في وصف العلماء له
من أولى ما نذكر في هذا الفصل -مُقَدَّمًا في أوله- تأويل حديث النبي - ﷺ -:
"لا تسبوا قريشًا فإن عالمها يملأ الأرض علمًا" (١) والحديث قد [أخرجه] (٢) ابن مسعود أن النبي - ﷺ - قال: "لا تسبوا قريشًا فإن عالمها يملأ الأرض علمًا، اللهم إنك أذقت أولها عذابًا -أو وبالًا- فأذق آخرها نكالًا" وقد [أخرج] (٢) أبو هريرة نحو دلك.
قال الإمام أبو نعيم: عبد الملك بن محمد (٣): في قول النبي - ﷺ - "فإن عالمها يملأ الأرض علمًا" علامة بينة للمميز المنصف أن المراد بذلك رجل من علماء هذه الأمة من قريش قد كثر علمه وانتشر في البلاد، وكتبوا تآليفه كما تكتب المصاحف واستظهروا أقواله، وهذه صفة لا نعلمها أحاطت إلا بالشافعي، إذ كان كل واحد من علماء قريش من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وإن كان علمه قد ظهر وانتشر فإنه لم يبلغ مبْلغًا يقع تأويل هذه الرواية عليه إذ كان لكل واحد منهم نتف وقطع ومسألات وليس في كل بلد من بلاد الإسلام مدرس، وَمُفْتٍ، ومصنف يصنف على مذهب قريش إلا على مذهبه،
_________________
(١) حديث ضعيف جدَّا، وقد خَرَّجَ العلامة الألباني -﵀- الحديث في الضعيفة (٣٩٨) وقالا: ضعيف جدًّا.
(٢) كذا بالأصل، وهو إطلاق على خلاف الجادة.
(٣) هو الإمام الحافظ الثقة عبد الملك بن محمد بن عدي الجُرجاني الفقيه الشافعي. وراجع ترجمته من السير (١٤/ ٥٤١). (*) قال معد الكتاب للشاملة: كذا في المطبوعة، ولعل صوابها: "الفصل السادس"، والله أعلم.
[ ١ / ٤٩ ]
فعلم أنه بعينه لا غيره، وهو الذي شرح الأصول والفروع، وازدادت على مر الأيام حسنًا وبيانًا (١).
وقد روى أبو هريرة عن النبي - ﷺ - أنة قال: "إن اللَّه يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" (٢).
قال أحمد بن حنبل -﵀: نظرنا فإذا في رأس المائة الأولى عمر بن عبد العزيز، وفي رأس المائة الثانية محمد بن إدريس الشافعي.
وقال بلال الخواص: كنت في تيه بني إسرائيل وإذا رجل يماشيني فعجبت، ثم ألهمت أنه الخضر. فقلت: بحق الحق من أنت؟ قال: أنا أخوك الخضر.
قلت: أريد أن أسألك. قال: سل.
قلت: ما تقول في الشافعي؟ قال: مؤمن الأوتاد. قلت: فأحمد؟ قال: صديق. قلت: فبشر بن الحارث؟
قال: لم يخلف بعده مثله. قلت: بأي وسيلة رأيتك؟
قال: ببرك أمك (٣).
وقال مالك للشافعي: يجب أن تكون قاضيًا -وكان القضاء في ذلك الزمان أعْلى المراتب وأجلها ولا يصلح له إلا الآحاد من الناس. وقال مالك: ما يأتيني قرشي أفهم من هذا الفتى-يعني الشافعي- وكان سفيان بن عيينة إذا جاءه شيء من الفتيا والتفسير يُسأل عنهما التفت إلى الشافعي فيقول: سلوا هذا.
وروي أن ابن عيينة روى حديثًا من الرقائق فغشي على الشافعي، فقيل له: قد
_________________
(١) انظر تاريخ بغداد (٢/ ٦١).
(٢) أخرجه أبو داود وغيره وصححه الألباني -﵀- في الصحيحة (٥٩٩).
(٣) النكارة بادية على هذا الأثر، وبلال الخواص لم أقف له على ترجمة، وقد أخرجه أبو نعيم في الحلية (٩/ ١٨٧) مختصرًا لكنه جعلها رؤيا منامية.
[ ١ / ٥٠ ]
مات؛ فقال: إن مات فقد مات أفضل أهل زمانه.
وقال الحميدي: سمعت مسلم بن خالد الزنجي يقول للشافعي: أفتِ يا أبا عبْد اللَّه، فقد آن لك أن تُفْتي، وهو ابن خمس عشرة سنة.
وكتب عبد الرحمن بن مهدي إلى الشافعي -وهو شاب- أن يضع له كتابًا فيه معاني القرآن، ويجمع له نقول الأخبار وفيه حجة للإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة؛ فوضع له كتاب "الرسالة" وقال عبد الرحمن: ما أصلي صلاة إلا وأنا أدعو للشافعي فيها. وقال يحيى بن سعيد القطان: إني لأدعو اللَّه للشافعي في كل صلاة. يعني لما فتح اللَّه عليه من العلم ووفَّقه للسداد فيه.
وقال أيوب بن سويد الرملي -لما رأى الشافعي-: ما ظننت أني أعيش حتى أرى مثل هذا الرجل، ما رأيت مثله قط. وكان قد رأى الأوزاعي ومالكًا والثوري. وقال الزبير بن بكار: قال لي عمي مصعب: كتبت عن فتى من بني شافع من أشعار هذيل ووقائعها وقرأ لم تر عيناي مثله. قلت: لم تر عيناك مثله؟! قال: نعم يا بنيّ لم تر عيناي مثله. وكان مصعب قد رأى مالكًا ومن عاصره من العلماء بالمدينة.
قال الشافعي: كان محمد بن الحسن يقرأ عليّ جزءًا فإذا جاء أصحابه يقرأ عليهم أوراقًا، فقالوا له إذا (١) وكتاب خلاف أهل العراق علي وعبْد اللَّه، وكتاب سير الأوزاعي، وكتاب الغصب، وكتاب الاستحقاق، وكتاب الأقضية، وكتاب إقرار أحد الاثنين وكتاب الصلح، وكتاب قتال أهل البغي، وكتاب الأسارى والغلول، وكتاب القسامة، وكتاب الجزية، وكتاب السرقة والقطع، وكتاب الحدود، وكتاب المرتد الكبير، وكتاب المرتد الصغير، وكتاب الساحر والساحرة، وكتاب القراض، وكتاب الأيمان والنذور، وكتاب
_________________
(١) وقع سقط من الخطوط بمقدار ورقة تقريبًا.
[ ١ / ٥١ ]
الأشربة، وكتاب الوديعة، وكتاب العُمرى، وكتاب بيع المصاحف، وكتاب خطأ الطبيب، وكتاب جناية معلم الكتاب، وكتاب جناية البيْطار والحجام، وكتاب اصطدام الفارسين والتنشين، وكتاب بلوغ الرشيد، وكتاب اختلاف الزوجين في متاع البيت، وكتاب صفة البغي، وكتاب فضائل قريش وبني هاشم والأنصار، وكتاب الوليمة وكتاب صول الفحل، وكتاب الضحايا، وكتاب البَحِيرة والسَّائبة، وكتاب قسم الصدقات، وكتاب الاعتكاف، وكتاب الشفعة، وكتاب السبق والرمي كتاب الرجعة، وكتاب اللقيط والبنوة وكتاب الحوالة والكفالة، وكتاب كراء الأرض، وكتاب التفليس، وكتاب اللقطة فهذه الكتب التي يرويها محمد بن صالح بن الحسن بن زياد، عن الربيع بن سليمان إجازة لنا بخطه.
وهذا ذكر ما يفوق السحر من كتب الشافعي -﵀- مما يدخل في العدد:
كتاب فرض الصدقة، وكتاب قسم الفيء، وكتاب القرعة، وكتاب صلاة الخوف، وكتاب الديات، وكتاب الجهاد، وكتاب جراح العمد، وكتاب الخرص، وكتاب العتق، وكتاب الأولياء، وكتاب إبطال الاستحسان، وكتاب العقول، وكتاب الرد على محمد بن الحسن، وكتاب سير الواقدي، وكتاب اختلاف مالك والشافعي، وكتاب حبل الحبلة، وكتاب قطاع الطريق.
وسمعت أبا بكر بن محمد بن صالح بن الحسن بن زياد بالبصرة يقول: الذي لم يسمعه الربيع من الشافعي -﵀- من الكتب: كتاب الوصايا الكبير، وكتاب جماع العلم، وكتاب خلاف أهل العراق علي وعبد اللَّه، فكان الربيع يقول فيها: قال الشافعي. وزاد عبد الملك بن محمد بن عبد الوهاب الشعراني في كتب الشافعي على محمد بن صالح البغوي: كتاب درجات الخطايا، وكتاب قتل المشركين، وكتاب الإقرار بالحكم الظاهر، وكتاب مسألة الجنين، وكتاب الأجناس، وكتاب فرض اتباع النبي - ﷺ -، وكتاب ذبح بني
[ ١ / ٥٢ ]
إسرائيل، وكتاب غسل الميت، وكتاب ما ينجس الماء مما يخالطه وكتاب الأمالي في الطلاق، وكتاب مختصر البويطي وكتاب وصية الشافعي. قال الربيع بن سليمان: أقام هاهنا الشافعي يعني: بمصر أربع سنين فأملى ألفًا وخمسمائة ورقة وخرج كتاب الأم ألفي ورقة، وكتاب السنن، وأشياء كثيرة كلها في أربع سنين وكان عليلًا شديد العلة -رحمة اللَّه عليه-.
ما استصوبنا إيراده من مناقب الشافعي -﵀- وإن كانت يسيرة في جنب مناقبه وفضائله، وحيث انتهينا إلى الغرض المطلوب من ذلك، فلنشرع في ذكر مقدمة تتضمن عقودًا من أصول. الحديث مختصرة، يحتاج إلى معرفتها الراغبون في علم الحديث ممن يربأ بنفسه عن الاقتصار على مرتبة الرواية -وإن لم يطمع في إعلاء درجة الرواية. على أننا قد بسطنا القول في ذلك- وإن لم نكن استوفينا في مقدمة كتاب "جامع الأصول في أحاديث الرسول" وهاهنا نذكر على سبيل الإشارة والتنبيه على المقصد في أربعة فصول.
الفصل الأول: في طريق نقل الحديث وروايته؛ وفيه سبعة فروع؛
الفرع الأول: في صفة الراوي.
لراوي الحديث أوصاف وشروط لا يجوز قبول روايته دون استكمالها وهي أربعة: الإسلام والتكليف والضبط والعدالة، وقد شرط قوم العدد فلم يقبلوا إلا رواية رجلين يروي عن كلٍّ رجلان، وقال قوم: لا بد من أربعة رجال تعظيمًا لشأن الحديث، والأصل الأول؛ فلا يقبل رواية الكافر ولا الصبي؛ نعم إذا تحصل الحديث وهو صبي ورواه بالغًا قبلت روايته وأصحاب الحديث يجيزون رواية ما سمعه الصبي الصغير وإن لم يعلم عند التحمل ما سمع، وأكثرهم على أنه لا يجوز سماع من له دون خمس سنين، وأما أهل الفقه فلا يرون ذلك بل لابد من تمييز الصبي عند التحمل، ولابد من ضبط ما سمع وحفظه حتى يؤديه كما سمعه فالاعتبار بضبط اللفظ وإن لم يعرف المعنى ومنهم من اشترط المعنى
[ ١ / ٥٣ ]
وهذا حجر يتعذر مع العمل به رواية الحديث إلا على الآحاد ولا تجوز رواية الفاسق ولا صاحب بدعة وهوى في دينه يدعو إلى هواه على أن جماعة من أئمة الحديث قد أخذوا عن جماعة من الخوارج والقدرية والغلاة وتخرج عن الأخذ عنهم آخرون.
وللراوي صفات أخرى ليست شرطًا ولكنها مكملات منها: العلم والفقه، ولا يشترط ذلك، ومنها مجالسة العلماء وسماع الحديث فليس شرطًا بل تقبل رواية الأعرابي ومن لم يجالس أحدًا من أهل العلم، ومنها معرفة نسب الراوي ليست شرطًا بل تقبل رواية المجهول النسب.
الفرع الثاني: في مستند الراوي وكيفية أخذه.
راوي الحديث لا يخلو في تلقيه الحديث من طرق ست؛ الأولى -وهي العليا-: قراءة الشيخ في معرض الإخبار ليروي عنه، وذلك إذْن منه للراوي على أن يقول: حدثنا، وأخبرنا، وقال فلان، وسمعته يقول.
وقد فرق قوم بيْن "حَدَّثنا"، "وأخبرنا" فقالوا: "حدثنا" عبارة عما سمعته من لفظ الإمام مع الناس، و"حدثني" ما سمعته وحدك و"أخبرنا" ما قُرئ على الإمام وأنت حاضر، "وأخبرني" ما قرأته على الإمام، والصحيح أنه لا فرق بينهما، وعليه الأكثر، وأما "أنبأنا" فإن أهل الحديث يطلقونه على الإجازة والمناولة دون القراءة والسماع اصطلاحًا وإلا فلا فرق بين الإنباء والإخبار.
[ ١ / ٥٤ ]
الطريق الثانية: أن يقرأ على الشيخ وهو ساكت، فهو كقوله: هذا صحيح [فتجوز الرواية] (١) -خلافًا لبعض الظاهرية- لأنه لو لم يكن صحيحًا لكان سكوته عليه -وهو يقرأ- وتقريره له فسقًا قادحًا في عدالته؛ وهذا إذْن من الشيخ بأن يقول الراوي: "حدثنا" "وأخبرنا" قرءاة عليه، وقال قوم: لا يجوز أن يقول فيه: "حدثنا" ويقول فيه "أخبرنا"، وأما قوله "حدثنا" "وأخبرنا" مطلقًأ ففيه خلاف ثم القراءة على الشيخ إخبار، وإليه ذهب العلماء والفقهاء ومعظم أهل الحديث فقد ذهب قوم إلى أن القراءة على الشيخ أعلى من قراءَة الشيخ وأحوط.
الطريق الثالثة: سماع ما يُقْرَأ على الشيخ ويتنزل منزلة القراء عليه لكنها ينقص عنها بأن السامع [] (٢) وحينئذ يقول الشيخ: حدثني فلان على أني حدثته.
والثاني: أن يقول الشيخ بخلاف الخبر فإن كان قبل الرواية فلا يكون تكذيبًا بوجه وكذلك إذا لم يعلم التاريخ، وأما إن كان بعد الرواية فإن كان يحتمل التأويل بضرب ما] (١) لم يكن تكذيبًا وإن كان لا يحتمل الخبر التأويل له لما عمل به] (١) فهو مردود.
والثالث: أن ينكره تاركًا فإذا [امتنع] (١) من [العمل به ففيه دليل] على أنه لو عرف صحته لما امتنع لأنه يحرم عليه مخالفته مع العلم بصحته.
الفرع الثالث: في لفظ الراوي وإيراده؛ وهو خمسة أنواع.
النوع الأول: في مراتب الإخبار، وهي خمس؛ المرتبة الأولى:
أن يقول الصحابي: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول كذا، وحدثني بكذا، وأخبرني بكذا وكذلك غير الصحابي من الرواة عمن رووا عنه، فهذا لا يتطرق إليه احتمال وهو الأصل في التبيلغ والإخبار.
_________________
(١) من ديباجة جامع الأصول (١/ ٧٩).
(٢) النسخة (س).
(٣) وقع سقط من المخطوط بمقدار ورقة تقريبًا. قال معد الكتاب للشاملة: حدث خلط في حواشي الكتاب، والأليق -والله أعلم- أن تكون حاشية (٣) لهامش (٢)، وقد يكون الهامش (١) المكرر بعد الهامش (٢) يتبع الحاشية (٢)، والعلم عند الله تعالى.
[ ١ / ٥٥ ]
المرتبة الثانية: أن يقول الصحابي: قال رسول اللَّه - ﷺ -، وحدثنا أو أخبرنا وكذلك غير الصحابي عن شيخه فهذا ظاهره النقل وليس نصًّا صريحًا إذ يقول الواحد منا: قال رسول اللَّه - ﷺ - اعتمادًا [على] (١) ما نقل إليه وإن لم يسمعه منه.
المرتبة الثالثة: أن يقول الراوي: أمر رسول اللَّه - ﷺ - بكذا أو نهى عن كذا فهذا دون الثاني: يتطرق إليه ثلاثة احتمالات:
أحدهما: في سماعه كما في قوله.
والثاني: في الأمر إذ ربما يرى ما ليس بأمرٍ أمرًا.
والثالث: احتمال العموم والخصوص حتى قد ظن قوم أن مطلق هذا يقتضي أمر جميع الأمة.
المرتبة الرابعة: أن يقول الراوي: أمِرنا بكذا ونهينا عن كذا، من السنة كذا، السنة جارية بكذا، فهذا، وما أشبهه في حكم واحد، ويتطرق إليه الاحتمالات الثلاثة التي تطرقت إلى المرتبة الثالثة واحتمال رابع وهو الآمر فإنه لايدري أنه رسول اللَّه - ﷺ - أو غيره؛ فقال قوم: لا حجة فيه لأنه محتمل، وذهب الأكثرون إلى أنه لايحتمل إلا أمر اللَّه ورسوله لأنه يريد به إتيان شرع أو إقامة حجة.
المرتبة الخامسة: أن يقول الراوي: كنا نفعل كذا -وغرضه تعريف أحكام الشرع- فإن ظاهره يقتضي أن جميع الصحابة فعلوا ذلك على عهد رسول اللَّه - ﷺ - على وجه ظهر له ولم ينكره، لأن تعريف الحكم يقع به، فإن قال: كانوا يفعلون، وأضافه إلى زمن رسول اللَّه - ﷺ - فهو دليل على جواز الفعل كقول أبي سعيد الخدري: "كنا نخرج على عهد رسول اللَّه - ﷺ - صاعًا من
_________________
(١) تكررت بالأصل.
[ ١ / ٥٦ ]
بُرٍّ في زكاة الفطر"
النوع الثاني: في نقل لفظ الحديث بالمعنى:
وهو حرام على الجاهل بمواقع الخطاب ودقائق الألفاظ، أما العالم بذلك فقد جوزه الشافعي وأبو حنيفة، ومالك، وجماهير الفقهاء، ومعظم أهل الحديث، وقال قوم: لا يجوز إلا إبدال اللفظ بما يرادفه ويساويه في المعْنى. ومدار القول في ذلك على أربعة أقسام:
الأول: أن يكون الحديث محكمًا لا يحتمل التأويل بوجه، فيجوز نقله بالمعنى لأنه لا يحتمل إلا معنى واحدًا.
والثاني: أن يكون الخبر ظاهر المعنى ويحتمل غير ما ظهر، ولا يجوز النقل بالمعنى إلا للفقيه العالم بطرق الاجتهاد والدين لئلًا يكسوه لفظًا آخر لا يحتمل ما احتمله اللفظ الأول.
والثالث: أن يكون الخبر مشتركًا أو مشكلًا، فلا يجوز النقل بالمعنى على جهة التأويل لأنه لا يتوقف على معناه إلا بنوع تأويل، وتأويل الراوي لا يكون حجة على غيره فإنه يكون ضربًا من القياس.
والرابع: أن يكون الخبر مجملًا فلا يتصور نقله بالمعنى لأنه لا يوقف على معناه، وما لا يوقف على معناه فلا يتصور نقله بمعناه فيكون الامتناع بذاته لا بدليل يمتنع الناقل عنه.
والقول الجامع: أن اللفظ إذا كان مما يجب نقله للعمل بمعناه فوقف على معناه حقيقة ثم أدى بلفظ آخر بغير خلل فيه سقط اعتبار اللفظ، فالنقل باللفظ عزيمة، وبالمعنى رخصة في بعض الأخبار -على التفصيل المذكور-.
النوع الثالث: رواية بعض الحديث وهي ممتنعة عند أكثر من منع نقل الحديث بالمعنى، ومن جوز ذلك جوز هذا إن كان قد رواه مرة بتمامه ولم يتعلق
[ ١ / ٥٧ ]
المتروك بالمذكور تعلقًا يغير معنى، فأما إذا تعلق به تعلقًا يغير المعنى فلا يجوز لأنه يكون تحريفًا وتلبيسًا، والمقصد الأعظم من ذكر الحديث إنما هو الاستدلال به على الحكم الشرعي فإذا ذكر من الحديث ما هو دليل على ذلك الحكم المستخرج منه فقد حصل الغرض لكن يبقى الأدب بالمحافظة على ألفاظ الرسول -صلوات اللَّه وسلامه عليه- وإيرادها كما ذكرها، والأولوية درجة وراء الجواز.
النوع الرابع: انفراد الثقة بالزيادة.
[إذا] (١) انفرد الثقة بزيادة في الحديث عن جماعة النقلة، فإنما تُقْبَل عند الأكثر سواء كانت الزيادة من حيث اللفظ أو من حيث المعنى، لأنه لو انفرد بنقل حديث عن جميع الحفاظ قبل وكذلك الزيادة (٢).
النوع الخامس: الإضافة إلى الحديث ما ليس منه.
وهو أن يذكر الراوي في الحديث زيادة من قوله -إلا أنه لا تتبين تلك الزيادة أنها من قول النبي - ﷺ - أو من قوله-فتبقى مجهولة- وأهل الحديث يسمون هذا النوع "الُمدْرَج" أي أنه أدرج كلامه مع كلام النبي - ﷺ - ولم يميز بينهما، فيظن أن الجميع لفظ النبي - ﷺ - وذلك بخلاف النوع الثالث فإن الزيادة التي يزيدها الراوي فيه تبين أنها من كلام النبي - ﷺ -.
الفرع الرابع: في المسند والإسناد، والمسند من الحديث هو أن يروي الحديث واحد عن واحدٍ رآه وسمع منه أو عليه قراءةً أو إجازةً أو مناولة، وله رواية متصلة إلى من رأي النبي - ﷺ - وسمع منه، وللإسناد أَوْضَاع واصطلاح وشرائط فمنها أن لا يكون في الإسناد أُخْبرت عن فلان، ولا حُدِّثت، ولا
_________________
(١) ما بين المعقوفتين طمس بالأصل والمثبت من جامع الأصول (١/ ١٠٣).
(٢) وفي المسألة تفصيل، فالزيادة لاتقبل مطلقًا ولا ترد مطلقًا، ولكن تقبل بقرائن وترد بقرائن، وليس الموضع موضع بسط لذلك فيرجع فيها إلى كتب أصول الحديث.
[ ١ / ٥٨ ]
بلغني، ولا رفعه فلان، ولا أظنه مرفوعًا، ومن الإسناد أن [يقول] (١) الصحابي أمرنا بكذا وكنا نفعل كذا، وكنا نقول ورسول اللَّه - ﷺ - فينا كذا. ومن السنة كذا فإذا جاء هذا عن صحابي مشهور فهو مسند.
من المسندات المعنعن: وهو أن يقول أحد الرواة: حدثنا فلان، عن فلان ولا يذكرون طرقًا بحدثنا وأخبرنا وسمعنا، وهذا إذا كان رواته ثقات مشهورين بالصدق لا ينسب إليهم التدليس؛ فسواء ذكروا [طريق] (٢) سماعهم أو لم يذكروه؛ فإن حديثهم مقبول معمول به، فإنْ كان أحد رواته متهمًا بالتدليس فيحتاج أن يذكر طريق سماعه حتى يكون مسندًا.
ومن المسندات نوع يسمى: المسلسل، وهو اصطلاح بين المحدثين مثل أن يشترك رواة الحديث جميعهم عند السماع في قول أو فعل أو حالة أو مكان ونحو ذلك من زمن النبي - ﷺ - إلى آخر رواته مثل المصافحة والأخذ باللحية يقول: حدثني فلان وصافحني قال: حدثني فلان وصافحني قال: حدثني فلان وصافحني وكذلك وكذلك إلى أول الإسناد.
والإسناد في الحديث هو الأصل، وبه يعرف صحة الحديث من سقمه، وفيه عال ونازل، فطلب العالي سنة؛ ومن العالي ما هو بقلة العدد، ومنه ما هو بثقة الرواة ومنه ما هو بفقه الرواة، ومنه ما هو باشتهار الرواة، ومنه ما يجمع هذه الأوصاف أو أكثرها -وهو أكملها- وقد اختلف في أعلى هذه المراتب لكن الأولى أن يكون أعلاها ما اجتمع فيه هذه الأوصاف، ثم ما كان في طريقة الفقهاء ثم الثقات ثم المشهورون ثم العدد إذا عري من هذه الأوصاف.
الفرع الخامس: في المرسل: وهو أن يؤدي الراوي حديثًا عمن لم يعاصره،
_________________
(١) ما بين المعقوفتين بالأصل [يقوله] وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه، وكذا جاء في جامع الأصول (١/ ١٠٧)
(٢) ما بين المعقوفتين بالأصل [طرق] واثبت من جامع الأصول (١/ ١٠٨) وهو الأقرب.
[ ١ / ٥٩ ]
وله بين المحدثين اصطلاح في تسمية أنواعه؛ فمنه المرسل المطلق وهو أن يقول الشافعي: قال رسول اللَّه - ﷺ -؛ فلا يكون مرسلًا مطلقًا ما لم يرسله التابعي خاصة ومنه قسم [] (١).
_________________
(١) وقع بعد هذا الموضع سقط في المخطوط وقد شرع المصنف في شرح الأحاديث فتنبه.
[ ١ / ٦٠ ]