في المسح على الخفين
أخبرنا الشافعي، أخبرنا مسلم، وعبد المجيد، عن ابن جريج، عن ابن شهاب، عن عباد بن زياد، أن عروة بن المغيرة، أخبره أن المغيرة (١) [].
يديه فغسل كفيه ووجهه، ثم أراد أن يخرج ذراعيه؛ وعليه جبة من صوف من جباب الروم؛ ضيقة الكمين، فضاقت فادّرعها ادّراعًا ثم أهويت إلى الخفين لأنزعهما فقال: "دع الخفين فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان" فمسح عليهما، قال الشعبي: شهد لي عروة على أبيه، وشهد أبوه على رسول اللَّه - ﷺ -.
وأما الترمذي: فأخرجه عن أبي الوليد الدمشقي، عن الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد، عن [رجاء] (٢) بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة أن
_________________
(١) هنا سقط في المخطوط من بداية اللوحة (ب) وإليك نص الحديث الساقط قد ساق المصنف إسناده، وتمام الحديث. ابن شعبة أخبره أنه قد غزا مع رسول اللَّه - ﷺ - غزاة فحملت معه إدارة قبل الفجر فلما رجع رسول اللَّه - ﷺ - أخذت أهريق على يديه من الإداوة وهو يغسل يديه ثلاث مرات ثم غسل وجهه، ثم ذهب يحسر حُبته عن ذراعيه من أسفل الجبة وغسل ذراعيه إلى المرفقين ثم الجبة حتى أخرج ذراعيه من أسفل الجبة وغسل ذراعيه إلى المرفقين ثم توضأ ومسح على خفيه ثم أقبل. قال المغيرة: فأقبلت معه حتى نجد الناس قد قدموا عبد الرحمن بن عوف وصلى لهم، فأدرك النبي - ﷺ - إحدى الركعتين معه وصلى مع الناس الركعة الأخيرة، فلما سلم عبد الرحمن قام رسول اللَّه - ﷺ - وأتم صلاته فأفرغ ذلك المسلمين وأكثروا التسبيح، فلما قضى النبي - ﷺ - صلاته أقبل عليهم ثم قال: أحسنتم أو قال: أصبتم يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن حمزة بن المغيرة بنحو حديث عباد. قال المغيرة: فأردت تأخير عبد الرحمن فقال لي النبي - ﷺ - "دعه".
(٢) ما بين المعقوفتين بالأصل [رد] والظاهر أن الناسخ كتب حرفين من الكلمة ثم تشاغل بشيء وانتقل إلى غيرها، والصواب ما أثبتناه وكذا جاء في كل مصادر التخريج؛ عند أحمد (٤/ ٢٥١)، وأبي داود (١٦٥)، وابن ماجه (٥٥٠) وهو المثبت أيضًا عند الترمذي.
[ ١ / ٢٦٨ ]
النبي - ﷺ - "مسح أعلى الخف وأسفله".
وفي أخرى: عن علي بن حجر، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه قال: "رأيت النبي - ﷺ - مسح على الخُفَّيْن على ظاهرهما".
قال الترمذي: لا نعلم أحدًا يذكر عن عروة، عن المغيرة: "على ظاهرهما" غير أبي الزناد.
وأما النسائي: فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن يحيى بن سعيد، بإسناد البخاري الأول ولفظه.
وفي أخرى: عن محمد بن منصور، عن سفيان، عن إسماعيل، عن محمد ابن سعد، عن حمزة بن المغيرة، عن أبيه قال: كنت مع النبي - ﷺ - في سفر، وذلك الحديث نحو ما سبق، وله روايات كثيرة طويلة ومختصرة.
وفي الباب: عن علي، وابن عمر، وجابر بن عبد اللَّه، وجرير، وعمرو بن أمية الضمري، وبريدة، وأنس، وأوس بن أوس الثقفي، وخزيمة بن ثابت، وصفوان بن عَسَّال المرادي، وابن عمارة.
"الغزو": مصدر غزا يغزو، والاسم الغزاة، ورجل غازٍ والجمع: غزاة، وغزَّاء وغزًّى فكأنه من مغزى الكلام أي مقصده.
"وتبوك" بفتح التاء: تفعل من البوك، وهو من قولهم: باك الحمار الأتان تَبَوَّكَهَا بَوْكَا، إذا نزل عليها.
وإنما سميت غزوة تبوك: لأن النبي - ﷺ - رأى قومًا من أصحابه يبوكون حِسْيَ، أي يدخلون فيه القدح، وهو السهم ويحركونه ليخرج الماء، فقال: "مازلتم تبوكونها بَوْكًا"، فسميت تلك الغزوة "تبوك"، قاله الجوهري (١).
_________________
(١) تهذيب اللغة (١٠/ ٤٠٥).
[ ١ / ٢٦٩ ]
"والتبرز": الخروج لقضاء الحاجة، وهو تفعل من البَراز بفتح الباء وهو الفضاء الواسع الذي ليس فيه ساتر.
وأما البِزار -بكسر الباء- فهو كناية عن الغائط نفسه.
"وقِبَلُ الشيء": بكسر القاف وفتح الباء جهته وهو ظرف مكان.
والإداوة: -بكسر الهمزة- السطيحة فقد تقدم ذكرها.
"والفجر": في آخر الليل كالشفق في أوله، من الانفجار والانشقاق "وأَرَقْتُ": الماء وهرقته وأهرقته قلبته، وقد تقدم بيانه.
"وحسرت الشيء عن الشيء": إذا أزلته عنه وكشفته.
"الذراع": الساعد.
وقوله "فأقبلت معه حتى يجد الناس" حكايته حال حاضرة، ولذلك جاء بلفظ الفعل الحاضر، فقال: "حتى يجد" ولم يقل: "وجدنا".
وقوله "قد قدّموا عبد الرحمن": يعني جعلوه إمامًا لهم.
وقوله "قد صلى بهم" هذه الجملة مبدلة من الجملة التي قبلها، ولذلك جاء بها بغير واو، وقد جاءت في بعض النسخ بواو.
وقوله: "وصلى مع الناس الركعة الآخرة": يريد الركعة التي أدرك معهم منها، لأن الصلاة كانت صلاة الفجر، وهي ركعتان فاتته الركعة الأولى وأدرك معهم الثانية.
وقوله: "فأفزغ ذلك المسلمين"، للفزع سببان:-
أحدهما: أنهم لما سلموا ورأو النبي - ﷺ - يصلي معهم، فزعوا كيف تقدموا عليه في الصلاة، وسبقوه إلى وقتها.
والثانية: كيف صلى وراءهم مقتديًا بهم.
"والتسبيح" في اللغة: التنزيه، وهو مصدر يسبح تسبيحًا، وهو قولك: سبحان اللَّه.
[ ١ / ٢٧٠ ]
"وسبحان" نصب على المصدر كأنه قال: أُبَرِّئُ اللَّه من السوء براءة وأنزهه تنزيهًا، والمراد بإظهارهم التسبيح، التنبيه على ما عرض لهم من الفزع والانزعاج.
وقوله: "أحسنتم" أي فعلتم حسنًا، والحَسَنُ ضد القبيح.
"والإصابة": من الصواب ضد الخطأ.
وقوله: "يُغَبّطهم" -بضم الياء، وفتح الغين، وتشديد الباء وكسرها- من الغِبْطَة وهي: أن تتمنى مثل حال المغبوط، من غير أن تريد زوالها عنه.
تقول منه: غبطته، أغبطه، غَبْطًا، وغِبْطَةً، والاسم: الغبطة، وغبّطت الإنسان -بالتشديد- أي حسنت له ما فعل، كأنك جعلته يغتبط.
وحقيقته: أنه جعل بعضهم يغبط بعضًا بالحال التي كانوا عليها، وهي مسابقتهم إلى أول وقت الصلاة، وفوزهم بفضيلته.
ولو روى يَغْبِطُهُم بالتخفيف لكان جائزًا، كأن النبي - ﷺ - غبطهم حيث سبقوه إلى إحراز فضيلة الوقت، فتمنى أن يكون له مثل حالهم التي فاتته.
وقوله: "أن صلوا"، في موضع جر تقديره لأن صلوا، أي لصلاتهم في أول وقتها.
وقوله: "فأتبعه"، فيه لغتان:- تبعت فلانًا أتبعه، واتبعته أتبعه وقيل: اتبعت القوم إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم.
واتبعت أيضًا غيري يتعدى ولا يتعدى.
"وأهويت إلى الشيء": مددت يدي إليه.
والضمير في "أدخلتها": راجع إلى الرجلين، وهما غير مذكورين، لدلالة اللفظ والحال عليهما.
وقوله: "جبَّة شامية": قد جاء في بعض طرق الحديث أنها كانت من صوف، وإنما نسبها إلى الشام: إما لأنها كانت من عمل الشام، أو من لبوس
[ ١ / ٢٧١ ]
أهل الشام.
يريد أنها كانت ضيقة الأكمام، وهي التي يسميها الناس "جاودك" وفي بعض الطرق: فصب عليه حتى فرغ من حاجته.
وفي بعضها: حين فرغ.
والفرق بينهما: أنها مع حتى يريد بالحاجة الوضوء، المعنى حتى فرغ من وضوئه.
ومع حين يريد بالحاجة البراز، المعنى: صب عليه الماء في وضوئه حين فرغ من البراز.
"والركبة": بفتح الراء وفتح الكاف أقل من الركب، وهم أصحاب الإبل في السفر، دون باقي الدواب؛ وهم العشرة فما فوقها.
وقوله: "من جباب الروم"، أراد من جباب الشام كما سبق، لأن الشام كان يومئذ ساكنة الروم، ليصح الجمع بين الروايتين.
وفي رواية أبي داود: فادّرعهما ادراعًا أي: نزع ذراعيه من الكُمَّيِنْ، وأخرجهما من قِبَلِ الذيل، ووزنه افتعل من ذرع أي مد ذراعيه، كما يقال: اذَّكَرَ من ذكر.
وحقيقته: من الذراع وهو الساعد، فإذا بَنَيْتَ افتعل من الذرع قلت: اذترع يذترع اذتراعًا، فلما اجتمع الذال والتاء، والنطق بهما ثقيل، أراد أن يدغموا ليخف النطق، فقلبوا التاء دالًا -غير معجمة- لأنها من مخرجها، ولأن الدال أخت الذال فاجتمع قال وذال، ولهم حينئذ فيما كان من هذا النوع
مذهبان:-
فمنهم: من يقلب الدال -المهملة- ذالًا -معجمة- ويدغم، فيقول: مذّرع بذال معجمة مشددة: مذَّكر.
ومنهم: من يقلب الذال المعجمة دالًا مهملة ويدغم، فيقول: مدّرع بدال
[ ١ / ٢٧٢ ]
مهملة مشددة.
فإن كان الحديث في رواية أبي داود بالذال المعجمة، فيكون المراد به ما سبق ذكره من الذراع، وإن كان بالدال المهملة على التقدير الذي ذكرناه، فيكون المراد به: المعنى المطلوب من الادِّراع -بالدال المهملة- مع الإبدال والإدغام الذي أشرنا إليه، وإلا فالادراع -بالدال المهملة- على غير هذا التقدير؛ إنما هو افتعال من الدرع -بالدال المهملة- وهو لبس الدرع والدراعة، وذلك بخلاف المطلوب من الحديث؛ لأنه إنما أراد أنه أخرج يديه لا أدخلهما.
وقال الأزهري: إن النبي - ﷺ - ادرع ذراعه من أسفل الجبة ادِّراعًا.
قال النضر: ادَّرَعَ ذراعيه أي أخرجهما، وكذا قال الهروي.
فإن كانت الرواية هكذا فقد زال ذلك التعسف، والذي قاله الخطابي في معالم السنن: أنه اذّرعهما بالتشديد والذال المعجمة، فالحديث رواه أبو داود، والخطابي إنما شرح روايته -واللَّه أعلم- والذي ذهب إليه الشافعي: جواز المسح على الخفين، وأنه رخصة للمسافر والمقيم، وبه قال عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وابن عباس، وغيرهم من الصحابة.
وقد قال الحسن البصري: حدثني سبعون من أصحاب النبي - ﷺ - أنه مسح على الخفين؛ وإليه ذهب عامة الفقهاء.
وروي عن الخوارج والشيعة إنكاره (١)، وحكي ذلك عن أبي بكر بن داود.
ثم اختلف في أحكام.
_________________
(١) ولهذا ترى علماء السنة يدخلون هذه المسألة -وهي من المسائل العملية- في مسائل الاعتقاد وذلك لبيان أنه لم يخالف في هذه المسأله إلا أهل البدع والضلالات، أما أهل السنة قاطبة فاتفقوا على العمل بهذه السنة. قال ابن أبي العز: تواترت السنة عن رسول اللَّه - ﷺ - بالمسح على الخفين وبغسل الرجلين، والرافضة تخالف هذه السنة المتواترة. شرح الطحاوية (٣٢٠) تحقيق أحمد شاكر. وانظر مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (٢١/ ١٢٨).
[ ١ / ٢٧٣ ]
فقال بتوقيت المسح للمسافر والمقيم: الشافعي، وأبو حنيفة، والثوري والأوزاعي، والحسن بن صالح، وأحمد، وإسحاق.
وقال مالك: المسافر لا توقيت له، وروى عنه في المقيم روايتان:-
أحدهما:- أنه يمسح بلا توقيت، والثاني: أنه لا يمسح.
وحكى الزعفراني عن الشافعي أنه كان يقول: يمسح بلا توقيت إلا أن يجب عليه غسل جنابة، ثم رجع عن ذلك قبل أن يخرج إلى مصر.
فقال الليث بن سعد، وربيعة: يمسح على الخفين إلى أن ينزعهما، ولم يفرقا بين المسافر والحاضر.
وروى ذلك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، والشعبي.
وقال داود:- يمسح خمس صلوات.
وأما ابتداء مدة المسح.
فعند الشافعي: من وقت الحدث.
وقال الأوزاعي، وأحمد، وأبو ثور، وداود: أولها من وقت المسح.
وأما الجورب فلا يجوز المسح عليه إلا أن يكون صفيقًا وله نعل، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والثوري.
وقال أحمد: يجوز المسح عليه وإن لم يكن له نعل، وروي ذلك عن عمر، وعلي، وإليه ذهب أبو يوسف، ومحمد، وداود.
وأما الجرموق: فذهب مالك إلى أنه لا يجوز المسح عليه، في إحدى الروايتين.
وقال الشافعي: إن كان الجرموق قويًّا والخف ضعيفا جاز المسح عليه، وإن
[ ١ / ٢٧٤ ]
كان ضَعِيفًا والخف قويًا لم يجز، وان كانا قويين لم يجز على الجرموق في القول الجديد، وفي القديم يجوز، وبه قال المزني.
وقال أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق: يجوز، والجورب والجرموق متقاربان.
وهو الذي يلبس فوق الخف، وهو خف قصير، وهو أيضًا الذي يلبسه الصوفية، وبالجملة فكل ما لبسه الإنسان في رجله، مما يقصر عن الخف ولا يسد مسده في تتابع المشي عليه؛ فهو عند الفقهاء جورب.
وهو معرب والجمع الجواربة، والهاء المعجمة مثل: الموازجة، والكيالجة ويقال: الجوارب أيضًا.
والفرق بين الجرموق والجورب: إنما هو من تخصيص الجرموق باللبس فوق الخف، والجورب قد يلبس فوق الخف ويلبس منفردًا.
أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن نافع، وعبد اللَّه بن دينار أنهما أخبراه أن عبد اللَّه بن عمر قدم الكوفة على ابن أبي وقاص -وهو أميرها- فرآه يمسح على الخفين فأنكر ذلك عليه عبد اللَّه، فقال له سعد: سل أباك؟ فسأله، فقال له عمر: إذا أدخلت رجليك في الخفين وهما طاهران (١) فامسح عليهما؛ قال ابن عمر: وإن جاء أحدنا من الغائط؟ فقال: وإن جاء أحدكم من الغائط.
هذا حديث صحيح، أخرجه الموطأ (٢) بالإسناد أتم من هذا، وأخرجه البخاري (٣) والنسائي (٤).
_________________
(١) وفي المسند بترتيب السندي (طاهرتان).
(٢) الموطأ (١/ ٥٩ - ٦٠ رقم ٤٢).
(٣) البخاري (٢٠٢).
(٤) النسائي (١/ ٨٢).
[ ١ / ٢٧٥ ]
فأما البخاري: فأخرجه عن أصبغ [عن] (١) ابن وهب، عن عمرو بن الحارث المخزومي، عن أبي النضر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد اللَّه بن عمر، عن سعد بن أبي وقاص: أن النبي - ﷺ - مسح على الخفين" وأن عبد اللَّه بن عمر سأل عمر عن ذلك؟ فقال: نعم، إذا حدثك سعد عن النبي - ﷺ - شيئًا فلا تسأل عنه غيره.
وأما النسائي: فأخرجه عن سليمان بن داود والحارث بن مسكين، عن ابن وهب، بإسناد البخاري: "أن النبي - ﷺ - مسح على الحفين".
لم يزد على هذا القدر.
وهذا الحديث مؤكد لجواز المسح على الخفين.
ويشبه إنكار ابن عمر على سعد؛ إنما هو لأنه رآه يمسح وهو مقيم أمير على الكوفة، فاستغرب المسح للمقيم، وإلا فابن عمر، ما كان يغيب عنه جواز المسح للمسافر، وهو من أعيان الصحابة وفقهائهم، وقد صحب رسول اللَّه - ﷺ - في أسفاره؛ وصحب أباه وغيره من الصحابة فما كان يجهل هذا القدر.
وأما مسح المقيم فجائز أن يغيب عنه ولا يعلمه، لأن المقيم قد يتوضأ في بيته في غالب الأمر؛ ولا يراه إلا من هو عنده من أهله وخاصته، فلذلك يكون قد خفي عليه فأنكره -واللَّه أعلم- وأما جواب عمر لابنه، فمن أبلغ الأجوبة وأكملها، لأنه لما رأى وقد خفي عليه جواز المسح؛ علم أنه يخفى عليه ما هو أخفى منه من حكم جواز المسح فقال له: إذا أدخلت رجليك في الخفين وهما طاهرتان فامسح عليهما.
فعرفه بذلك جواز المسح، والحال التي يجوز المسح عليها.
وكذلك ما أحسن أدبه -﵁- لما رأى ابنه وصغيره؛ وقد أنكر
_________________
(١) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدركته من صحيح البخاري، وأصبغ هو: ابن الفرج المصري.
[ ١ / ٢٧٦ ]
على سعد وهو الشيخ الكبير السابق إلى الإسلام [] (١).
الأول فيكون ست عشرة صلاة؛ فإن جمع في اليوم الرابع الظهر مع العصر؛ وصلاهما معًا في وقت الظهر كملت سبع عشرة صلاة.
وأما المقيم فأكثر ما يمكن أن يصلي سبع صلوات بشرط: أن يكون في اليوم الثاني قد صلى الظهر مع العصر؛ بنية الجمع بسبب المطر، فإذا انقضت مدة المسح وهو على طهارة؛ فلا يجوز له أن يصلي بذلك المسح؛ وعليه أن ينزع الخفين، ثم يغسل رجليه ويصلي أو يستأنف الوضوء. قال الحسن البصري: لا يبطل المسح بل يصلي إلى أن يُحْدِث.
وقال داود: يجب عليه النزع لكن يصلي إلى أن يحدث.
حيث انتهى بنا الكلام في هذا الحديث؛ رأينا أن نورد رواية الترمذي (٢) الطويلة، بلفظها وبذكر ما فيها من معنى، فإنه حديث حسن نافع.
قال زر بن حبيش: أتيت صفوان بن عَسَّال؛ أسأله عن المسح على الخفين، فقال: ما جاء بك يازر؟ قلت: ابتغاء العلم، قال: إن الملائكة تضع أجنحتها (٣) رضي بما يطلب، قلت: إنه حاك في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول؛ وأنت امرؤ من أصحاب رسول اللَّه - ﷺ - فجئتك أسألك، هل سمعته يذكر في ذلك شيئًا؟ قال: نعم، "كان يأمرنا إذا كنا في سفر أو مسافرين؛ أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة لكن من غائط وبول ونوم"، قال: فقلت: هل سمعته يذكر في الهوى شيئًا؟ قال: نعم، كنا مع رسول اللَّه - ﷺ - في سفر، فبينا نحن عنده إذ ناداه أعرابي بصوت جَهُوري: يا محمد، فأجابه رسول اللَّه - ﷺ - بنحو من صوته "هاؤم"، فقلنا له:
_________________
(١) وقع سقط في المخطوط والكلام غير متصل، وقد انتقل الكلام إلى حديث صفوان بن عسال في المسح على الخفين وهو برقم (١٢٢) من المسند بترتيب السندي.
(٢) الترمذي (٣٥٣٥).
(٣) في المطبوع من السنن زاد: (لطالب العلم).
[ ١ / ٢٧٧ ]
ويحك أغضض من صوتك فإنك عند النبي - ﷺ - وقد نهيتَ عن هذا، فقال: واللَّه لا اغضض! قال الأعرابي: المرء يُحبُّ القوم ولما يلحق بهم؟ قال النبي - ﷺ -: "المرء مع من أحب يوم القيامة" قال زر: فما زال يحدثني حتى ذكر بابًا من قِبَلِ المغرب مسيرة عرضه أو يسير الراكب في عرضه أربعين أوسبعين عامًا، قال سفيان: قِبَلَ [الشام] (١) خلقه اللَّه يوم خلق السموات والأرض مفتوحًا يعني للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه.
زاد في رواية، وذلك قول اللَّه -﷿ ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ (٢).
"الهوى": مقصورًا هوى النفس وميلها إلى الشيء وحبها له، وهذا الشيء أَهْوى إِليَّ من كذا أي: أَحَبُّ، تقول: هَوِىَ بالكسر يَهْوَى بالفتح -إذا أحبه.
"وبَيْنا" مثل: بينما وأصلها "بين" فَأُشْبِعَتْ الفتحةُ فصارت أَلِفًا، "وبينما" زيدت عليها "ما" تقول: بينما منتظره أتانا، أي أتانا بين أوقات انتظارنا إياه، فحذفت المضاف الذي هو أوقات، وولى الظرف: الذي هو "بين" الجملة التي أقيمت مقام المضاف إليها، وكذلك بَيْنا ولا يجاب إلا بالفعل. وكثير من الناس يتلقاها بـ "إذ"، يقولون: بينا زيد جالس إذ دخل عمرو.
"والأعرابي": منسوب إلى الأعراب -بفتح الهمزة- وهم سكان البادية من العرب خاصة، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وليس جمع عرب، وإنما العرب اسم جنس، وإنما جاء النسب إليه على لفظ الجمع؛ لأنه لما لم يكن له واحد من لفظه صار كأنه واحد، فنسب إليه على حالته.
"والصوت الجَهُوري": هو القوي العالي، جهر بالقول وجهور رفع به صوته، وهو رجل جَهُوري الصوت، وجهير الصوت.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين بالأصل [اللَّه] والصواب هو المثبت؛ وهو لفظ السنن والتصحيح منه.
(٢) الأنعام: [١٥٨].
[ ١ / ٢٧٨ ]
وقوله: "هاؤم": بمعنى تعالوا، وهو صوت يصوّت به فيفهم منه معنى "خذ".
وقوله "فأجابه بنحوٍ من صوته": يشبه أن تكون تعلية النبي - ﷺ - رفع صوته، حتى كان مثل صوته أو نحوه، لفرط رأفته وشفقته على أمته.
وفي ذلك: دليل على استحباب احتمال دالَّةِ (١) التلامذة؛ والصبر على أذاهم لما يرجى لهم من حميد العاقبة والإصلاح.
"وويح": كلمة تقال لمن يُشْفَقُ عليه أو يرحم، بخلاف "ويل" فإنها تقال لمن ينكر عليه ويغضب، تقول: ويح لزيد، وويل لزيد، فترفعها على الابتداء، وتقول: ويحًا لزيد، وويلًا لزيد، فتنصبها بإضمار فعل، كأنك قلت: أَلْزَمَهُ اللَّه ويحًا وويلًا ونحو ذلك، ولك أن تقول:
ويحك وويح زيد، وويلك وويل زيد، بالإضافة فتنصبهما أيضًا بإضمار فعل.
"وغض الصوت": إخفاؤه، تقول: غَضَّ صَوْتَهُ ومن صوته أي خفضه، وكل شيء كفْته فقد غضضته، والأمر منه في لغة الحجاز اُغْضُضْ، وفي لغة نجد غُضَّ.
وفي قوله "المرء مع من أحب": دليل على أنه أقام المحبة؛ والمشايعة في الخير والطاعة مقام العمل بها، في اشتراك المحب والمحبوب معًا في الثواب والعقاب في يوم (٢).
"ولمَّا": هنا حرف جزم مثل: "لم" تقول: لم يَقُمْ زيد، ولما يَقُمْ بكر.
وقوله "لما يلحق بهم": يريد أنه لم يلحقهم في الطاعة والعبادة والخير،
_________________
(١) أي: انبساطهم.
(٢) كذا بالأصل ولعله سقط قوله (القيامة).
[ ١ / ٢٧٩ ]
وتقول: بيني وبينك مَسِيرُ شهرٍ ومسيرة شهرٍ بمعنىً، وإنما أتت اللفظة لأنه أراد به المرة الواحدة من السير.
"وعرض الشيء" خلاف طوله، وإنما خَصَّ العرض بالذِّكْر؛ لأنه إذا كان صفة عرضه الذي هو أبدًا دون الطول في الغالب؛ فما ظنك بالطول الذي هو أكثر منه، وعلى ذلك جاء قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ (١).
وليس في ذوات الأقدار ما عرضه أكثر من طوله، إلا ما جاء في الاصطلاح والوضع الخارج من الوضع اللغوي؛ فمن ذلك بروج السماء الاثني عشر عرضها أكثر من طولها، وذلك أن الفلك مقسوم اثنى عشر قسما من جهة الشرق إلى جهة الغرب مارًّا إلى أن يعود إلى جهة الشرق، وهذه الأقسام أيضًا قاطعة من جهة الجنوب إلى جهة الشمال مارة إلى أن ترجع إلى حيث ابتدأت من جهة الجنوب مجتازة على النقطتين الجنوبي والشمالي، فيحصل من هذه القسمة اثنى عشر قسمًا، هي أشبه الأشكال بقسمة أضلاع البطيخة المضلعة، فما كان من هذه الأقسام من جهة أحد النقطتين إلى الآخر فهو عرض البرج، وما كان منها من جهة الشرق إلى الغرب فهو طول البرج، فيكون مقدار العرض مائة وثمانين درجة، لأنه نصف الفلك، ويكون مقدار الطول ثلاثين درجة، لأنه واحد من اثنى عشر قسمًا من الفلك.
وسبب هذا الاصطلاح هو من مسير الشمس في البرج، فإنها تبتدئ من أول البرج وتقطعه في الدرج المقدر لها وهي ثلاثون؛ ومسيرها فيه إنما هو فيما بين المشرق والمغرب؛ لا ما بين الجنوب والشمال، فلذلك سموا ما تقطعه الشمس من البرج طولًا.
_________________
(١) آل عمران (١٣٣).
[ ١ / ٢٨٠ ]
"والسموات": جمع سماء، وهو كل ما علاك فأظلك، وهي تذكر وتؤنث والتأنيث أكثر.
"والأرض": مؤنثة وهي اسم جنس، وقد جمعوها في أَرَضَات بتحريك الراء، أرَضين أيضًا بالتحريك، وقيل: إنهم قالوا فيها: أراض بالمد، ولم ترد في التنزيل إلا مفردة.
"والتوبة": الرجوع عن الذنب، وتاب إلى اللَّه توبة ومتابًا وتاب اللَّه -﷿- عليه: وفقه للتوبة، وحقيقة التوبة المعتبرة شرعًا: هو أن ينوي بقلبه الإقلاع عن الذنب مع الندم على ما كان من مباشرته؛ وترك العمل به والرجوع إليه، نِيَّةً جازمة وتركًا مبتوتًا غير متعلق بزمن ولا متناه إلى أمد.
"والآيات": جمع آية، وهي العلامة، والمراد بها: أشراط الساعة التي تتقدم عليها وتجيء أمامها، فمن أولها طلوع الشمس من مغربها.
وقوله: "لا ينفع نفسًا إيمانها": المعنى أن اشراط الساعة إذا جاءت وهي آيات مضطرة ذهب أوان التكليف عندها، فلا ينفع الإيمان حينئذ نفسًا غير مقدمة إيمانها من قبل ظهور الآيات، أو مقدمة إيمانها غير كاسبة في إيمانها خيرًا.
هذا ما عنّ لنا ذكره من معنى رواية الترمذي-واللَّه أعلم-
وأخبرنا الشافعي، أخبرنا عبد الوهاب الثقفي قال: حدثني المهاجر أبو مخلد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه عن رسول اللَّه - ﷺ -: "أنه أرخص للمسافر أن يمسح على الحفين ثلاثة أيام ولياليهن؛ والمقيم يومًا وليلة".
قال البيهقي في كتابه (١) في آخر هذا الحديث: قال الشافعي: إذا تطهر فلبس
_________________
(١) وهو المعرفة (٢/ ١٠٨ - ١٠٩).
[ ١ / ٢٨١ ]
خفيه أن يمسح عليهما.
قال: ورواه بندار وغيره، عن الثقفي بإسناده نحوه وقال فيه:
إذا تطهر ولبس خفيه أن يمسح عليهما، ولم يقل في أوله: "أن يمسح على الخفين".
ثم قال البيهقي: هذه الزيادة غلط من الربيع جعلها من قول الشافعي؛ وزاد في أول الحديث: "أن يمسح على الخفين".
قال: وقد رواه حرملة، والمزني عن الشافعي وجعلا هذه الزيادة موصولة بالحديث، وليست من قول الشافعي.
ولذلك رواه جميع من رواه ولم يذكره في أول الحديث: "أن يمسح على الخفين" وهذا حديث صحيح (١).
قال الشافعي في سنن حرملة: وإنما أخذنا في التوقيت بحديث المهاجر وكان إسنادًا صحيحًا.
وشد المسافر حديث صفوان بن عسال فقال الترمذي (٢): سألت محمدًا -يعني البخاري- قلت أي حديث أصح عندك؛ في التوقيت في المسح على الخفين؟ فقال: حديث صفوان بن عسال، وحديث أبي بكرة حسن.
"الرُّخْصَة": ضد العزيمة، وكأنها من الرخص ضد الغلاء، والرَّخْص الناعِمُ، رَخُصَ الشيء: فهو رخيص وأرخصه غيره.
"وأن يمسح": في موضع نصب، لأنه مفعول "أرخص" أي أرخص له المسح.
_________________
(١) ونقل الحافظ في التلخيص (١/ ١٥٧) تصحيحه عن الخطابي. وراجع شواهده في نصب الراية (١/ ١٦٨).
(٢) العلل الكبير (٥٤ - ٥٥).
[ ١ / ٢٨٢ ]
"واللام" في "للمسافر": لام الملك أي أن الرخصة له لا لغيره، مثل قولك: الثوب لزيد، ويجوز أن تكون اللام لام أجل، أي أرخص المسح لأجل المسافر؛ وفي جعلها لام أجل زيادة معنى؛ وذلك أنه يكون قد يعرض لذكر العلة الداعية إلى الرخصة وهو السفر؛ بخلاف الأول.
فأما اللام التي في "المقيم" فلا يحسن إلا أن تكون لام الملك، لأن سبب الرخصة في حقه منتفٍ وهو السفر، ومع ذلك فقد رخص له، فجعل اللامين معنى لمعنىً واحد أولى من جعلها لمعنيين مختلفين.
"واليوم": الزمان الذي تكون الشمس فيه ظاهرة على وجه الأرض وهو والنهار بمعنىً، هذا هو الأصل.
وقد جعل الشرع أول النهار منذ طلوع الفجر الثاني إلى أن تغيب الشمس هذا هو النهار عنده.
"والليل" خلاف "النهار" وهو: الزمان الذي تكون الشمس فيه غائبة عن وجه الأرض.
وقوله في النهار والليل وجه الأرض: إنما هو بالنسبة إلينا وجهها، وإلا فكل سطح الأرض وجهها، وإنما يخص كل قطر منها قومًا هم ساكنوه، فما كان عندهم فهو وجه الأرض، وما كان في مقابل جهتهم فهو ظهرها، وهذا اسم إضافي.
وإنما قال: "لياليهن" ولم يقل لياليها، لأن نون التأنيث تَخُصُّ جَمْع القِلَّة، وحيث كان الأيام ثلاثة جاء بما يقتضي العدد القليل.
"والليالي" جمع ليلة على غير قياس، لأنهم زادوا فيه ياء ولا ياء في الأصل، كما قالوا في أهل أَهلل، وقيل: إن الأصل فيه ليلات فحذفت.
وأما "ليلة": فهو واحدة وجمعها ليل، مثل: تمرة وتمر، وهذا وإن كان
[ ١ / ٢٨٣ ]
جمعًا فإن المحققين من النحويين لا يسمونه جمعًا، ويقولون:
هو جنس ولهذا يقع على القليل والكثير، وجمعها الحقيقي ليلات.
وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش قال: رأيت أنس بن مالك أتى قباء، فبال، وتوضأ، ومسح على الخفين، وصلى.
هذا الحديث: أخرجه الشافعي في كتاب اختلافه مع مالك، وقد أخرجه مالك في الموطأ بالإسناد قال: إنه أتى قباء فبال؛ ثم أتي بوضوء فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ومسح برأسه ومسح على الخفين؛ ثم جاء المسجد فصلى.
وقد أخرجه من رواية المزني، عن سفيان، عن رباح بن محمد العجلاني، عن أبيه قال: (رأيت) (١) أنس بن مالك بقباء فبال؛ ثم مسح ذكره بالجدار وتوضأ ومسح على خفيه، ثم دخل مسجد قباء.
مسجد مشهور (٢) وهو الذي أسس على التقوى في قول.
وقباء يعرف ولا يصرف، فإن ذهب ذاهب إلى أنه قد روى (عن بعض) (٢) أصحاب رسول اللَّه - ﷺ - أنه قال: سبق الكتاب المسح على الخفين.
فالمائدة نزلت قبل المسح المثبت بالحديث في غزوة تبوك.
فإن زعم: أنه كان فرض الوضوء قبل الوضوء الذي مسح رسول اللَّه - ﷺ - بعده أو فرض وضوءه بعده فنسخ المسح، فليأتنا بفرض وضوءين في القرآن، فإنا لا نعلم فرض الوضوء إلا واحدًا.
أو إن زعم: أنه مسح قبل أن يفرض عليه الوضوء، فقد زعم أن الصلاة بلا وضوء، ولا نعلمها كانت قط إلا بوضوء، فأي كتاب سبق المسح على الخفين؟
قلت: هذا الصحابي الذي ذكر الشافعي أنه روى عنه هذا الكلام، هو:
_________________
(١) ما بين المعقوفتين جاء مكررًا بالأصل.
(٢) أي: قُباء.
[ ١ / ٢٨٤ ]
علي ابن أبي طالب -﵁- ولم يرو هذا الكلام عنه بإسناد موصول صحيح تقوم به الحجة (١)، وقد روى عنه من وجه صحيح تقوم به الحجة خلاف [] (٢):.
الحلاب فأخذ بكفه فبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر.
وقال الأزهري: أراد بالجلاب هنا ماء الورد، وهو فارسي معرب، لأن الورد كل والماء أب، فلما عربوه أبدلوا الكاف جيمًا لقرب المخرجين. قال الأزهري: وذهب بعض أصحاب المعاني؛ إلى أنه الحلاب -بالحاء- وهو تحلب فيه الغنم.
يعني أنه كان يغتسل في ذلك الحلاب، فصحف في هذا الحديث.
في كتاب صحيح البخاري، إشكال ربما ظن الظان أنه قد تأوله على الطيب لأنه ترجم الباب فقال: من بدأ بالحلاب والطيب عند الغسل (٣)، وفي بعض النسخ أو الطيب، ولم يذكر في هذا الباب غير هذا الحديث (٤).
وهذا يدل منه على أنه يجوز أن يكون أراد الجلاب -بالجيم- ويعضده ما فسره الأزهري في كتاب التهذيب وإنكاره على من ذهب إلى أنه بالحاء.
وأما باقي الأئمة الذين أخرجوه، فإن مسلمًا (٥) لم يترجم عليه بابًا يخصه، إنما جمع أحاديث الغسل في باب واحد، وذلك من فعله يدل على أنه أراد الآنية لا الطيب.
وأما أبو داود (٦) فأخرجه في باب الغسل من الجنابة، وذكره مع غيره من الأحاديث، فلا تعلق له بذكر الطيب.
وأما النسائي (٧): فأخرجه في باب استبراء البشرة في الغسل من الجنابة، وذكره مع غيره من الأحاديث، ولم يعرض لذكر الطيب.
_________________
(١) وقال البيهقي في المعرفة (٢/ ١١٩): لم يصح عن علي ما رُوي عنه من إنكار المسح على الخفين.
(٢) وقع سقط في الأصل.
(٣) كتاب الغسل باب رقم (٦) رقم الحديث (٢٥٨). وانظر في ذلك بحثًا نفيسا للحافظ في الفتح (١/ ٤٤٠) في شرحه لهذا التبويب.
(٤) ولفظه: "كان النبي - ﷺ - إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب فأخذ بكفه، فبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر، فقال بهما على رأسه".
(٥) أخرجه مسلم برقم (٣١٨).
(٦) أبو داود برقم (٢٤٠).
(٧) النسائي (٤٢٤).
[ ١ / ٢٨٥ ]
إلا أن الحاء أشبه من الجيم وأولى، فإن العادة لمن أراد أن يستعمل الطيب؛ إما أن يستعمله بعد الغسل ليبقى أثره وفائدته حاصلة بعد الغسل؛ ومتى قَدَّمَ الطِّيبَ على الغسل؛ ذهبت فائدته بالغسل بعده لأنه يزيله.
ويعضد ذلك: ما ذكره الخطابي في معالم السنن (١)، فإن الحلاب إناء يسع قدر حَلْبَةِ ناقةٍ، قال: وذكره محمد بن إسماعيل البخاري في كتابه، وتأوله على استعمال الطيب في الطهور، قال: وأحسبه توهم أنه أراد المحلب الذي يستعمله الناس في غسل الأيدي، وليس هذا من الطيب في شيء، وإنما هو
على ما فسرته لك. انتهى كلام الخطابي.
وقوله: "ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه" أي أفاض بهما الماء على رأسه.
فأجرى قال: مجرى فعل و"وسط الشيء" -بفتح السين وسكونها- ما كان بعده من جميع أطرافه سواء؛ إلا أنه بالفتح مخصوص بما لايتبين أجزاؤه بعضها من بعض؛ كالحلقة من الناس والعقد والسبحة، تقول: جلست وَسَطَ الدار والسفينة فتفتح، وجلست وَسْطَ الحلقة، والدُّرَّة وسط العقد فتسكن.
وقيل: بالسكون هو طرف الشيء فلا يختص حينئذ بشيء، ويجرى في المتصل الأجزاء والمنفصل.
وبالفتح: هو اسم لما بين طرفي كل شيء، قالوا: وكل شيء صلح فيه بين هو ساكن السين، ولم يصلح فيه بين فهو بالفتح، وربما سكن وليس بالوجه.
"وأروى": أفعل من الرِّيِّ خلاف العطش، تقول: رَوِيتُ من الماء -بالكسر- أَرْوَي -بالفتح- رِيًّا وَريَّا ورِوىً وأرويتُه أنا.
"والبشرة والبشر": ظاهر جلد الإنسان.
ويريد بقوله: "أروى البشرة"، أنه أوصل الماء إلى جميع جلده؛ إلا وقد
_________________
(١) معالم السنن (١/ ٨٠).
[ ١ / ٢٨٦ ]
وصل الماء إلى ما عليه من الشعر.
"وأَنْ" في قوله: "حتى إذا ظن أَنْ قد أروى"، هي المخففة من الثقيلة، التقدير: حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته.
"والظن" هنا يجوز أن يكون بمعنى العلم، وبمعنى الظن، فإنه من الأضداد؛ فإن كان بمعنى "العلم": فقد استيقن الطهارة، وإن كان بمعنى "الظن": فقد أتى بما يجب عليه شرعًا؛ فإنه لا يكلف زيادة على ذلك.
"وسائر الشيء": باقيه وهو من "السؤر": البقية، وبعض من لا علم عنده يضعها موضع الجميع وليس بصحيح، وإن كان قد كثر استعمال ذلك في الألسنة قال الشنفري:-
إذا احتملوا رأسي وفي الرأس أكثري وغودر عند الملتقى ثم سائري.
أي جسدي، وهو الباقي منه بعد الرأس.
"والاستبراء": استفعال من البرء، وهو طلب براءة الشيء وخَلَاصُهُ مما يتهم به ويظن فيه، ومنه "استبرأت الجارية" إذا طلبت براء رحمها من الحمل، فالمعنى حتى إذا رأى أنه قد أزال ما كان [] (١).
وللتطهر به صورة تخصه والتراب به وله صورة تخصه وهذه كذلك للتطهر بها صورة تخصها؛ وهي التمسح بها وتتبع بها أثر الدم.
وقوله "توضئي بها": يريد تطهري، فإن الوضوء طهارة.
"والسِّدْرُ": وَرَقُ النبق، وهو غسُولٌ معروف.
وقوله: "فتطهر" الأصل فتتطهر: فأدغم إحدى التائين في الأخرى.
وقوله: "تَطَهَّرين وتَتَبِّعينَ" الأصل فيهما تَتَطَهَّرين وتَتَتَبَّعِين فأدغم طلبًا للخفة، ويجوز أن يكون بتخفيف الطاء من تطهرين، والتاء الثانية من تتبعين
_________________
(١) وقع سقط في المخطوط.
[ ١ / ٢٨٧ ]
ويكون قد حذف التاء الواحدة تخفيفًا.
وقوله: "أو تبلغ الطهور" أي تنتهي وهو معطوف على فتحسن.
وهذا الشك من أحد الرواة؛ كأنه شك هل قال: فتحسن أو تبلغ؛ ويجوز أن يكون من لفظ الحديث، أي أنه لما قال: فتحسن الطهور توهم أنها ربما لا تأتي به حسنًا فقال: أو تبلغ الطهور، فإن البلوغ إليه قد يكون حسنًا وقد لا يكون حسنًا.
ويريد "بالحسن": الكمال والإتيان بجميع فرائضه وسننه.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن غُسْلَ الحيض كغسل الجنابة، وتزيد عليه بالطيب فإن لم تجد طِيبًا فالماء كاف فيه.
والمرأة التي سألت النبي - ﷺ - عن الغسل هي: أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية، إحدى نساء بني عبد الأشهل، وتكنى أم عامر، وقيل أم سلمة وقيل: اسمها فكيهة، وهي مدنية مِن المُبايعات، ويقال: إنها بنت عم معاذ بن جبل أو بنت عمته، وكانت من ذوات العقل والدين، شهدت اليرموك وقتلت من الكفار بعمود فسطاط.
وروى عنها: محمود بن عمر، ومهاجر، وشهر بن حوشب.
***
[ ١ / ٢٨٨ ]