في الأذان والإقامة
وفيه فرعان
الفرع الأول
في صفتها
أخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج قال: أخبرني عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، أن عبد اللَّه بن محيريز أخبره، وكان يتيمًا في حجر أبي محذورة حين جهزوه إلى الشام، فقلت لأبي محذورة: أي عم إني خارج إلى الشام، وإني أخشى أن أسأل عن تأذينك فأخبرني أبا (١) محذورة، قال: نعم، خرجت في نفر وكنا ببعض طريق حنين فقفل رسول اللَّه - ﷺ - من حنين، فلقينا رسول اللَّه - ﷺ - في بعض الطريق، فأذن مؤذن رسول اللَّه - ﷺ - عند رسول اللَّه، فسمعنا صوت المؤذن ونحن متنكبون، فصرخنا نحكيه ونستهزئ به، فسمع النبي - ﷺ - فأرسل إلينا إلى أن وقفنا بن يديه، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: "أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟ " فأشار القوم إليّ -وصدقوا- فأرسل كلهم وحبسني، قال: "قم فأذن بالصلاة" فقمت ولا شيء أكْره إليَّ من النبي - ﷺ - ولا مما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول اللَّه - ﷺ -، فألقى علي رسول اللَّه - ﷺ - التأذين هو بنفسه، فقال قل: "اللَّه أكبر اللَّه أكبر، اللَّه أكبر اللَّه أكبر أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن لا إله إلا اللَّه أشهد أن محمدًا رسول اللَّه، ثم قال: ارجع فامدد من صوتك، ثم قال: قل "أشهد أن محمدًا رسول اللَّه، أشهد أن محمدًا رسول اللَّه، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي
_________________
(١) في مطبوعة المسند زاد: [يا].
[ ١ / ٤١٥ ]
على الفلاح، اللَّه أكبر اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه"، ثم دعاني حين قضيّت التأذين، فأعطاني صرة فيها شيء من فضة، ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة، ثم أمَرَّها على وجهه، ثم مر بين ثديه، ثم على كبده، ثم بلغت يده سرة أبي محذورة، ثم قال رسول اللَّه - ﷺ -: "بارك اللَّه فيك وبارك عليك" فقلت يا رسول اللَّه مرني بالتأذين بمكة، فقال: "أمرتك به" وذهب كل شيء كان لرسول اللَّه - ﷺ - من كراهية، وعاد ذلك كله محبة لرسول اللَّه - ﷺ -، فَقَدِمْتُ على عَتَّاب بن أسيد عامل رسول اللَّه - ﷺ -.
قال ابن جريج: أخبرني بذلك من أدركت من آل أبي محذورة، على نحو مما أخبرني ابن محيريز. قال الشافعي: وأدركت إبراهيم بن عبد العزيز [بن] (١) عبد الملك [بن أبي] (٢) محذورة يؤذن كما حكى ابن محيريز، وسمعته يحدث عن أبيه عن ابن محيريز، عن أبي محذورة عن النبي - ﷺ - بمعنى ما حكى ابن جريج.
قال الشافعي: وسمعته يقيم فيقول: اللَّه أكبر اللَّه أكبر، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن محمدًا رسول اللَّه، حي على الصلاة حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، اللَّه أكبر اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه.
هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم (٣)، وأبو داود (٤)، والنسائي (٥)، والترمذي (٦).
فأما مسلم: فأخرجه عن أبي غسان: مالك بن عبد الواحد المِسْمَعي، وإسحاق بن إبراهيم، عن معاذ بن هشام الدستوائي، عن أبيه، عن عامر
_________________
(١) بالأصل [عن] وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه.
(٢) سقط من الأصل والاستدراك من مطبوعة المسند.
(٣) مسلم (٣٧٩).
(٤) أبو داود (٥٠٠).
(٥) النسائي (٢/ ٥).
(٦) الترمذي (١٩١) وقال: صحيح.
[ ١ / ٤١٦ ]
الأحول، عن مكحول، عن عبد اللَّه بن محيريز، عن أبي محذورة أن النبي - ﷺ - علمه هذا الأذان، وذكر لفظة رواية الشافعي إلى قوله: "حي على الفلاح" ثم قال: وزاد إسحاق: اللَّه أكبر اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه.
وأما أبو داود: فأخرجه من طرق كثيرة، وروايات عدة، وأطال فيها.
فمما أخرجه عن مسدد، عن الحارث [بن] (١) عبيد، عن محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبيه، عن جده قال: قلت يا رسول اللَّه! علمني سنة الأذان قال: فمسح مقدّم رأسه (٢) قال: تقول: اللَّه أكبر وذكر لفظ رواية الشافعي إلى قوله: حي على الفلاح، ثم قال: فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه.
وأما النسائي: فأخرجه عن إبراهيم بن الحسن، ويوسف بن سعيد و[اللفظ] (٣) له -عن حجاج، عن ابن جريج، بإسناد الشافعي ولفظه، وله روايات أخرى.
وأما الترمذي: فأخرجه مجملًا عن بشر بن معاذ، عن إبراهيم بن عبد العزيز ابن عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبيه، وجده جميعًا عن أبي محذورة أن رسول اللَّه - ﷺ - أقعده وألقى عليه الأذان حرفًا حرفًا قال إبراهيم: مثل أذاننا، قال بشر: فقلت له: أعد عليَّ، فوصف الأذان بالترجيع.
وفي أخرى: عن محمد بن المثنى، عن عفان، عن همام، عن عامر الأحول، عن مكحول، عن [ابن] (٤) محيريز، عن أبي محذورة أن النبي - ﷺ - علمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة.
_________________
(١) بالأصل [عن] وهو تصحيف وانظر تحفة الأشراف (٩/ ٢٨٥) ومطبوعة السنن.
(٢) كذا بالأصل وفي السنن (رأسي).
(٣) بالأصل [اللَّه] وهو تحريف، والتصويب من السنن.
(٤) الأصل [أبي] وهو تصحيف، والتصويب من مطبوعة السنن وكذا تحفة الأشراف (٩/ ٢٨٦).
[ ١ / ٤١٧ ]
"اليتم": مصدر يَتِمَ الصبُّي يَيْتْمُ فهو يتيم، إذا مات أبوه وهو دون البلوغ، وهو في الأناسي من قبل الأب، وفي الدواب من قِبَلِ الأم، وأيتمت المرأة فهي مؤتم إذا صار أولادها أيتامًا.
و"وحِجْرُ الإنسان": -بفتح الحاء وكسرها- معروف وبالفتح خاصة مصدر حجر عليه القاضي يحجر، إذا منعه من التصرف في ماله، واليتيم في حجر فلان يجوز أن يكون من كل واحد من الأمرين، ويجوز أن يكون منهما كليهما لصلاحة المعنيين فيه.
"وجهزت المسافر" والقارئ، والعروس، ونحو ذلك، إذا أعددت وهيأت له ما يحتاج إليه من آلة وركوب وزاد، وغير ذلك مما تجر حاجته إليه، وتختص به، والاسم الحار بالفتح والكسر.
وقوله: "فأخبرني أبا محذورة"، أي أخبرني يا أبا محذورة، فحذف حرف النداء وهذا جائز مع المنادى المضاف، والضابط فيه: أنه يجوز أن يحذف حرف النداء مع كل اسم لا يجوز أن يكون وصفًا لأي، تقول: زَيْدٌ أَقْبِلْ، وغلام زيد أقبل، لأنه لا يقال: يا أيها زيد أقبل، ويا أيها غلام زيد أقبل، ولا تقول: الرجل أقبل، لأنك تقول: يا أيها الرجل أقبل.
"والنفر": الجماعة من الرجال من الثلاثة إلى العشرة.
"وقفل المسافر": إذا رجع من سفره، والقافلة: اسم لجماعة المسافرين إذا رجعوا وإذا ذهبوا، قاله الأزهري.
وقد تقدم القول فيه مبسوطًا، وهو من الصفات التي غلبت عليها الإسمية، التقدير في الأصل جماعة قافلة أي راجعة.
وقوله "متنكبون" يجوز فيه تأويلان:-
أحدهما: أنهم كانوا قد تنكبوا عن طريق، أي: عدلوا عنه وانحازوا إلى
[ ١ / ٤١٨ ]
جهة أخرى يمينًا أو شمالًا.
والثاني: أن يكون من قولهم: تنكبت قوسي إذا ألقيتها على منكبك، وكأن الأول أشبه.
"والصراخ": رفع الصوت والصياح.
"والاستهزاء": السخرية، تقول: هزئت منه، وهزئت به، واستهزأت به، وتهزأت به، هزؤًا ومهزأة، ورجل هزأة بِسكون الزاي -يهزأ به، وبفتحها: يهزأ بالناس.
وقوله: "حبسني" لم يرد به أنه حبسه في سجن؛ كما يسبق إلى الوهم، ولكن أراد أنه خلَّفَهُ عنده بعد أن صرف رفقته.
وأما معنى كلمات الأذان فقوله: "اللَّه أكبر" معناه اللَّه كبير فوضع أفعل موضع فعيل، وذلك في العربية كثير.
وقيل: معناه: اللَّه أكبر من كل شيء، وفيه نظر إلا أن يريد به كبر المعاني لا كبر الحثث، فإن اللَّه تعالى عن ذلك.
وقيل: معناه اللَّه أكبر من أن يدرك عنه كبريائه، فخذف ذلك لفهم المعنى.
وقيل: معناه: اللَّه أكبر كبيرًا، قال الهروي: قال أبو بكر: عوام الناس يضمون راء أكبر.
وكان أبو العباس يقول: اللَّه أكبر اللَّه أكبر ويحتج بأن الأذان سمع موقوفًا غير معرب في مقاطعه، كقولهم: حي على الصلاة، حي على الفلاح، وهذا القول كما تراه.
"والشهادة" في قوله: "أشهد" أصلها أنها خبر قاطع، تقول منه شهد الرجل على كذا، أو شهد له بكذا، أي أدى ما عنده من الشهادة فهو شاهد، والجمع
[ ١ / ٤١٩ ]
شَهْد، مثل: صاحب وصَحْب؛ وبعضهم ينكره، وجمع الشهد: شهود، وأشهاد، وقوله: "أشهد" فعل حال وإن شاركه في لفظه المستقبل، فهو هنا خاص للحال لأن المتلفظ به يُقْطع بإسلامه عقيب قوله، ولو كان مستقبلا لما قطع به فإنه كان يكون وعدًا بالشهادة.
وقوله "حي على الصلاة" أي تعالوا إليها، فإن "حي" بمعنى هَلُمَّ وأَقْبِلْ، وهي اسم لفعل الأمر.
"والفلاح": الفوز والبقاء.
"والناصية": شعر مقدم الرأس.
وقوله: "ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة" ولم يقل على ناصيتي لأنه لما طال الحديث وامتدت الحكاية عن نفسه، وجاء هذا المعنى المختص به، وفيه ما فيه من الفضيلة التي يفتخر بها؛ خاف لطول الكلام السابق أن يكون إذا قال: ثم وضع يده على ناصيتي، أن يتوهم السامع أن الحديث عن غيره، وأنه يحكي ذلك عن أحد سواه، فعاد من المضمر إلى المظهر ليزول هذا الوهم، ولما في الانتقال من المضمر إلى المظهر من تفنن الكلام، ولما فيه من إيقاظ السامع وتحريك فهمه للإصغاء مفان معانٍ إذا كان قد استمر سمعه على ذكر الرواية، وإسناد اللفظ إلى مضمر، ثم طرق سمعه الانتقال إلى مظهر تنبه للإصغاء، وألقى إليه سمعه فأدرك حينئذ تلك الفضيلة التي اخْتُصَّ بها أبو محذورة من [وضع] (١) يده - ﷺ - على ناصيته، فلما أصغى وسمع ما أراد أن يسمع عاد إلى المضمر، فقال: ثم أمرّها على وجهه، ثم من بين يديه، ثم على كبده، وفرق ما بين المضمرين: فإنه كان في الأول ضمير المتكلم، وفي الثاني ضمير الغائب، وهو راجع إلى أبي محذورة، ثم عاد لما أراد أن يختم الفضيلة التي خصه بها
_________________
(١) ليست في الأصل وإثباتها أجود.
[ ١ / ٤٢٠ ]
رسول اللَّه - ﷺ -، بحاله من يده رجع إلى المظهر فقال: ثم بلغت يده سرة أبي محذورة، ليراوح بين أول اللفظ وآخره، فيبدأ عند ذكر أول الفضيلة بالانتقال من المضمر إلى المظهر، ويختمها أيضًا بالانتقال من المضمر إلى المظهر، لتلك الفائدة التي ذكرناها، وقد جاء في نسخة "فأذنت على أمره"؛ وفي نسخة أخرى "عن أمره" ولهما جوابان:-
أحدهما: أن حروف الجر يقع بعضها موقع بعض، وكلاهما واقعان موقع الثلاثي أي أذنت بأمره.
والثاني: أن معنى "أمره" أي على مقتضى ما أمرني به، كأنه جعل أذانه آخذا بمجامع مع أمره حتى كأنه استولى عليه وصار فوقه، وأما عن أمْرِه فمعناه أن أذانه كان صادرًا عن إذنه وأمره، وأنه لم ينفرد بالأذان، ولم يصدره عن غير أَمْرِ من له الأمر.
وفي قوله: "فذهب كل شيء لرسول اللَّه - ﷺ - من كراهية، وعاد ذلك كله محبة" دليل على بركة دعائه ومعجزته، لأنه كان قبل أن يمر عليه يده ويدعو له كما حكى عن نفسه من الكراهية لرسول اللَّه - ﷺ - ولما يأمره به، ثم صار بعد ذلك أحب الناس إليه، وأحب الأشياء إليه الأذان، وحتى سأله أن يأذن له ليؤذن بمكة. والذي ذهب إليه الشافعي: أن الأذان والإقامة سنتان مؤكدتان؛ وبه قال مالك، وأبو حنيفة.
وقال الإصطخري: إنها فرض على الكفاية.
وقال داود: فرضان على الإعيان، إلا أنهما ليسا بشرط في صحة الصلاة.
وحكي عن الأوزاعي أنه قال: من نسي الأذان أعاد الصلاة في الوقت.
وقال عطاء: من نسي الإقامة أعاد الصلاة.
وقال أحمد: الأذان فرض على الكفاية.
[ ١ / ٤٢١ ]
قال الشافعي: يؤذن إن كان منفردًا أو في جماعة، وهو في المسجد أشد استحبابًا.
والأذان عند الشافعي تسع عشرة كلمة، التكبير أولًا أربع كلمات، والشهادتان ثماني كلمات، أربع يقولها في نفسه وأربع يقولها ظاهرًا، والحيعلة أربع كلمات، والتكبير الآخر كلمتان، والتهليل كلمة واحدة، فهذه تسع عشرة كلمة؛ كل كلمة منها جملة من كلمات، وليس المراد بالكلمة لفظة واحدة، ويزيد في أذان الصبح التثويب مرتين؛ فيصير إحدى وعشرين كلمة.
وقال مالك: الأذان سبع عشرة كلمة، فأسقط من التكبير الأول مرتين.
وقال أبو حنيفة، والثوري: الأذان خمسة عشرة كلمة، فأسقط الترجيح.
وروي عن أبي يوسف أنه قال: ثلاث عشرة كلمة، فبعض الترجيح وبعض من التكبير كلمتين، وروى أنه رَجعَ عن ذلك إلى مذهب أبي حنيفة.
وحكي عن أحمد أنه قال: إن رجع فلا بأس، وإن ترك فلا بأس، وروي عنه بغير ترجيع.
وأما الإقامة فهي إحدى عشرة كلمة، التكبير كلمتان والشهادة كلمتان، والحيعلة كلمتان، ولفظ الإقامة كلمتان، والتكبير الآخِر كلمتان، والتهليل كلمة.
وبهذا قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وهو مذهب الحسن البصري، وابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، والزهري.
وقال الشافعي في القديم: إن الإقامة في الإقامة كلمة واحدة، فجعلها عشر كلمات، وبه قال مالك، وداود.
وقال أبو حنيفة: الإقامة مثل الأذان، ويزيد في الإقامةِ الإقامةَ مرتين.
وقد أخرج الشافعي من حكاية الزعفراني عنه قال: حدثنا رجل، عن عمر بن
[ ١ / ٤٢٢ ]
حفص بن سعد، عن أبيه، عن بلال بن رباح مؤذن رسول اللَّه - ﷺ - أنه كان إذا أذن قال: اللَّه أكبر اللَّه أكبر، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول اللَّه، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن محمد رسول اللَّه أشهد أن محمدًا رسول اللَّه، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه، قال: وإذا كانت الإقامة قالها مرة إقامته كلها ولم يُرَجِّعْ كما يُرَجِّعُ في الأول.
هذا الرجل الذي روى عنه الشافعي قيل: إنه إبراهيم بن محمد (١) بن أبي يحيى.
وقال في الرواية: عمر بن حفص بن سعد، وإنما هو عمر بن حفص بن عمر ابن سعد، فكأنه نسبه إلى جده.
قال الشافعي: وأخبرنا الثقة من أصحابنا عن عمرو بن دينار قال: سمعت سعد القرظ في إمارة ابن الزبير يؤذن بالأذان الأول، فيقول في أذانه: أشهد أن لا إله إلا اللَّه مرتين أشهد أن محمدًا رسول اللَّه مرتين.
وقد أخرج الشافعي أيضًا من رواية الربيع عنه، قال: سمعت إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة يقيم فيقول: اللَّه أكبر اللَّه أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، اللَّه أكبر اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه، وقد قال إبراهيم: أدركت جدي وأهلي وأبي يقيمون، فذكر هذه الإقامة.
وقال الشافعي في رواية الزعفراني عنه، في ترجيع الأذان وإفراد الإقامة، الرواية فيه تكلف الأذان خمس مرات في اليوم والليلة؛ في المسجدين على
_________________
(١) بالأصل كررت كلمة (محمد).
[ ١ / ٤٢٣ ]
رؤوس المهاجرين والأنصار، ومؤذنوا مكة: ابن أبي محذورة، وقد أذن أبو محذورة لرسول اللَّه - ﷺ - وعلمه الأذان ثم وَلَدُهُ بمكة؛ وأذن آل سعد القرظ منذ زمن رسول اللَّه - ﷺ - بالمدينة، كلهم يحكون الأذان، والإقامة، والتثويب وقت الفجر كما قلنا، فإن جاز أن يكون هذا غلطًا من جماعتهم؛ والناس تحضر لهم، ويأتينا من طرف الأرض من يعلمنا له، جاز له أن يسألنا عن عرفة، وعن مني ثم يخالفنا ولو خالفنا في المواقيت كان أجدر له في خلافنا من هذا الأمر الظاهر المعمول به.
يريد الترجيح في الأذان وإفراد الإقامة.
وقد أخرج الشافعي من طريق المزني عنه، عبد الوهاب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك قال: أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة.
ورواه أيضًا حرملة بن يحيى، عن الشافعي.
قال الشافعي: هذا ثابت، وبهذا نقول فنجعل الإقامة وترًا، إلا في موضعين اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، في أول الإقامة وآخرها، وقد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، فإنها شفع (١).
وحديث أنس هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري (٢)، ومسلم (٣)، وأبو داود (٤)، والترمذي (٥)، والنسائي (٦)، وأجمع على ثبوته وصحته عامة الحفاظ.
وإلى إفراد الإقامة ذهب سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والزهري، ومالك بن أنس، وأهل الحجاز، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، والأوزاعي،
_________________
(١) راجع كل هذه الآثار والأقوال من المعرفة للبيهقي (٢/ ٢٢٤) (٢٤٩).
(٢) البخاري (٦٠٣).
(٣) مسلم (٣٧٨).
(٤) أبو داود (٥٠٨، ٥٠٩).
(٥) الترمذي (١٩٣) وقال: حسن صحيح.
(٦) النسائي (٢/ ٣).
[ ١ / ٤٢٤ ]
وأهل الشام، وإليه ذهب الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور، ومن تبعهم من العراقيين، وإليه ذهب يحيى، وإسحاق الحنظلي، ومن تبعهما دون الخراسانيين.
***
[ ١ / ٤٢٥ ]