري (٢): فأخرجه عن عبد اللَّه بن محمد بن يوسف، عن مالك.
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب، عن وكيع، عن هشام، عن أبيه.
وفي أخرى: عن يحيى بن يحيى، عن عبد العزيز بن محمد، وأبي معاوية، عن قتيبة، عن جرير، وابن نمير، عن أبيه، عن خلف بن هشام، عن حماد بن زيد، كلهم عن هشام بن عروة، عن أبيه.
وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن أحمد بن يونس، وعبد اللَّه بن محمد النفيلي، عن زهير، عن هشام بن عروة.
وفي أخرى: عن القعنبي، عن مالك.
وأما الترمذي (٥): فأخرجه عن هنَّاد، عن وكيع وعبدة وأبي معاوية، عن هشام بن عروة.
وأما النسائي (٦): فأخرجه عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبدة ووكيع وأبي معاوية، عن هشام بن عروة.
_________________
(١) الموطأ (١/ ٧٧ رقم ١٠٤).
(٢) البخاري (٣٠٦).
(٣) مسلم (٣٣٣).
(٤) أبو داود (٢٨٢، ٢٨٣).
(٥) الترمذي (١٢٥) وقال: حسن صحيح.
(٦) النسائي (١/ ١٨٤).
[ ١ / ٣١٣ ]
وله روايات كثيرة لهذا الحديث؛ بزيادة ألفاظ ونقص.
قولها: "إني لا أطهر" تريد أن الدم لا ينقطع عنها وأنه متصل فلا تزال حائضًا وطهارة الحائض إنما هي مع انقطاع الدم، فكَنّتْ بعدم الطهر عن اتصال الدم وجريانه، وهذا من أحسن آداب الخطاب، ثم لما كانت قد علمت أن الحائض تدع الصلاة؛ وأنها ليست واجبة عليها؛ ورأت أن ذلك الحكم مقرون بالدم؛ استفتَتْهُ قالت: "أفأدع الصلاة؟ " ظَنًّا منها أن هذا حكم مطرد مع رؤية الدم، فقال لها النبي - ﷺ - "إنما ذلك عرق" سائل قد انفجر، وليست بالحيضة المعتادة التي تعرفها النساء عامة.
"والحيضة" هاهنا مكسورة الحاء، تريد بها الحالة المألوفة.
فأما بالفتح: فإنها المرة الواحدة والأول أشبه.
وقوله: "إذا أقبلت الحيضة" يريد: الحيض المعتاد المألوف الذي هو من عادتها، فاتركي الصلاة ولا تصلي، فإن ذلك هو الحيض الذي تسقط معه الصلاة، فإذا ذهب قدرها من الأيام التي كنت تحيضين فيها قبل هذه الحالة فاغسلي الدم وصلى.
والشافعي ذكر هذا الحديث في الحيض؛ وذكره في كتاب "ذكر (١) اللَّه تعالى على غير وضوء"، لأن الصلاة أكثرها [ذكر] (٢) اللَّه تعالى.
وقول رسول اللَّه - ﷺ -: "فإذا أقبلت الحيضة فدعى الصلاة" إنما قاله عن علم منه أنها تميز بين دفع دمها؛ فتراه زمانًا أسود ثخينًا وذلك في إقبال حيضها؛ ثم تراه مشرقًا رقيقًا وذلك حين إدبار حيضها؛ ولا يقول ذلك إلا وهو يعرف إقبالها وإدبارها، بعلامة تفصل لها بين الأمرين، ولذلك قد جاء في حديث آخر قال لها: "إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف" وهذا القول يبين لها أن الدم
_________________
(١) زاد في الأصل قبل هذه الكلمة لفظ الجلالة (الله) وأظنه سبق قلم.
(٢) ما بين المعقوفتين بالأصل [ذكرها] وهو خطأ.
[ ١ / ٣١٤ ]
إذا تميز كان الحكم له، وإن كانت لها أيام معلومة فإن اعتبار الشيء بذاته وبخاص صفاته أولى من اعتباره بغيره من الأشياء الخارجة عنه؛ فأما إذا عدمت التمييز فالاعتبار بالأيام.
وبيان المذهب: أن من رأت الدم واتصل بها أكثر من خمسة عشر يومًا في سن المحيض، فقد اختلط حيضها باستحاضتها، وللمستحاضة أربعة أحوال.
أحدها: أن تكون مميزة لا عادة لها.
والثانية: أن تكون معتادة لا تمييز لها.
والثالثة: أن تكون لها عادة وتمييز.
والرابعة: أن تكون مُبْتَدَأة لا عادة لها ولا تمييز.
أما المميزة: فإن كان يختلف دمها فترى بعضه أسود شديدًا، وبعضه مشرقًا أو يكون بعضه أحمر وبعضه أصفر؛ فإن هذه ترد إلى تمييزها ويكون الدم الأسود حيضها؛ بشرط أن لا يزيد على خمسة عشر يومًا ولا ينقص عن يوم وليلة؛ والأصل في التمييز حديث فاطمة هذا.
فأما المعتادة التي لا تمييز لها: فهي امرأة لها أيام تحيضها في كل شهر فلما كان بعض الشهور اتصل بها الدم وعم خمسة عشر يومًا بصفة واحدة؛ فإنها ترد إلى أيام عادتها؛ فيكون حيضها تلك الأيام والباقي استحاضة؛ والأصل فيه حديث أم سلمة الثاني بهذا الحديث (١).
وأما التي لها عادة وتمييز: فظاهر مذهب الشافعي أن التمييز يقدم على العادة؛ وهو مذهب الأوزاعي، ومالك، وأبي إسحاق.
وقال قوم من أصحاب الشافعي: بل ترد إلى العادة، وهو مذهب أبي حنيفة
_________________
(١) أي: الحديث الآتي في هذا الباب ويأتي بعد قليل.
[ ١ / ٣١٥ ]
والثوري.
وأما من لا عادة لها ولا تمييز ففيه قولان:-
أحدهما: ترد إلى أقل الحيض يوم وليلة، وتقضى صلاة أربعة عشر يومًا، وبه قال أحمد -في إحدى الروايات عنه- وأبو ثور وزفر.
والثاني ترد إلى غالب عادة النساء ست أو سبع، وإليه ذهب عطاء، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وإحدى روايات أحمد.
وقال مالك: نقول: عادةُ لِدَاتها، وتستظهر بثلاثة أيام.
وقال أبو حنيفة: تحيض أكثر الحيض.
وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة: أن امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول اللَّه - ﷺ - فاستفتت لها أم سلمة رسول اللَّه - ﷺ - فقال: "لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر؛ قبل أن يصيبها الذي أصابها؛ فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر فإذا خلّفت ذلك فلتغتسل؛ ثم لتستثفر بثوب ثم [تصلي] (١) ".
أخرج الشافعي هذا الحديث في كتاب اختلافه مع مالك، وفي كتاب الحيض، وهو حديث صحيح، أخرجه الموطأ (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤).
فأما الموطأ: فأخرجه بالإسناد واللفظ.
وأما أبو داود: فأخرجه عن القعنبي، عن مالك، [و] (٥) عن قتيبة ويزيد بن
_________________
(١) بالأصل [لتغتسل] وهو تحريف، والتصويب من المسند بترتيب السندي ومصادر التخريج. وعند بعضهم [لتصل].
(٢) الموطأ (١/ ٧٧ رقم ١٠٥).
(٣) أبو داود (٢٧٧،٢٧٦،٢٧٥،٢٧٤).
(٤) النسائي (١/ ١٨٢ - ١٨٣).
(٥) سقط من الأصل، والصواب إثباته وراجع السنن.
[ ١ / ٣١٦ ]
خالد بن عبد اللَّه بن موهب، عن الليث.
وعن القعنبي، عن أنس بن عياض، عن عبيد اللَّه.
وعن يعقوب بن إبراهيم، عن ابن مهدي، عن صخر بن جويرية كلهم عن نافع، عن سليمان، إلا أنه قال في الأولى: عن سليمان، عن أم سلمة، وفي الباقي: عن سليمان، عن رجل، عن أم سلمة.
وأما النسائي: فأخرجه عن قتيبة، عن مالك بالإسناد واللفظ.
وهذا الحديث هكذا جاء مرسلًا، فإن سليمان بن يسار لم يسمعه عن أم سلمة؛ إنما سمعه من رجل من أم سلمة كما ذكره أبو داود. وفي بعض الطرق عن مرجانة، عن أم سلمة (١).
تقول: "هرقت الماء" أهريقه -بفتح الهاء- هراقة أي صببته، وأصله أراق يريق إراقة، وتقول: أهراق يهراق إهراقًا فهو مُهْرَقٌ، ويريد بقوله: "يهراق الدم": الاستحاضة.
وقوله: "تحيضهن" أي تحيض فيهن، فأضاف الفعل إلى الظرف نفسه، فجعل الظرف هو الحيض اتساعًا، لأن الحيض يقع فيه، على ذلك قول اللَّه تعالى ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٢) وقوله -﷿- ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (٣) أي في يوم الدين، والمكر في الليل والنهار.
_________________
(١) قال الحافظ في التلخيص (١/ ١٧٠): قال البيهقي: هو حديث مشهور إلا أن سليمان لم يسمعه منها وفي رواية لأبي داود، عن سليمان: أن رجلًا أخبره عن أم سلمة وللدارقطني عن سليمان أن فاطمة بنت أبي حُبيش استحيضت فأمرت أم سلمة، وقال المنذري: لم يسمعه سليمان. وقد رواه موسى بن عقبة، عن نافع، عن سليمان، عن مرجانة عنها. وساقه الدارقطني من طريق صخر بن جويرية، عن نافع، عن سليمان أنه حدثه رجل عنها.
(٢) الفاتحة: (٤).
(٣) سبأ: (٣٣).
[ ١ / ٣١٧ ]
و"من" في قوله: "من الشهر" للتبعيض لأن الحيض في بعض الشهر، ويجوز أن تكون التي للتبيين؛ يريد الأيام التي كانت تحيض فيهن من كل شهر.
وقوله: "قبل أن يصيبها الذي أصابها" يريد الاستحاضة، لأن دم الحيض كان يأتيها قبل حدوث ذلك بها؛ فاعتبارها بأيام حيضها المعتاد أولًا.
"وخَلَفْتُ الشيء" أخلفه -مخففًا-: إذا جئت بعده، وخَلَّفْتُه أخلِّفه -مشددًا- إذا تركته بعدك.
والمراد في الحديث: له أول وذلك أنها أذهبت تلك الأيام وقضتها؛ وانفصلت عنها وبقيت بعدها، لأن الأيام تبقى بعدها.
"والاستثفار": مِن الثفر وهو الذي يجعل تحت ذنب الدابة ليحفظ الرَّحْل على ظهرها.
وصورة الاستثفار: أن تشد المرأة وسطها بخرقة أو حبل ونحو ذلك، ثم تحشو فرجها قطنًا أو خرقة أو ما يجري مجراها؛ ثم تضع فوق ذلك منديلًا على فم الفرج؛ وتشد طرفيها في الخرقة أو الحبل الذي شدت به وسطها من بين يديها ومن خلفها ليمنع بذلك الدم أن يجري أو يقطر، وقد تبدل من الثاء ذال فيقال:
تستذفر وكذلك الذفر.
والذي ذهب إليه الشافعي في حكم المستحاضة؛ قد ذكرناه في حديث عائشة قبل هذا، ونحن نزيده هاهنا بيانًا:-
وذلك أنا قد قلنا إنها المعتادة التي لاتمييز لها، وأنها تُرَدُّ إلى عادتها في أيام حيضها؛ فيكون حيضها تلك الأيام والباقي استحاضة، ثم إنها تغتسل مرة واحدة ويصير حكمها حكم الطواهر في وجوب الصلاة والصوم؛ وسائر الأحكام الشرعية التي لا يجوز للحائض فعلها؛ إلا أنها تتوضأ لكل صلاة، فإذا المستفاد من العادة قدر الحيض ووقته -واللَّه أعلم.
[ ١ / ٣١٨ ]
أخبرنا الشافعي، أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني عبد اللَّه بن محمد ابن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش قالت: كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فجئت إلى النبي - ﷺ - أستفتيه فوجدته في بيت أختي زينب فقلت: يا رسول اللَّه، إن لي إليك حاجة [] (١).
في شعره من الجنابة بالتخلل.
"والحفن": أخذك الشيء براحة الكف والأصابع مضمومة، وملء كل كف حفنة؛ قاله الأزهري.
وقال الجوهري: "الحفنة" ملء الكف من طعام، و"حفنت الشيء" إذا جَرَفْتَهُ بِكِلْتَىْ يديك، ولا يكون إلا من الشيء اليابس كالدقيق ونحوه.
وهذا التخصيص غير معروف بدليل هذا الحديث؛ فإنه قال: "حفن على رأسه ثلاث حفنات"، و"الحفنات" جمع سلامة الحفنة وفاؤها في الواحد ساكنة، وفي الجمع مفتوحة، وهو قياس مطرد في الاسم الصحيح دون المعتل؛ والحفنة يجوز أن تكون اسمًا للمأخوذ بالكف، ويجوز أن تكون المرة الواحدة.
"والأذي": كناية عن النجاسة التي تعلق بالجسد.
ومعنى قوله "غسل عنه بشماله" أي غسل الأذي عن جسده بشماله.
"والغرفات": جمع غرفة؛ فإن كانت غينها وراؤها مفتوحتين فهي جمع غرفة مفتوحة الغين مثل: قصَعَة وقصَعَات، كما قلنا في حفنة وحفنات.
وإن كانت غينها مضمومة فهي جمع غُرفة مضمومة الغين.
وفيها ثلاث لغات: غُرُفات -بضم الغين والراء- وغُرْفات بضم الغين وسكون الراء، وغُرَفات بضم الغين وفتح الراء. والذي ذهب إليه الشافعي في كيفية غسل الجنابة: فيه ما هو واجب وسنة.
فأما الواجب: فهو النية، واستيعاب الجلد بالماء.
_________________
(١) وقع سقط في المخطوط وانظر تمام الحديث في المسند برقم (١٤١) ..
[ ١ / ٣١٩ ]
أما النية: فحكمها في الغسل حكم الوضوء.
وأما الاستيعاب:- فيجب إيصال الماء إلى جميع بشرة الإنسان، وإلى جميع شعره، ولا يجب المضمضة والاستنشاق في الجنابة.
وقال أبو حنيفة، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وابن أبي ليلى: هما واجبتان فيهما.
وقال داود (١) وأبو ثور: الاستنشاق واجب دون المضمضة.
وأما السنة: فالأكمل في الغسل هو أن يبتدئ فيسمى اللَّه تعالى، ثم يغسل يديه ثلاثًا قبل أن يدخلهما الإناء، ثم يصب الماء بيمينه على شماله؛ فيغسل ما على بدنه من أذى إن كان ثم يتمضمض ثلاثًا؛ ويستنشق ثلاثًا؛ ويتوضأ وضوء للصلاة.
وقيل: إنه يؤخر غسل رجليه إلى آخر الغسل، وبه قال أبو حنيفة (٢) ثم يدخل أصابعه العشر في الإناء؛ فيأخذ الماء بها فيُشْرب بها أصول شعره من رأسه ولحيته، ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات من الماء، ثم يفيض على سائر جسده؛ ويتعهد معاطف (٣) بدنه، ويبتدئ بميامنه ثم بمياسره، ثم يمر يديه على
_________________
(١) بالأصل [أبو داود] وهو تصحيف والصواب هو المثبت. وداود هو صاحب المذهب وانظر المسأله في المحلى (٢/ ٥٠).
(٢) وهو قول الجمهور قال الشوكاني في "نيل الأوطار" (١/ ٢٨٧): ذهب الجمهور إلى استحباب تأخير غسل الرجلين في الغسل. وعن مالك: إن كان المكان غير نظيف فالمستحب تأخيرهما وإلا فالتقديم، وعند الشافعية في الأفضل قولان: قال النووي: أصحهما وأشهرهما ومختارهما أن يكمل وضوء لأن أكثر الروايات عن عائشة وميمونة كذلك.
(٣) العِطْف: المنكب، قال الأزهري: منكب الرجل عطفه، وإبطه: عطفه والعُطوف: الآباط، وعِطْفا الرجل والدابة: جانباه عن يمين وشمال شقاه من لدن رأسه إلى وركه. اللسان مادة. عطف.
[ ١ / ٣٢٠ ]
جميع بدنه ليصل الماء إلى جميع شعره وبشره، ثم يتحول من موضعه فيغسل قدميه، ويستحب له التكرار ثلاثًا مثل الوضوء.
وحكي عن مالك، والمزني أنهما قالا: إمرار اليد إلى حيث يصل واجب.
وأما نقض الضفائر فسيرد بيانه في حديث أم سلمة.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر: "أن النبي - ﷺ - كان يغرف على رأسه ثلاثًا وهو جنب".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، والنسائي (٣).
فأما البخاري: فأخرجه عن محمد بن بشار قال: حدثني غندر، عن شعبة، عن مخول بن راشد، عن محمد بن علي، عن جابر قال:
"كان رسول اللَّه - ﷺ - يفرغ على رأسه ثلاثًا".
وفي أخرى: عن أبي نعيم، عن معمر بن يحيى، عن أبي جعفر قال: قال لي جابر: أتاني ابن عمك -يعرض بالحسن بن محمد ابن الحنفية- فقال: كيف الغسل من الجنابة؟ فقلت: "كان النبي - ﷺ - يأخذ ثلاث أكف ويفيضها على رأسه، ثم يفيض على سائر جسده". فقال لي الحسن: إنى رجل كثير الشعر، فقلت: كان النبي - ﷺ - أكثر منك شعرًا.
وأما مسلم: فأخرجه عن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب الثقفي، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر نحو رواية البخاري الثانية، وقال: كان شعر رسول اللَّه - ﷺ -[] (٤) فقالوا: إن أرضنا أرض باردة فكيف بالغسل؟
_________________
(١) البخاري (٢٥٥، ٢٥٦)
(٢) مسلم (٣٢٨ - ٣٢٩)
(٣) النسائي (١/ ٢٠٧).
(٤) الظاهر أنه وقع سقط في موضعين بالأصل. الأول: تمام الفقرة [كان شعر رسول اللَّه - ﷺ - أكثر من شعرك وأطيب]. الثاني: ثم انتقل المصنف إلى رواية أخرى من غير الطريق الأول وجاءت متقدمة قبل رواية الباب وفيها: [أن وقد ثقيف سألوا النبي - ﷺ - ].
[ ١ / ٣٢١ ]
فقال: "أما أنا فأفرغ على رأسي ثلاثًا".
وأما النسائي: فأخرجه عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد، عن شعبة، بإسناد البخاري الأول ولفظه.
وفي الباب: عن جبير بن مطعم.
إنما قال ثلاثًا ولم ويعين من أي شيء هي، لأنه قال: "كان يغرف على رأسه"، فعلم أن الثلاث هي عدد المرات من الغرف، ولذلك حذف منها التاء، لأنه الغرفات وهي مؤنثة.
وقوله: "كان النبي - ﷺ - أكثر منك شعرًا" أي أنه مع كثرته كان يكتفي بثلاث غرفات، فحذف ذلك لدلالة الكلام عليه.
وقد جاء في رواية "وأطيبهم بدنًا" أطيب هنا للمبالغة في الطهارة والنظافة، وأنه كان مع كثرته واكتفائه بالغرفات الثلاث وقلتها أنظف وأطهر؛ فعبر بالطيب عن ذلك.
وقوله في رواية مسلم الأخرى: "أما أنا فأفرغ على رأسي ثلاثًا" من أحسن الأجوبة وألطفها وأبلغها وأكفاها مع الزيادة التي فيها من تسهيل الأمر عليهم بالإقتداء به والاتباع لفعله، وإنه -مع كونه مشرعًا ومحتاطًا في أمور دينه أكثر من كل أحد من أمته- يكتفي بهذه الإفراغات الثلاث ولا يزيد عليها فما الظن بكم فأنتم المقتدون بي والسالكون طريقتي، والمهتدون بهديي.
قولهم بهذا الجواب أقل ما يجب عليهم في الغسل؛ وأن ذلك لا يضر مع برد البلاد لعلته حتى لا يظنوا لو قال لهم: يجب عليكم استيعاب الشعر والبشر غسلًا؛ أن الواجب عليهم الإكثار من الماء فكانوا يفعلونه فيتضرَّرون به لشدة البرد.
[ ١ / ٣٢٢ ]
وأخبرنا الشافعي: عن ابن عيينة، عن أيوب بن موسى، عن [سعيد] (١) بن أبي سعيد، عن عبد اللَّه بن رافع، عن أم سلمة قالت: سألت رسول اللَّه - ﷺ - فقلت: يا رسول اللَّه إني امرأة أشد ضفر رأسي؛ فأنقضه لغسل الجنابة؟ فقال: "لا إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث حثيات من ماء؛ ثم تفيضين (٢) عليك الماء فتطهرين أو قال "إذا أنت قد طَهُرْتِ".
هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم (٣)، وأبو داود (٤)، والترمذي (٥)، والنسائي (٦).
فأما مسلم: فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد وإسحاق بن إبراهيم، وابن أبي عمر، كلهم عن ابن عيينة. قال إسحاق: أخبرنا سفيان بالإسناد وذكر الحديث، إلا أنه قال: أفأنقضه [لغسل الجنابة] (٧).
وفي أخرى له: أفأنقضه للحيضة والجنابة؟ فقال: "لا" وفي أخرى: أفأحله فأغسله من الجنابة؟
وأما أبو داود: فأخرجه عن زهير بن حرب، وأحمد بن عمرو بن السرح، عن سفيان بالإسناد، عن أم سلمة: أن امرأة من المسلمين، وقال زهير: إنها قالت وذكره نحوه، وقال فيه: "ثم تفيضي [على سائر] (٨) جسدك فإذا أنت قد طهرت".
_________________
(١) بالأصل [سعد] وهو تصحيف، وسعيد هو المقبري. والتصويب من مصادر التخريج.
(٢) جاءت مكررة بالأصل.
(٣) مسلم (٣٣٠).
(٤) أبو داود (٢٥١، ٢٥٢).
(٥) الترمذي (١٠٥) وقال: حسن صحيح.
(٦) النسائي (١/ ١٣١)، وفي الكبرى (٢٤٣).
(٧) بالأصل [ولقل من ماء] وهي عبارة غريبة وأظنها وقعت سهوًا أو غفلة من الناسخ؛ والمثبت من رواية مسلم.
(٨) بالأصل [عائر] وهو تصحيف والمثبت من مطبوعة السنن.
[ ١ / ٣٢٣ ]
وفي أخرى: أن امرأة جاءت إلى أم سلمة قالت: فسألت لها رسول اللَّه - ﷺ - بمعناه قال فيه: "اغمزي فيه قرونك عند كل حفنة".
وأما الترمذي: فأخرجه عن محمد بن أبي عمر، عن سفيان بإسناد الشافعي ولفظه، إلا أنه قال: "فإذا أنت قد تطهَّرْت".
وأما النسائي: فأخرجه عن سليمان بن منصور، عن سفيان بالإسناد، قالت: قلت يا رسول اللَّه، إني امرأة شديدة ضفيرة (١) رأسي أفانقضها عند غسلها من الجنابة؟ قال: "إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء، ثم تفيضين على جسدك".
وفي الباب: عن عائشة.
"الشد": الإيثاق، شده إذا أوثقه، وهو من الشدة القوة، والمراد به هنا: تقوية فتل الضفيرة؛ وإدخال بعض خصلها في بعض.
"والضفر": مصدر ضفرت الشعر أضفره ضفرًا، وهو نسجه وإدخال بعضه في بعض "والضفيرة" الذؤابة المضفورة، والضفائر جمعها.
"والنقض": خلاف البناء، والمراد به في الحديث حل الضفيرة، وقد جاء في رواية الشافعي والترمذي: فأنقضها بإسقاط حرف الاستفهام (٢)، وباقي الروايات بإثباتها والمعنى فيهما سواء، إلا أن الأصل إثبات حرف الاستفهام؛ لأنه حرف من حروف المعاني التي جيء بها لأجل المعنى المطلوب، وأما من حذفه فإنما حذفه لكثرة الاستعمال ودلالة الحال عليه وفهم المخاطب لغرض [] (٣).
قال الشافعي: وليسوا يقولون لهذا -يريد بعض العراقيين وإنما أورده فيما خالفوا عبد اللَّه بخبر آخر وغيره، ولا يقبلون منا أمثال ذلك.
_________________
(١) هذا لفظ الكبرى، وفي المجتبى (.. أشد ضفر ).
(٢) وكذا رواية مسلم.
(٣) وقع سقط بالمخطوط.
[ ١ / ٣٢٤ ]