في ترك ذكر اللَّه تعالى
أخبرنا الشافعي، أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: أخبرني أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن، عن نافع، عن ابن عمر: أن رجلًا مَرَّ على النبي - ﷺ - -وهو يبول- فسلم عليه الرجل فرد ﵇، فلما جاوزه ناداه النبي - ﷺ - فقال: "إنما حملني على الرد عليك؛ خشية أن تذهب فتقول: إني سلمت على رسول اللَّه - ﷺ - فلم يرد عليَّ السلام، فإذا رأيتني على هذه الحال فلا تسلم عليَّ، فإنك إن تفعل لا أَرُدُّ عليك".
هكذا جاء في الحديث؛ في هذه الرواية، والصحيح أنه سلم عليه فلم يرد عليه، ويحتمل أن يكون المراد به: فلم يرد عليه حتى تَيَمَّمَ ثم رد عليه.
وقد ذكره الشافعي في حديث ابن الصمة (١)، وسيرد في كتاب التيمم، وقد ذكره أيضًا في حديث آخر مرسل، عن سليمان بن يسار، وقال فيه: "فلم يرد عليه حتى وضع يده على جدار ثم ردَّ ﵇".
أخرجه الشافعي قال: أنبأ إبراهيم، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار أن النبي - ﷺ - ذهب إلى بئر جمل ثم أقبل فسلم عليه؛ فلم يرد عليه، الحديث.
فيكون المراد بحديث ابن عمر -واللَّه أعلم- أنه رد عليه بعد ما تيمم.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٣٧) عن أبي جهيم بن الحارث بن الصمَّة قال: "أقبل النبي - ﷺ - من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلَّم عليه فلم يرد عليه النبي - ﷺ - حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم رد ﵇". وهو ظاهر في الدلالة على أنه - ﷺ - لم يرد عليه أثناء البول. هذا بالإضافة إلى أن راوي هذا الحديث هو إبراهيم بن محمد وهو مهجور الرواية.
[ ١ / ١٨٢ ]
"البول": مَعروف، يقال: بال يبول بولًا، والاسم البيلة، كالجلسة والركبة، والمراد به إراقة الماء من الذكر في هذا الحديث.
"والسلام": مصدر سلم يسلم تسليمًا وسلامًا، وقيل: هو اسم المصدر، وهو مشتق من السلامة ضد العطب، وهو أيضًا اسم من أسماء اللَّه تعالى.
"والمجاوزة": العبور على الشيء وتركه وراءك، تقول: جزت الموضع أجوزه جوازًا، وجاوزته أجاوزه مجاوزة إذا سرت فيه وقطعته ثم خلفته.
"والمناداة": مفاعلة من النداء.
"ورد السلام": هو أن تقول: وعليك السلام، ونحو ذلك من ألفاظ الرد المعروفة شرعًا وعُرْفًا، والرد: إعادة الشيء أو مثله.
"والخشية": الخوف، تقول: خشي الشيء يخشى خَشْيَةً أي خاف، وهو منصوب لأنه مفعول له.
"ولم": حرف جزم لنفى قولك "فعل" فيقول "لم يفعل"، و"يَرُدّ" هو الفعل المجزوم بـ "لم".
ولك فيما كان من هذا النوع ثلاثة مذاهب:- إن شئت فتحت الدال، وإن شئت كسرتها، وإن شئت ضَمَمْتَهَا.
فمن فتح طلب أخف الحركات، ومن كسر فعلى أصل التقاء الساكنين، ومن ضمَّ أتْبَع الحركةَ الحركةَ.
والأصل فيه "لم يردد" فلما شُدِّدَتِ الدَّالُ؛ حصل فيه هذه المذاهب الثلاثة.
"والحال": الهيئة، يذكر ويؤنث، والأكثر التأنيث، وقد يضاف إليها فتقول: [الحالة] (١).
_________________
(١) بالأصل [الهيئة] والظاهر أنها محرفة والمثبت هو الموافق للسياق.
[ ١ / ١٨٣ ]
والذي ذهب إليه الشافعي والعلماء غيره: كراهية رد السلام في حالة البول والغائط، لأن السلام اسم من أسماء اللَّه تعالى، وذكرُ اللَّه -﷿- عند قضاء الحاجة مكروه بالإجماع، مندوب إلى تركه لأجل أن لا يذكر اسم اللَّه على غير وضوء.
وهذا من باب الاستحباب لا الوجوب - واللَّه أعلم.
***
[ ١ / ١٨٤ ]