في القلتين
أخبرنا الشافعي، قال أخبرنا الثقة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد ابن جعفر، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه، أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: "إذا كان الماء قُلَّتَيْنِ لم يحمل نَجسًا أو خَبَثًا".
أخرجه في كتاب اختلاف الحديث (١).
الثقة في هذا الحديث هو: أبو أسامة حماد بن أسامة القرشي الكوفي، فإن الحديث مشهور به، وهو حديث صحيح (٢).
_________________
(١) اختلاف الحديث ص ٤٩٩ وأيضًا في الأم (١/ ٤).
(٢) اختلفوا في صحة هذا الحديث فأعله الكثير بالاضطراب في سنده ومتنه، ورجح آخرون وقفه وصححه البعض. قال الحافظ في التلخيص (١/ ١٧ - ١٩): قال ابن منده: إسناده على شرط مسلم ومداره على الوليد بن كثير، فقيل: عنه عن محمد بن جعفر بن الزبير، وقيل: عنه عن محمد بن عباد بن جعفر، وتارة عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، وتارة عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، والجواب: أن هذا ليس اضطرابًا قادحًا فإنه على تقدير أن يكون الجميع محفوظًا انتقال من ثقة إلى ثقة. قال ابن عبد البر في التمهيد: ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين مذهب ضعيف من جهة النظر، غير ثابت من جهة الأثر. لأنه حديث تكلم فيه جماعة من أهل العلم، ولأن القلتين لم يوقف على حقيقة مبلغهما في أثر ثابت ولا إجماع، وقال في الاستذكار: حديث معلول، ردّه إسماعيل القاض، وتكلم فيه؛ وقال الطحاوي: إنما لم نَقُلْ به لأن مقدار القلتين لم يثبت. وقال ابن دقيق العيد: هذا الحديث قد صححه بعضهم، وهو صحيح على طريقة الفقهاء، لأنه وإن كان مضطرب الإسناد، مختلفًا في بعض ألفاظه فإنه يجاب عنها بجواب صحيح، بأنه يمكن الجمع بين الروايات ولكني تركته لأنه لم يثبت بطريق استقلالي يجب الرجوع إليه شرعًا في تعيين مقدار القلتين. وراجع في ذلك أيضًا نصب الراية (١/ ١٠٤) وما بعده، فقد أطال النفس جدًّا في بيان طرقه. وأيضًا عون المعبود (١/ ١١٢). =
[ ١ / ٧٨ ]
قد أخرجه أبو داود (١)، والترمذي (٢)، والنسائي (٣).
فأما أبو داود فأخرجه بن محمد بن العلاء، وعثمان بن أبي شيبة، والحسن ابن علي، وغيرهم، قالوا: حدثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد ابن جعفر بن الزبير، عن عبيد اللَّه (٤) بن عبد اللَّه بن [عمر] (٥) عن أبيه قال: سئل النبي - ﷺ - عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الحبث".
قال أبو داود هذا لفظ ابن العلاء، وقال: عثمان، والحسن عن محمد بن عباد بن جعفر، وأخرجه أيضًا عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن أسامة، وعن أبي كامل، عن يزيد بن زريع، عن محمد بن إسحق، عن محمد بن جعفر، قال: أبو كامل وابن الزبير عن عبد اللَّه (٦) بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه "أن رسول اللَّه - ﷺ - سئل عن الماء يكون في الفلاة" فذكر معناه؛ وله في أخرى عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن أسامة، عن عاصم بن المنذر، عن عبد اللَّه (٦) بن عبد اللَّه بن عمر، قال: حدثني أبي أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: "إذا كان الماء قلتين فإنه لا يَنْجُسُ" (٧).
_________________
(١) = تنبيه: ذكر المصنف أن الثقة هنا هو أبو أسامة وهذا صحيح لكن هناك آخر رواه عنه الشافعي قال الزيلعي في نصب الراية (١/ ١٠٥). ذكر ابن منده أن أبا ثور رواه عن الشافعي، عن عبد اللَّه بن الحارث المخزومي عن الوليد بن كثير. فدل روايته على أن الشافعي سمع هذا الحديث من عبد اللَّه بن الحارث وهو من الحجازيين، ومن أبي أسامة وهو كوفي جميعًا عن الوليد بن كثير.
(٢) أبو داو (٦٣، ٦٤، ٦٥).
(٣) الترمذي (٦٧).
(٤) النسائي (١/ ٤٦).
(٥) كذا بالأصل عن (عبيد اللَّه) وفي تحفة الأشراف (٥/ ٤٧١). عن (عبد اللَّه بن عبد اللَّه) مكبر الاسم، وكذا جاء في المطبوع من السنن وعون المعبود.
(٦) ما بين المعقوفتين في الأصل [عمرو] وهو تصحيف.
(٧) كذا بالأصل [عبد اللَّه] وهو غريب، فقد جاء في نسخة أبي داود بذكر (عبيد اللَّه) وراجع تحفة الأشراف (٦/ ٣)، وعون المعبود (٦٤، ٦٥).
(٨) قال أبو داود -عقبه: حماد بن زيد وقفه عن عاصم.
[ ١ / ٧٩ ]
وأما الترمذي فأخرجه عن هناد بن السَّريّ، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد اللَّه (١) بن عبد اللَّه، عن أبيه، قال: "سمعت رسول اللَّه - ﷺ - وهو يُسْأَلُ عن الماء يكون في الفلاة من الأرض، تنوبه السباع والدواب" وذكر الحديث (٢).
وأما النسائي فأخرجه عن هناد، والحسين بن حريث، عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر، عن عبد اللَّه، وذكر مثل رواية أبي داود الأولى.
وهذا الحديث لم يخرجه البخاري، ومسلم، للاختلاف الذي فيه على الوليد ابن كثير، وعلى أبي أسامة.
فإن الوليد، رواه عنه جماعة عن محمد بن عباد بن جعفر، ورواه آخرون عن محمد بن جعفر بن الزبير.
وأما أبو أسامة، فرواه عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر مرة، وعن عبد اللَّه بن عبد اللَّه أخرى، وغير أبي أسامة فيرويه عن عبيد اللَّه، فلهذا الاختلاف تركاه، لأنه على خلاف شرطهما، لا لِطَعْنٍ في مَتْنِ الحديث، فإنه في نفسه حديث مشهور، معمول به، ورجاله ثقات مُعَدَّلُونَ، وليس هذا الاختلاف مما يوهنه، لأنه يكون قد رواه عبد اللَّه، وعبيد اللَّه، أبناء عبد اللَّه بن عمر معًا، ورواه
_________________
(١) كذا بالأصل وهو خطأ والصحيح (عبيد اللَّه) كذا جاء في التحفة (٦/ ٣) والمصادر الأخرى.
(٢) قال الترمذي -عقبه: قال عبدة: قال محمد بن إسحاق: القلة هي الجرار، والقُلة التي يُسْتقى فيها؛ ثم قال: وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء، ما لم يتغير ريحه أو طعمه. وقالوا: يكون نحوًا من خَمْسِ قِرَبٍ. وفي تعليق الشيخ أحمد شاكر -﵀- قال: لم يتكلم الترمذي على هذا الحديث، وإنما ذكر أقوال العلماء الذنى يأخذون به، وهذا يشير إلى صحته عندهم وعنده وهو حديث صحيح، أطال العلماء القول في تعليله، لاختلاف طرقه ورواته، وليس الاختلاف فيه مما يؤثر في صحته.
[ ١ / ٨٠ ]
محمد بن جعفر بن الزبير، ومحمد بن عباد بن جعفر معًا.
وقد رواه جماعة من طرق عدة، عن عبد اللَّه، وعبيد اللَّه، وعن ابن جعفر، وابن عباد، وكان الحاكم أبو عبد اللَّه النيسابوري - ﵀- يقول: الحديث محفوظ عنهما، وكلاهما رواه عن أبيه -يعني عبد اللَّه وعبيد اللَّه- وإليه ذهب كثير من أهل الرواية (١).
وكان إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول: غلط أبو أسامة في عبد اللَّه، إنما هو [عبيد اللَّه] (٢).
وقد أخرج الشافعي في القديم (٣) قال: أخبرنا الثقة من أصحابنا، عن حماد ابن سلمة، عن عاصم بن المنذر، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - قال:
"إذا كان الماء قلتين أوثلاثًا لم يَحْمِلْ نَجَسًا".
وكذلك رواه وكيع بن الجراح، عن حماد.
ويشبه أن يكون الشافعي عنه أخذه، أو عن بعض أصحابه عنه.
وقوله: "أو ثلاث" شك وقع لبعض الرواة، فقد تعاضدت الروايات عن حماد بن سلمة بهذا الإسناد، وقالوا فيه:
"إذا كان الماء قلتين" ولم يقولوا: "ثلاثًا".
_________________
(١) انظر المستدرك (١/ ١٣٢ - ١٣٣).
(٢) ما بين المعقوفتين في الأصل (عبد اللَّه) وهو تصحيف والصواب ما أثبتناه. وقد نقل البيهقي في المعرفة (١٨٦٥) هذا القول عن إسحاق بن إبراهيم، وكذا ذكره الزيلعي في نصب الراية (١/ ١٠٧).
(٣) وأخرجه البيهقي في المعرفة (١٨٧٦) قال: أخبرناه أبو عبد اللَّه الحافظ قال: أخبرنا أبو الوليد، قال: حدثنا الحسن بن سفيان قال: حدثنا هُدْبة وإبراهيم بن الحجاج قال: حدثنا حماد بن سلمة فذكره بإسناده.
[ ١ / ٨١ ]
وقد تقدمت رواية عاصم بن المنذر، فيما ذكرناه من طريق أبي داود وفيها "قلتان".
وكذلك قد أخرجه الشافعي أيضًا في القديم، عن رجل، عن أبي بكر بن عمر بن عبد الرحمن، عن أبي بكر بن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه، إلا أنه شك في إسناده، والرجل الذي رواه عنه، هو إبراهيم بن محمد، وكل ذلك يؤكد قول إسحاق الحنظلي، واللَّه أعلم.
"القُلَّة" في العربية عبارة عن إناء للعرب كالجَرِّةِ الكبيرة، وتجمع على قِلاَل، وقُلَل.
قال أبو عبيد: القلال هذه الحيَابُ العظام، واحدتها قُلَّة، وهي معروفة بالحجاز.
واشتقاقها مما يقله الإنسان أي يحمله، فكأنه "فُعْلَة" من أَقَلَّ الشيء يُقِلُّهُ، إذا حمله ورفعه.
وقد اختلف العلماء في مقدار ما تَسَعُ القلة من الماء، قال ابن جريج: رأيت قلال هَجَر، فإذا القلة تَسَعُ قربتن وشيئًا.
قال الشافعي: أرى أن يكون الشيء المضاف إلى القربتين نصفًا.
وقال الشافعي: وَقِرَبُ الحجاز قديمًا، وحديثًا، كبار [لحجز] (١) الماء بها، تسع القربة منها مائة رطل بالعراقي، فإذا كان الماء خمس قرب كبار لم يحمل خبثًا، وذلك قلتان بقلال هجر، فيكون مقدار القلتن على هذا التقدير خمس مائة رطل.
وحُكِيَ عن أحمد بن حنبل قولان؛ أحدهما: أن القلتين أربع قرب.
والثاني: أنها خمس قرب ولم يعين بأي قربة.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين لم تظهر في الأصل بوضوح، والمثبت من المعرفة للبيهقي (١/ ٩٠) وهو الموافق لرسم الأصل.
[ ١ / ٨٢ ]
وقال إسحاق بن راهويه: أما الذي يعتمد عليه إذا كان الماء قلتين، فنحو ست قِرَبٍ؛ لأن القلة نحو الخابية.
وقال أبو ثور: القلتان خمس قرب، ليس بأكبر القرب ولا بأصغرها.
وأما أبو عبيد: فلم يجعل لها حدًّا.
وقال عبد الرحمن بن مهدي، ووكيع، ويحيى بن آدم: القُلَّة: الجَرَّة ولم يحدوها بشيء معلوم.
والذي يقتضيه الوضع اللغوي، ما قدمناه، وهو أن تكون محمولة على أصل اشتقاقها وهو: ما يُقِلُّةُ الإنسان أي يحمله ويطيقه، والذي جرت العادة أن يحمله الإنسان غالبًا وفي الأكثر: مائتا رطلٍ، وأكثره مائتان وخمسون رطلًا، وهو ما حَدَّه الشافعي.
وقد اختلف أصحابه، هل هو تحديد أو تقريب؟.
فذهب بعضهم إلى أنه تقريب، فلو نقص منها شيء يسير لم ينجس الماء.
وقال بعضهم: بل هو تحديد، فلو نقص الماء نجس.
"وهَجَرُ" التي تنسب إليها القلال، موضع قريب من مدينة الرسول - ﷺ - وليس هجر قصبة البحرين، وإنما نسبت القلال إلى هذا الموضع وإن كان عملها بالمدينة لأن ابتداء عملها كان بِهجر، ثم نُقِلَ إلى المدينة.
والظاهر من لفظ الحديث، أن المراد بالقلة، نحو ما ذهب إليه الشافعي من التحديد، لأنهم إنما سألوا النبي - ﷺ - عن الماء الذي يكون بالفلاة من الأرض، في المصانع، والوهاد والغدران، ونحوها، ومثل هذه المياه لا تُحَدُّ بالكوز والكوزين في جاري العرف، والعادة، وأن الكوز يسمى أيضًا قلة، وليس مُرادًا في هذا الحديث.
[ ١ / ٨٣ ]
قال الخطابي -أبو سليمان ﵀-: وقلال هجر مشهورة الصنيعة، معلومة المقدار، لا تختلف المكائل، وهي أكبر ما يكون من القلال وأشهرها، والحد لا يقع بشيء مجهول المقدار، ولو لم تكن عندهم معلومة لما حَدَّها بها، ولذلك قال: "قلتان" بلفظ التثنية، ولو كان وراءها قلة أكبر منها، لأشكلت دلالته فلما ثنَّاها دل على أنه أراد أكبر القلال، وأشهرها، لأن لا بد لها من فائدة (١).
و"الخبث": من الخبيث؛ ضد الطيب، وقد خَبُثَ الشيء يَخْبُثُ خَبَاثَةً، وخبث الرجل خُبْثًا فهو خبيث، أي خبث رديء؛ هذا هو الأصل، ثم نقل إلى النجس، ولذلك أطلق على النَّجْو.
والمراد "بالخبث" في الحديث: "النَّجَس"، ويعضده أنه قال:
نَجَسًا أو خُبْثًا، والنجس ضد الطاهر. وهو: كل ما استقذر في نفسه عرفًا، أو قَرَنَ الشارعُ به هذا الوَصْفَ حُكْمًا، تقول نَجِسَ الشىء -بالكسر- يَنْجَس -بالفتح- نَجَسًا، فهو نَجِسٌ ونَجَسٌ. "والفلاة": المفازة والبرية الواسعة، والجمع: الفلا والفلوات.
وقوله "تنوبه" أي تتردَّدُ إليه وتطرقه مرة بعد مرة، يقال: انتاب فلان القوم أي أتاهم مرة بعد أخرى.
ونابهم، ينوبهم، نوبة، والجمع نوب.
"والدواب": جمع دابة وهو كل ما دب على الأرض من الحيوانات، والإنسان، والوحش، والطير، والحشرات داخلة فيه، إلا أن العرف والاستعمال خَصَّصا هذه اللفظة بما يُرْكَبُ.
"والسباعُ" جمع سَبُعٍ وهو: كل ماله ناب كالأسد، والكلب.
_________________
(١) معالم السنن (١/ ٣١).
[ ١ / ٨٤ ]
وإنما ذكر السباع بعد قوله "الدواب" لأنه لما ذكر الأهم وهو الدواب، وكان العرف قد خصص الدواب بالمركوب، أتبعه ذكر السباع، لئلا يُظَنَّ أن السؤال إنما كان عن الدواب المركوبة خاصة -دون السباع؛ فزادها بذلك بيانًا وإيضاحًا، ولأن السائل إذا سأل عن الدواب- ولعل أكثرها حلال وسؤرها طاهر -فبالأولى أن يسأل عن السباع التي هي حرام، وسؤرها مجهول الحكم عنده، فلذلك خَصَّ بعد أن عَمَّ.
وكذلك في الرواية الأخرى، التي قَدَّمَ فيها السباع على الدواب، أنه لما ذكر الخاص، أتبعه ذكر العام لتحصل المسألة عن الأمرين، ويسمع الجواب عنهما، لأن الدواب قد صارت خاصة في العرف -كما قدمنا.
قلنا: وأما معنى قوله: "لم يحمل خبثا" فإنه أراد أن الماء إذا كان قلتين، دفع الخبث عن نفسه، كما يقال: فلان لايحمل الضيم، إذا كان يأباه ويدفعه عن نفسه.
وقيل: أراد به إذا كان قلتين، لم يحتمل أن يكون فيه نجاسة لأنه ينجس بوقوع الخبث فيه، أي أنه يضعف عن حمل النجاسة، فيكون على الأول؛ قد قصد أوَّل مقادير المياه التي لا ينجس بوقوع النجاسة فيها، وهو ما بلغ القلتين فصاعدًا، وعلى الوجه الثاني: يكون قد قصد آخر المياه، التي ينجس بوقوع النجاسة فيها، وهو ما انتهى في القِلَّةِ إلى القلتين.
فيكون التقدير على هذا القول الثاني: إذا وقعت النجاسة فيهما أنهما نجستان، فإذا زادتا على القلتن احتملتا النجاسة، وهذا على خلاف ما ذهب إليه القائلون بالقُلَّتن، لأن مذهبهم أن الماء إذا بلغ قلتين دفع النجاسة عن نفسه، ولم ينل بوقوعها فيه، على التفصيل الذي يأتي بيانه آنفا (١).
ولأنه لو كان للتأويل الثاني وجه في الصحة، لم يكن إذًا فَرْقٌ بين ما بلغ من
_________________
(١) كذا بالأصل والسياق غير مستقيم ولعله (أتى بيانه آنفًا).
[ ١ / ٨٥ ]
الماء قلتين، وبين ما لم يبلغهما، وإنما ورد هذا الحديث للفصل والتحديد بين المقدار يَنْجُسُ والذي لا يَنْجُسُ.
ويؤكد ذلك ما جاء في إحدى روايات أبي داود أنه قال - ﷺ -: "فإنه لا ينجس".
وأما جواب النبي - ﷺ - السائل بقوله: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثًا".
ففيه نوع مما ذكره في جوابه عن ماء البحر من البلاغة والفائدة، لأنه ذكر الجواب مُعَلَّلًا بذكر السبب المانع من نجاسته وهو: بلوغ القلتين وتَحَدُّدُ الحَدِّ ظاهر عند السائل لايحتاج مع سماعه إلى استفسار وإيضاح، وهو معرفة مقدار القلة، ولو لم تكن عند ظاهرة معروفة لم يحده بها، ولو أنه أجابه فقال إنه طاهر، وأنه ليس بنجس، لكان قد حصل غرض السائل، ولكنه عدل عنه إلى هذا الجواب المعلل المحدد، لما فيه من زيادة البيان، وتأكيد الإيضاح، ولأنه لو لم يحده بذلك، لكان الكثير والقليل في الحكم سواء، وذلك في محل الإبهام، حيث كان الحكم عنده التحديد في القِلَّةِ بالقُلَّتَيِنْ.
والذي ذهب إليه الشافعي. والعمل بالقلتين المحددتين بما سبق، من ذكر قوله: وأنه متى وقَعَ في الماء الراكد الذي هو: خمس مائة رطل بالعراقي فصاعدًا نجاسةٌ فلم تغير طعمه، ولا لونه، ولا ريحه، فإنه طاهر طهور -يَرْفع الحدث ويزيل النجس، فإن تغير أحد أوصافه فهو نَجِسٌ، والذي ورد به الشرع من هذه الأوصاف: الطعم، والريح.
وحمل الأئمة اللون عليهما، لأنه أدل على غلبة النجاسة فإذا. أخذ من القلتين اللتَينْ فيهما النجاسة العينية شيء، فنقص الماء عن القلتين فالموجود طاهر، والباقي نجس سواء تغير أو لم يتغير.
ووافَقَ الشافعيَّ على العمل بالقلتين: أحمدُ بن حنبل، وإسحاقُ بن راهويه،
[ ١ / ٨٦ ]
وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو ثور، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع بن الجَرَّاح ويحيى بن آدم.
وقد يَسْتدِلُ بهذا الحديث؛ من يرى أن سؤر السباع نجس؛ لقوله: "وما ينوبه من السباع" فلولا أن شرب السباع منه ينجسه لم يكن لمسألتهم عنه، ولا لجوابه إياهم بهذا الكلام معنى.
وقد يحتمل أن يكون ذلك من أجل أن السباع إذا وردت المياه خاضتها وبالت فيها، وذلك كالمعتاد من طباعها، وقلما يخلو أعضاؤها من لوث أبوالها وأرواثها؛ وقد ينتابها في جملة السباع الكلاب وسؤرها نجس، واللَّه أعلم.
وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، بإسناد لا يحضرني ذكره -أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: "إذا كان الماء قلتين لم يحملْ نَجَسًا". قال في الحديث: بقلال هجر.
قال ابن جريج: وقد رأيتُ قِلالَ هَجَر، فالقلة تَسَعُ قربتين وشيئًا.
هذا الحديث أخرجه الشافعي في كتاب اختلاف الحديث (١)، هكذا عن ابن جريج، ولم يذكر تمام الإسناد، وقد رواه غيره (٢) عن ابن جريج، قال: أخبرني محمد أن يحيى بن عقيل أخبره أن يحيى بن يعمر أخبره أن النبي - ﷺ - قال: "إذا كان الماء قلتين لم يَحْمِلْ نَجَسًا ولا بأسًا" قال: فقلت ليحيى بن عقيل: قلال هجر؟ قال: قلال هجر.
ومحمد هذا الذي حَدَّثَ عنه ابن جريج، هو محمد بن يحيى، يحدث عن
_________________
(١) وعنه البيهقي في السنن الكبير (١/ ٢٦٣).
(٢) أخرجه الدارقطني في سننه (١/ ٢٤)، والبيهقي في السنن الكبير (١/ ٢٦٣) كلاهما من طريق ابن جريج. قال الحافظ في التلخيص (١/ ١٩): قال الحاكم أبو أحمد: محمد -شيخ ابن جريج- هو محمد بن يحيى، له رواية عن يحيى بن أبي كثير أيضًا. قلت (الحافظ): وكيف ما كان فهو مجهول.
[ ١ / ٨٧ ]
يحيى بن أبي كثير، ويحيى بن عقيل.
وهذا الحديث مرسل، فإن يحيى بن يَعْمَرَ، تابعي مشهور، روى عن ابن عباس، وابن عمر، فيحتمل أن يكون هذا الحديث رواية من الحديث الذي قبله، ويكون ابن يَعْمر قد رواه عن ابن عمر، ويجوز أن يكون غيره، لأنه يكون قد رواه عن غير ابن عمر (١) واللَّه أعلم.
_________________
(١) قال الزيلعي في نصب الراية (١/ ١١١): فهذان الوجهان ليس فيهما رفع هذه الكلمة إلى النبي - ﷺ - ولو كان مرسلًا، فإن يحيى بن عقيل ليس بصحابي.
[ ١ / ٨٨ ]