أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب: أن رسول اللَّه - ﷺ - نام عن الصبح فصلاها بعد ما طلعت الشمس ثم قال: "من نسى الصلاة فليصلها إذا ذكرها؛ فإن اللَّه يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (١).
هذا طرف من حديث طويل صحيح، أخرجه مالك في الموطأ (٢)، ومسلم (٣)، وأبو داود (٤)، والترمذي (٥)، والنسائي (٦).
فأما مالك: فأخرجه هكذا مُرْسَلًا، أن رسول اللَّه - ﷺ - حين قفل من خيبر أسرى؛ حتى إذا كان من آخر الليل عَرَّسَ؛ وقال لبلال: "اكلأ لنا الصبح" ونام رسول اللَّه - ﷺ - وأصحابه وكلأ بلال ما قدر له ثم استند إلى راحلته، وهو مقابل الفجر، فغلبته عيناه فنام فلم يَستيقظ رسول اللَّه - ﷺ - ولا بلال ولا أحد من الرَّكْبِ حتى ضربتهم الشمس ففزع رسول اللَّه - ﷺ - فقال بلال: يا رسول اللَّه، أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: "اقتادوا" فبعثوا رواحلهم، واقتادوا شيئًا، ثم أمر رسول اللَّه - ﷺ - بلالًا فأقام الصلاة؛ فصلى بهم رسول اللَّه - ﷺ - الصبح، ثم قال حين قضى الصلاة: "من نسى الصلاة فليصلها إذا ذكرها؛ فإن اللَّه ﵎ يقول في كتابه "وأقم الصلاة لذكري".
فأما مسلم: فأخرجه مسندًا إلى أبي هريرة، عن حرملة بن يحيى، عن ابن
_________________
(١) طه: [١٤].
(٢) الموطأ (١/ ٤٤ رقم ٢٥).
(٣) مسلم (٦٨٠).
(٤) أبو داود (٤٣٥).
(٥) الترمذي (٣١٦٣). وقال: هذا حديث غير محفوظ، رواه غير واحد من الحفاظ عن الزهري، عن سعيد بن المسيب أن النبي - ﷺ - ولم يذكروا فيه "عن أبي هريرة" وصالح بن أبي الأخضر يضعف في الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره من قِبَلِ حفظه.
(٦) النسائي (١/ ٢٩٥).
[ ١ / ٣٤٩ ]
وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، وذكر لفظ مالك بطوله، وزاد فيه: "ثم توضأ رسول اللَّه - ﷺ - وأمر بلالًا فأقام الصلاة".
وزاد في آخره، قال يونس: وكان ابن شهاب يقرأها "لذكري" (١).
وأما أبو داود: فأخرجه مسندًا أيضًا عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب، بإسناد مسلم ولفظه وزيادته.
وأما الترمذي: فأخرجه مسندًا مثل رواية مالك بطولها.
وأما النسائي: فأخرجه مسندًا عن [عبد الأعلى بن واصل بن] (٢) عبد الأعلى، عن يعلى، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، بالإسناد قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: "إذا نسيت الصلاة فصل إذا ذكرت؛ فإن اللَّه -﷿- يقول "وأقم الصلاة لذكري" قال يعلى: مختصرًا، يعني: من هذا الحديث بقوله.
وقد أخرج الشافعي الحديث بطوله، مثل رواية مالك من رواية المزني عنه (٣)، وأخرج قبله أيضًا من رواية المزني عنه؛ عن عمران بن حصين حديثًا بطوله في هذا المعنى.
ثم قال في كتاب حرملة: [وهذان] (٤) حديثان ثابتان.
وحديث ابن المسيب وإن كان مرسلًا؛ فقد أخرجه الجماعة مسندًا كما ذكرنا.
وأما حديث عمران بن حصين؛ فقد أخرج الشافعي منه طرفًا في تيمم
_________________
(١) وعند مسلم "للذكرى".
(٢) بالأصل [عبد الله بن واصل عن] وهو تصحيف، والتصويب من مطبوعة السنن، وتحفة الأشراف (١٠/ ٤٣).
(٣) السنن المأثورة رقم (٧٤، ٧٥).
(٤) بالأصل [هذا] وهو تصحيف، والجادة ما أثبتناه، وأيضًا جاء في المعرفة (٣/ ١٣٥) على الوجه.
[ ١ / ٣٥٠ ]
الجنب، وقد ذكرنا هذا الطرف في كتاب التيمم.
وأما متن الحديث بطوله فلم يرد في المسند، وإنما جاء في رواية المزني.
وفي الباب: عن أنس بن مالك، وأبي قتادة، وأبي هريرة، وعمرو بن أمية الضمري، وابن مسعود، وجبير بن مطعم، وابن عباس، وجابر، وزيد بن أسلم، ويزيد بن أبي مريم، وأبي سعيد، وابن عمر.
"الذِّكْرُ": مصدر ذكرت الشيء أذكره ذِكْرًا، إذا مَرَّ بخاطرك بعد أن كنت نسيته، أو إذا أجريته على لسانك، والذكرى مثله، تقول: ذكرته ذكرى غير مصروفة، وتقول: اجْعَلْني منك على ذِكْر، وذُكْر بالكسر والضم.
وقد اختلف المفسرون في معنى قوله ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ فالذي عليه أكثر المفسرين أن معناه: أقم الصلاة متى ذكرت أنك لم تصلها؛ وأنها قد فاتتك؛ سواء كان الوقت الذي ذكرتها فيه وقتها أو غير وقتها؛ وهذا التفسير مطابق للفظ هذا الحديث.
وقال جماعة من العلماء: معنى قوله "لذكري" أي لتذكرني فيها فإن ذكري أن أُعبد ويُصَلَّى لي، وقيل: لاشتمال الصلاة على الأذكار.
وقيل: لذكري خاصة لا يَشُوبُهُ ذكر غيري.
والأول الوجه، لأنه قال: فليصلها إذا ذكرها، ثم علل ذلك بقوله: يقول اللَّه تعالى ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (١).
و"القفول": الرجوع من السفر، وكذلك القفل، واشتق اسم القافلة من ذلك.
قال الأزهري (٢): سُمِّيَت القافلة وإن كانت مبتدئة السفر "قافلة"، تفاؤلًا بقفولها عن سفرها.
_________________
(١) طه: [١٤].
(٢) تهذيب اللغة (٩/ ١٦٠ - ١٦١).
[ ١ / ٣٥١ ]
وظن القتيبي أن عوام الناس يغلطون في تسميتهم المُنْشِيءَ سفرًا قافلة، وقال: لا تسمى قافلة إلا منصرفة إلى وطنها، وهو عندي غلط؛ لأن العرب لم تزل تسمي المنشئة للسفر قافلة على سبيل التفاؤل، وهو شائع في كلام فصحائهم إلى اليوم.
و"الإسراء": مسير الليل خاصة؛ يقال سَرَى وأَسْرَى لغتان. و"التعريس": نزول المسافر آخر الليل نزلة خفيفة للنوم والراحة.
و"الكلأة": الحفظ، تقول: كلأته أكلأه كلأة، إذا حفظته وحرسته، والمراد: أنه أمره أن يحفظ لهم الصبح، لئلا تطلع الشمس فتفوتهم الصلاة.
و"استند": استفعل من "الاستناد"؛ وهو الاتكاء على الشيء والاعتماد عليه.
و"الراحلة": البعير القوي المعد للأسفار والأحمال؛ ويقع على الذكر والأنثى.
و"فزع" النائم من نومه؛ إذا انتبه، يقال: أفزعته ففزع أي أنبهته فانتبه.
وقوله: "أخذ بنفسي" يجوز أن تكون الفاء ساكنة ويريد بها الروح، ويجوز أن تكون مفتوحة من التنفس؛ وأَخْذُ اللَّه -﷿- إياها كناية عن النوم.
ويعضد الأول قوله تعالى ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ (١) ولأن نَفَسَ النائم غير مأخوذ ولا مسلوب عنه لأنه ينام، متصل لا ينقطع على حالته في اليقظة ولو أمسك نفسه لمات.
والذي روي عن النبي - ﷺ - أنه نام عن الصلاة ثلاث مرات:
الأولى: كان رسول اللَّه - ﷺ - أولهم استيقاظًا.
والثانية: استيقظ قبله أبو بكر وعمر، وكبر عمر حتى استيقظ رسول اللَّه - ﷺ -.
_________________
(١) الزمر: [٤٢].
[ ١ / ٣٥٢ ]
والثالثة: لم يحضرها أبو بكر ولا عمر؛ وإنما كان في ركب ثمانية أو نحوها.
و"اقتادوا": أَمْرٌ بِقَوْدِ الإبل، وهو جذبها لتسير.
و"بعثوا الرواحل": إذا ثوروها من مباركها وساقوها.
وإنما أمرهم بقود الإبل ومسيرهم عن مكانهم وصلاتهم في غيره، لترتفع الشمس قليلًا عن الأفق؛ ويذهب وقت الكراهة.
وقيل: إنما أمرهم بالمسير عن ذلك المكان بعدًا منه؛ حيث أصابتهم فيه الغفلة والنسيان.
وقد جاء هذا المعنى مرويًّا عن أبي داود، عن موسى بن إسماعيل، عن أبان، عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، وذكر القصّة قال: وقال رسول اللَّه - ﷺ -: "تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة".
وقيل: لانتظار أمر اللَّه -﷿- كيف يكون العمل في ذلك.
وقيل: ليعم الانتباه والنشاط إذا رحلوا جميعهم.
والذي ذهب إليه الشافعي في قضاء الصلاة الفائتة سواء فاتت تعمدًا، أو سهوا، أو عن نوم أو غير ذلك: أنه يصلِّيها إذا ذكرها أي وقت كان؛ إلا إن كان يخاف فوات فريضة حاضرة مثل أن يكون قد ذكرها في آخر وقت الصلاة الحاضرة؛ فلو قدمها وبدأ بها فاتته الحاضرة؛ فحينئذ يقدم الحاضرة على الفائتة.
وذكر ذلك عن علي -﵁- وعن غير واحد من الصحابة، وبه قال أبو العالية، والنخعي، والشعبي، والحكم، وحماد، ومالك، والأوزاعي، وأحمد، وأبو ثور وقال غيرهم: إذا ذكرها في الأوقات المكروهة المنهي عن الصلاة فيها لا يصليها؛ وسيجيء بيان ذلك في الفصل الثالث.
[ ١ / ٣٥٣ ]
قال [الشافعي] (١) في استدلاله بحديث عمران بن حصين؛ وابن المسيب على أن وقتها لا يضيق لتأخيره الصلاة بعد الاستيقاظ، ولا يجب التتابع في قضائين (٢).
[قال الشافعي] (٣) من قبل أن تأخير [الظهر] (٤) لغير صلاة ليس بأكثر من تأخيرها لصلاة.
قال [وحديث] (٥) ابن المسيب من أوضحها معنى، وذلك أن فيه: "لم يستيقظوا حتى ضربتهم الشمس"، وضرب الشمس لهم أن يكون لها حر، وذلك بعد أن يتعالى النهار.
وقد أخرج الشافعي: عن عبد الوهاب بن عبد المجيد، عن يونس، عن الحسن، عن عمران بن حصين قال: كنا مع رسول اللَّه - ﷺ - في مسير له فنمنا عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس؛ فأمر المؤذن فأذن ثم صلينا ركعتي الفجر، حتى إذا أمكنتنا الصلاة صلينا" قال الشافعي: يعني -واللَّه أعلم- إذا اتسع لنا الموضع وأمكنتنا جميع (٦) الصلاة ولا ضيق علينا، وإذا تتامَّ أصحابه الذين تفرقوا في حوائجهم.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن نافع بن جبير (٧)، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - قال: كان رسول اللَّه - ﷺ - في سفر فَعَرَّسَ فقال: "ألا رجل صالح يكلؤنا الليلة لا نرقد عن الصلاة" فقال بلال: أنا يا رسول اللَّه. قال: فاستند بلال إلى راحلته، واستقبل الفجر فلم يفزعوا إلا بِحَرِّ
_________________
(١) بالأصل [الشعبي] وهو تصحيف وانظر المعرفة (٣/ ١٣٧) والمصنف كثير النقل منه.
(٢) في المعرفة (٣/ ١٣٧): [قضائهن].
(٣) (٤) سقط من الأصل والمثبت من المعرفة [٣/ ١٣٧].
(٤) بالأصل [حيث] وهو تصحيف والمثبت هو الجادة، كذا جاء في المعرفة (٣/ ١٣٧).
(٥) في المعرفة (٣/ ١٣٤) بلفظ [فأمكننا جمع].
(٦) في الأصل [عن ابن جبير] وهو تحريف.
[ ١ / ٣٥٤ ]
الشمس في وجوههم، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: "يا بلال" فقال: يا رسول اللَّه، أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، قال: فتوضأ رسول اللَّه - ﷺ - ثم صلى ركعتي الفجر، ثم اقتادوا شيئًا، ثم صلى الفجر".
هذا الحديث أخرجه النسائي (١): عن أبي عاصم، عن يحيى بن حسان، عن حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن نافع بن جبير، عن أبيه: أن رسول اللَّه - ﷺ - قال في سفر له: "من يكلؤنا الليلة؛ لا نرقد عن الصلاة من صلاة الصبح" قال بلال: أنا، فاستقبل مطلع الشمس الفجر فضرب على آذانهم؛ حتى أيقظهم حر الشمس؛ فقالوا: توضئوا، ثم أذن بلال فصلى ركعتين فصلوا ركعتي الفجر، ثم صلوا الفجر".
قوله: "لا نرقد عن صلاة الصبح" زيد لئلا نرقد أي لئلا يستمر نومنا حتى يقربنا الصبح.
وباقي ألفاظ الحديث قد تقدم شرحها في الحديث قبله.
وفي هذا الحديث زيادة: أنه صلى ركعتي الفجر في مكانه، وصلى الفريضة في مكان آخر لما قلناه في الحديث قبله، وفرقًا بين أداء الفريضة وأداء النافلة.
وقوله ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ كناية عن النوم، وحقيقته كأنها ضرب عليها حجاب من أن تسمع، يريد أنهم ناموا نومة ثقيلة؛ لا ينبههم فيها الصوت كما يجيء المثقل في نومه يصاح به فلا يسمع ولا يستنبه، فحذف المفعول الذي هو الحجاب، وبني الفعل لما لم يسم فاعله، وقد حذف المفعول مع إبقاء الفعل المسمى فاعله؛ وذلك قوله تعالى ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ في الْكَهْفِ﴾ (٢) وفي رواية النسائي أنه أذن، والأذان فيه خلاف وسنذكره في الحديث الثاني لهذا الحديث.
أخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري،
_________________
(١) النسائي (١/ ٢٩٨).
(٢) الكهف: [١١].
[ ١ / ٣٥٥ ]
عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبي سعيد قال: "حُبِسْنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بُعَيْدَ المغرب هَوِيًّا" (١) من الليل حتى كُفِينا، وذلك قول اللَّه تعالى ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ (٢) فدعا رسول اللَّه بلالًا فأمره فأقام الظهر.
فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها؛ ثم أقام العصر فصلاها كذلك، ثم أقام المغرب فصلاها كذلك، ثم أقام العشاء فصلاها كذلك قال: وذلك قبل أن ينزل في صلاة الخوف ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٣).
هذا الحديث أخرجه النسائي (٤): عن عمرو بن علي، عن يحيى [عن] (٥) ابن أبي ذئب، بالإسناد قال: "شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة [الظهر] (٦)؛ حتى غربت الشمس وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل، فأنزل اللَّه -﷿- ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ فأمر رسول اللَّه - ﷺ - بلالًا؛ فأقام لصلاة الظهر فصلاها كما كان يصليها لوقتها ثم أقام العصر فصلاها كما كان يصليها لوقتها".
وفي الباب: عن علي، وابن مسعود.
"الحبس": المنع والصد، ومنه الحبس -السجن- لأنه يمنع الإنسان من التصرف في نفسه، وتقول: حبسته أحبسه حبسًا.
"ويوم الخندق": يريد به غزوة الأحزاب، لما جاء المشركون: أهل مكة وغيرهم إلى المدينة لقتال النبي - ﷺ - في سنة أربع من الهجرة في شوال؛ قاله البخاري عن موسى بن عقبة (٧)؛ وأمر النبي (- ﷺ -) بحفر الخندق، فشغله
_________________
(١) في المطبوعة من المسند بترتيب السندي [ بعد المغرب بهوىِّ].
(٢) الأحزاب: [٢٥].
(٣) البقرة: [٢٣٩].
(٤) النسائي (٢/ ١٧)، وفي الكبرى (١٦٢٥).
(٥) من النسائي.
(٦) بالأصل [العصر] والمثبت هو لفظ النسائي في المجتبى والكبرى، وهو الأقرب للسياق.
(٧) وذهب أكثر أهل السير والتواريخ إلى أن الخندق كانت في العام الخامس من الهجرة النبوية. قال ابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ٩٥): =
[ ١ / ٣٥٦ ]
المشركون عن الصلاة يومئذ حتى غربت الشمس.
و"بعيد": تصغير بعد، وهذا تصغير تقريب؛ أي أن الزمان الذي كان قد عبر المغرب؛ كان قريبًا ولم يكن بعيدًا؛ والتصغير ينقسم إلى أقسام:-
تصغير هو تصغير على الحقيقة، وذلك يختص بالأجسام نحو: جَبَل وجُبَيْل.
وتصغير تحقير: ويختص بالأقدار والأنفس، نحو: مَلِك ومليك.
وتصغير تقريب: مثل ما ذكرناه ويختص بالظروف من المكان والزمان.
وتصغير تقليل: ويختص بالأعداد نحو: مال ومويل.
وتصغير تعظيم: كقوله - ﷺ - "كنيف مُلِئ علمًا" في حق عبد اللَّه بن مسعود (١).
"الهوي": بفتح الهاء وكسر الواو وتشديد الياء -الطائفة من الليل.
وقوله: "حتى كفينا" أي اندفع المشركون عنا؛ وكفانا اللَّه شرهم وهو قوله
_________________
(١) = كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة، نص على ذلك ابن إسحاق، وعروة بن الزبير، وقتادة، والبيهقي وغير واحد من العلماء سلفًا وخلفًا، وقد روى موسى بن عقبة عن الزهري أنه قال: ثم كانت وقعة الأحزاب في شوال سنة أربع، وكذلك قال الإِمام مالك بن أنس فيما رواه أحمد بن حنبل، عن موسى بن داود عنه. قال البيهقي: لا اختلاف بينهم في الحقيقة لأن مرادهم أن ذلك بعد مضي أربع سنين وقيل استكمال خمس، ولا شك أن المشركين لما انصرفوا عن أحد، وَاعَدُوا المسلمين إلى بدر العام القابل، فذهب النبي - ﷺ - وأصحابه كما تقدم في شعبان سنة أربع، ورجع أبو سفيان بقريش لجدب ذلك العام، فلم يكونوا ليأتوا إلى المدينة بعد شهرين، فتعين أن الخندق في شوال من سنة خمس.
(٢) وهم المصنف -﵀- في رفع الحديث إلى النبي - ﷺ - إنما هو من قول عمر ﵁. وقد أخرج هذا الأثر أبو نعيم في الحلية (١/ ١٢٩)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ١١٥). عن زيد بن وهب قال: كنت جالسًا في القوم عند عمر إذ جاء رجل نحيف قليل، فجعل عمر ينظر إليه ويتهلل وجهه ثم قال .. فذكره ثلاثًا، واللفظ لابن سعد.
[ ١ / ٣٥٧ ]
تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ (١).
"ورجالًا": جمع راجل كقائم وقيام.
"والركبان": الجماعة على الإبل، ولا يقال راكب إلا لمن يكون على بعير، هذا هو الأصل، ثم اتسع فيه لكثرة الاستعمال؛ فأطلق على راكب الفرس والبغل والحمار مجازًا واتساعًا.
وفي رواية "كما كان يصليها في وقتها" وفي الأخرى "يصليها لوقتها" وهما بمعنى واحد.
اللام تقع موقع في، لأن حروف الجر يقع بعضها موقع بعض، إلا أن اللام هي التي في قولك: جئت لخمس بقين ولعشر خلون، كأنه خص مجيئه بهذا الوقت، وخص صلاته بهذا الوقت، واللام للتخصيص.
وأما "في" فإنه ظرف صريح لصلاته.
والمراد بقوله "وذلك قبل أن ينزل في صلاة الخوف ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٢) أنه لم يكن قد شرع لهم صلاة الخوف، فلهذا لما شغلهم المشركون عن الصلاة، أخروها عن وقتها، ولو كان قد نزل الأمر [في صلاة] (٣) الخوف؛ لصلوها في وقتها ولم يؤخروها.
والذي ذهب إليه الشافعي: أنه إذا فاتته صلاة حتى دخل وقت الأخرى؛ فإن كان وقت الحاضرة يسع الصلاتين؛ بدأ بالفائتة ثم صلى الحاضرة؛ فإن خالف وبدأ بالحاضرة جاز؛ وإن كان وقت الحاضرة يضيق عنهما؛ بدأ بالحاضرة ثم بالفائتة؛ فإن ذكر الفائتة وهو في الحاضرة تَّممَ الحاضرة وصلَّى الفائتة وإن اجتمع عليه فوائت فلا ترتيب عليه فيها.
_________________
(١) الأحزاب: [٢٥].
(٢) البقرة: [٢٣٩].
(٣) بالأصل [فصلاة] وهو تصحيف والصواب ما أثبتناه.
[ ١ / ٣٥٨ ]
وبه قال الحسن البصري، وطاوس، وشريح، وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة ومالك: إن ذكر الفائتة وهو في الحاضرة، بطلت الحاضرة ويجب عليه أن يقضي ما فاته، ثم يصلي الحاضرة فإن اجتمع عليه فوائت؛ فإن الترتيب واجب عليه؛ ما لم تبلغ ست صلوات فصاعدًا.
وقال أحمد وإسحاق: يتم التي هو فيها ثم يصلي الفائتة ثم يعيد التي صلاها.
وقال أحمد: إذا اجتمع عليه فوائت، وجب عليه فيها الترتيب إلا أن يخاف ضيق الوقت.
وأما الأذان والإقامة للفوائت، فللشافعي فيه ثلاثة أقوال في الأم.
والبويطي: لا يستحب لها أذان ويقيم لكل صلاة، وبه قال مالك، والأوزاعي، وإسحاق.
وقال في القديم: يؤذن للأولى ولا يؤذن للتي بعدها.
وبه قال أحمد، وأبو ثور، واختاره ابن المنذر.
وقال في الإملاء: إن رجي اجتماع الناس أذن، وهذا إنما يكون في الأولى من الفوائت.
وقال أبو حنيفة: يؤذن لكل فائتة ويقيم.
والذي اعتمد عليه الشافعي في الأم، وهو حديث ابن عمر، وأبي سعيد، في ترك الأذان عند الجمع بين الصلاتين، وفي وقت الثانية منها وفي الفائتة.
[ ١ / ٣٥٩ ]
وأما ما قاله في الإملاء فهذا لفظه قال: إذا جمع المسافر في المنزل ينتظر أن يثوب الناس، أذن للأولى من الصلاتين فأقام وأقام للأخرى ولم يؤذن، وإذا جمع في موضع لا ينتظر فيه أن يثوب إليه الناس، أقام لهما جميعًا ولم يؤذن.
وخرج الأحاديث في عرفة ومزدلفة والخندق على اختلاف هاتين الحالتن.
***
[ ١ / ٣٦٠ ]