في فَضْلَةِ الوضُوءِ والغُسْل
أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان، عن الزُّهْرِيِّ، عن عروة، عن عائشة "أن رسول اللَّه - ﷺ - كان يغتسل من القدح -وهو الفَرَقُ- فكنت أغتسل أنا وهو من إناء واحد".
وأخبرنا الشافعي، عن مالك، عن هشام، عن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كنتُ أغتسل أنا والنبي - ﷺ - من إناء واحد".
وأخبرنا الشافعي، عن سفيان، عن عاصم، عن معاذة العدوية، عن عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول اللَّه - ﷺ - من إناء واحد، فربما قلت له:
أَبْقِ ليِ أَبْقِ ليِ".
قال الشافعي: وروى سالم أبو النضر، عن القاسم، عن عائشة قالت:
"كنت أغتسل أنا ورسول اللَّه - ﷺ - من إناء واحد من الجنابة".
هذا حديث صحيح متفق عليه.
أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤).
فأما البخاري: فرواه عن آدم بن [أبي] (٥) إياس، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، بالإسناد قالت: "كنت أغتسل أنا والنبي - ﷺ - من إناء واحد، من قدح -يقال له الفَرَق".
_________________
(١) البخاري (٢٥٠، ٢٦١، ٢٦٣).
(٢) مسلم (٣١٩، ٣٢١).
(٣) أبو داود (٢٣٨).
(٤) النسائي (١/ ١٢٨ - ١٣٠).
(٥) من البخاري.
[ ١ / ١٠٥ ]
وله في أخرى: عن القعنبي، عن أفلح، عن القاسم، عن عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا والنبي - ﷺ - من إناء واحد تختلف أيدينا فيه".
وفي أخرى: عن أبي الوليد الطيالسي، عن شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن عروة، عن عائشة الحديث وفيه "من إناء واحد -من جنابة".
وأما مسلم: فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن الزهري، بالإسناد أن النبي - ﷺ - "كان يغتسل من إناء -هو الفَرقَ- من الجنابة".
وفي أخرى: عن قتيبة، وابن رمح، عن الليث، وعن قتيبة، وأبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب، قالوا: حَدَّثنا سفيان، كلاهما عن الزهري (١)، قالت: "كان رسول اللَّه - ﷺ - يغتسل في القدح -فهو الفرق- وكنت أغتسل أنا وهو في الإناء الواحد" قال سفيان: والفَرَقُ ثلاثة آصعٍ.
وفي أخرى: عن القعنبي، عن أفلح، بإسناد البخاري ولفظه، وزاد: "من الجنابة".
وفي أخرى: عن يحيى بن يحيى، عن أبي خيثمة، عن عاصم الأحول، عن معاذة، عن عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول اللَّه - ﷺ - من إناء، بيني وبينه واحد، فيبادرني حتى أقول: دَعْ لي، دَعْ لي. قالت: وهما جنبان".
وأما أبو داود: فأخرجه عن أحمد بن صالح، عن عنبسة، عن يونس، عن الزهري، قال: قال عروة: عن عائشة بلفظ مسلم الأول (٢).
_________________
(١) والإسناد مختصر وتمامه [عن عروة، عن عائشة قالت: وإنما سقته دفعًا للالتباس.
(٢) يبدو أنه وقع انتقال نظر من المصنف -﵀- فنقل إسناد الحديث السابق لهذا الحديث في السنن وتمام الإسناد المذكور (عن عائشة أن أم سليم الأنصارية -وهي أم أنس بن مالك قالت: يا رسول اللَّه، إن اللَّه -﷿- لا يستحيي من الحق الحديث)؛ وأما إسناد حديث الباب المقصود فقد أخرجه أبو داود عن. [القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة الحديث].
[ ١ / ١٠٦ ]
قال أبو داود: قال معمر -عن الزهري، في هذا الحديث: قالت: "كنت أغتسل ورسول اللَّه - ﷺ - من إناء واحد قَدْرَ الفَرَقِ".
وقال أبو داود: رواه ابن عيينة، مثل حديث مالك.
وأما النسائي: فأخرجه عن سويد بن نصر، عن عبد اللَّه، [عن] (١) هشام، وعن قتيبة، عن مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: "أن رسول اللَّه - ﷺ - كان يغتسل وأنا من إناء واحد نغترف منه جميعًا".
وقال سويد: "كنت أنا ورسول اللَّه - ﷺ -".
وفي أخرى: عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد، عن شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة وفيه "من إناء واحد من الجنابة".
وفي أخرى: عن قتيبة، عن عبيدة بن حميد، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "لقد رأيتني أنازع رسول اللَّه - ﷺ - الإناء، أغتسل أنا وهو منه".
وفي أخرى: عن محمد بن بشار، عن محمد، عن شعبة، عن عاصم، وعن سويد بن نصر، عن عبد اللَّه، عن عاصم، عن معاذة، عن عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول اللَّه - ﷺ - من إناء واحد، أبادره ويبادرني، حتى يقول دَعِي لي، وأنا أقول دَعْ لي".
وقال سويد: "يبادرني وأبادره، فأقول: دَعْ لي، دعْ لي".
"القَدَح": إناء بَيْن بينَ لا صغير ولا كبير، وقد يقترن به وصف الصغر والكبر، فيقال قدح صغير وقدح كبير.
والفَرق: -بفتح الراء- قَدَحٌ يَسَعُ ستة عَشَرَ رطلًا.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين في الأصل [بن] وهو تصحيف، والصحيح الموافق للسياق وللأصول المخرج منها ما أثبتناه.
[ ١ / ١٠٧ ]
قال الأزهري: هو الفَرق -يعني بالفتح- قال: المُحَدِّثُون يقولون: الفَرْق: يعني -بالسكون - قال: وكلامُ العرب الفَرَقُ. قال ذلك (١): أحمد بن يحيى، وخالد بن يزيد، وهو إناء يأخذ ستة عشر رطلًا، وذلك ثلاثة آصع قال الجوهري: الفرْق -بالسكون- مكيال معروف بالمدينة، وهو: ستة عشر رطلًا، وقد تُحَّركُ الراء.
وقال الشافعي: الفَرَق ثلاثة آصُعٍ، يكون ستة عشر رطلًا.
وأما الفرْق بالسكون: فمائة وعشرون رطلًا.
هكذا حكاه الإمام.
وقال أبو نصر بن الصباغ، في كتاب "الشامل"، وهو: بخلاف المنقول في اللغة.
وما نقله الإمام قد حققه، وهو به أعرف، فإن هذا ما يتداوله الفقهاء بينهم، وهم أعرف به من غيرهم.
فأما ضمير المتكلم والأصل فيه "أن" مفتوحة النون، فأضيف إليها ألف بعدها لبيان الحركة، فقيل "أنا" وهو ضمير الغائب، فلما أرادت أن تعطف على الضمير الذي في "أغتسل" وهو ضمير مرفوع متصل لم يُعْطف عليه حتى تؤكده.
فجات بـ"أنا" فقالت: "كنت أغتسل أنا" وهو كقوله تعالى ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (٢) ويجوز العطف من غير توكيد، وفيه فتح، وقد جاء في بعض روايات النسائي كذلك.
و"من" في قوله "من إناء واحد" لابتداء الغاية، أي: أَنِ ابتَدأْنَا بالغُسْلِ من الإناء.
_________________
(١) زاد في الأصل (ذلك): (فقلت) وهي مقمحة لا معنى لها والسياق مستقيم. وانظر اللسان مادة فرق.
(٢) البقرة: [٣٥].
[ ١ / ١٠٨ ]
ويجوز أن يكون "للتبعيض" أي: أنهما اغتسلا ببعضه.
"وربما": حرف جر، أضيف إليه "ما"، وهو مبني على الفتح، ويفيد التعليل، وفائدة إدخال "ما" عليه ليرد بعده فعل، لأن "رب" من خواص الأسماء، تقول "رب رجلٍ قائمٍ لَقِيتُ" فإذا أردت إدخاله على الفعل زدت عليه "ما" فقلت: "رُبَّما قام زيد، وربما يقوم" ومثله قوله -تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (١) وقد يخفف فيقال: رُبَمَا.
وقوله "أَبْقِ لي، أَبْقِ لي" أي: اترك لي بقية من الماء لأغتسل بها، وتكرارها للتأكيد.
وقوله "تختلف أيدينا فيه" تريد أنها كانت تغتسل معه في وقت واحد، تتعاقب أيديُهما على اغتراف الماء.
و"الجنابة": معروفة وهي: الحالة التي أوجب الشرع على الإنسان فيها الغسل، كالجماع التام، والتقاء الختانين، والاحتلام، والاستمناء، وغير ذلك مما هو مفصل في كتب الفقه.
وأصل الجنابة: البُعْدُ، يقال: أجنب الرجل، وجنب إذا صار جُنُبًا.
ويستوي فيه الذكر والأنثى، والواحد والاثنان، والجمع، وربما قالوا في جمعه: أجناب وجنبون.
قالوا: إنما سمي به لأنه يصير بحالة مجتنبًا معها الصلاة، ومس المصحف، وقراءة القرآن، ونحو ذلك.
وقيل: لأنه مجتنب، أي يبعد منه.
و"الآصع": جمع صاع، والصاع هو: مكيال معروف، تَسَعُ أربعةَ أمدادٍ،
_________________
(١) الحجر: [٢].
[ ١ / ١٠٩ ]
والُمدُّ مكيال بالمدينة معروف، تَسَعُ رَطْلًا وَثُلُثًا بالعراقي، عند أهل الحجاز.
وبه قال الشافعي، ومالك. ورطلين عند أهل العراق، وبه قال أبو حنيفة.
و"المبادرة": السابقة إلى الشيء، يقال: بدر إلى الشيء يبدر بدورًا، إذا أسرع إليه، وكذلك بادر وتبادَرَ القومُ وابتدروا، أي تسارعوا.
وقولها "دَعْ لِي دَعْ لِي" مثل قولها: " أبْقِ لي، أبْقِ لِي".
والتكرار للتأكيد، ولتكرار الأخذ من الماء، وتعاقب أيديهما عليه.
و"دع" أمر من وَدَعْتُ الشيء أُودِعُه إذا تركته.
وقد رفضوا ما [] (١) يجيء إلا في ضرورة الشعر، استغناء عنه فترك.
قال؛ أبو الأسود الدؤلي:
لَيْتَ شِعْرِي عَنْ خَلِيِلي ما الَّذِي غَاَلهُ في الحُبِّ حَتَّى وَدَعَهْ
وقد قرأ يعقوب قوله تعالى ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ (٢) بالتخفيف، بمعنى تركك.
"والاغتراف": أخذ الماء باليد، غرفت واغترفت، والَغْرفة -بالفتح المرة الواحدة، وبالضم الاسم للمغروف فإن الماء لأنك ما لم تغرفه لا يسمى غرفة.
"والمنازعة": المغالبة والمجاذبة، كأنها تنزع الماء من يده، وينزعه من يدها طلبًا لأخذه والاغتسال به.
والذي ذهب إليه الشافعي: جواز وضوء الرجل بفضل وضوء المرأة، واغتساله بفضل غسلها، وأن يتوضآ أو يغتسلا معًا.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين بياض بالأصل قدر كلمتين.
(٢) الضحى: [٣].
[ ١ / ١١٠ ]
والماء الفاضل من المتوضئ والمغتسل، لا يخلو من أحد قسمين:
أحدهما: ما فضل عن أعضاء المحدث، بعد مروره عليها رافعًا للحدث.
والثاني: ما بقي منه في الإناء، أو في الأرض بعد الفراغ.
فالأول: هو الماء المستعمل في رفع الحدث، فلا يستعمل فيه مرة أخرى، وقد سبق القول فيه.
والثاني: يكون باقيًا على طهوريته الأصلية، ويجوز استعماله في رفع الحدث، وإزالة النجس، وبهذا قال أكثر العلماء.
وحكي عن أحمد بن حنبل أنه قال: لا يجوز أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة، إذا خَلَتْ بِهِ.
وروي عنه أيضًا: أنه يكره.
وحكاه ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه، وعن الحسن البصري، وسعيد بن المسيب. وكان ابن عمر: لا يكره فضل وضوء المرأة إلا أن تكون جنبًا أو حائضًا، قال: إذا خلت به فلا تقربه.
وحكي عن أبي يوسف أنه قال: إذا أدخل الجنب أو الحائض يده في الماء، لم يفسد، وإن أدخل رجله فسد، قال: لأن الجنب نجس، وإنما عفي عن يده لأجل الحاجة والضرورة.
وقد أخرج الشافعي، عن مالك، عن ابن عمر، أنه كان يقول: لا بأس أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، ما لم تكن حائضًا أوجنبًا.
قال الشافعي: أما تركه لأن النبي - ﷺ - كان يغتسل وعائشة من إناء واحد،
[ ١ / ١١١ ]
وإذا اغتسلا معًا كان كل واحد منهما يغتسل [بفضل] (١) صاحبه.
وأخبرنا الشافعي قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس، عن ميمونة زوج النبي - ﷺ -: "أنها كانت تغتسل هي والنبي - ﷺ - من إناء واحد".
هذا حديث صحيح، متفق عليه.
أخرجه: البخاري (٢)، ومسلم (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥).
فأما البخاري: فأخرجه عن أبي نعيم، عن ابن عيينة، بالإسناد عن ابن عباس "أن النبي - ﷺ - وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد".
قال البخاري: كان ابن عيينة يقول: -أخيرًا-: عن ابن عباس، عن ميمونة، والصحيح مارواه أبو نعيم.
وأما مسلم: فأخرجه عن إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن حاتم، عن محمد ابن بكر، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، بالإسناد، عن ابن عباس "أن رسول اللَّه - ﷺ - كان يغتسل بفضل ميمونة".
وأما الترمذي: فأخرجه عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، بالإسناد قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول اللَّه - ﷺ - من إناء واحد من الجنابة".
_________________
(١) ما بين المعقوفتين رسمت بالأصل كذا [بو] والمثبت من "الأم" (١/ ٨) المعرفة للبيهقي (١/ ٤٩٩) وهو الموافق لسياق الكلام.
(٢) البخاري (٢٥٣). قال الحافظ في الفتح (١/ ٤٣٦ - ٤٣٧). إنما رجح البخاري رواية أبي نعيم جريًا على قاعدة المحدثين لأن من جملة المرجحات عندهم قدم السماع لأنه مظنة قوة حفظ الشيخ، ولرواية الآخرين جهة أخرى من وجوه الترجيح وهي كونهم أكثر عددًا وملازمة لسفيان، ورجحها الإسماعيلي من جهة أخرى من حيث المعنى وهي كون ابن عباس لا يطلع على النبي - ﷺ - في حالة اغتساله مع ميمونة فيدل على أنه أخذه عنها أ. هـ.
(٣) مسلم (٣٢٣).
(٤) الترمذي (٦٢) وقال: حسن صحيح، وهو قول عامة الفقهاء: أن لا بأس أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد.
(٥) النسائي (١/ ١٢٩).
[ ١ / ١١٢ ]
وأما النسائي: فأخرجه عن يحيى بن موسى، عن ابن عيينة، بالإسناد قال: أخبرتني ميمونة: "أنها كانت تغتسل ورسول اللَّه - ﷺ - من إناء واحد".
وفي الباب عن علي بن أبي طالب، وأنس بن مالك، وابن عمر، وأم سلمة، وأم هانئ، وأم صُبَية.
وقد اختلف في هذا الحديث على سفيان، فإنه رواه عن ابن عباس، ومرة عنه وعن ميمونة.
وقيل: إنما الاختلاف على ابن عباس، رواه مرة عن ميمونة، ومرة لم يذكر ميمونة، ويجوز أن يكون لما لم يذكر ميمونة، مسندًا ومرسلًا، فالمسند عن نفسه، والمرسل عن ميمونة؛ وله نظائر مثل ذلك الأثر في أنه قال: قال رسول اللَّه - ﷺ - "إنما الربا في النسيئة" فلما روجع فيه قال: حدثني به أسامة بن زيد (١) ولعله قد فعل في هذا الحديث مثل ذلك، إلا أن الحديث بنفسه صحيح
لا مطعن فيه.
وما يتعلق به من شرح، فقد تقدم في حديث عائشة، لأنه مثل طريق من طرق حديثها، وإنما ذكره الشافعي مؤكدًا لحديث عائشة.
وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر كان يقول: "إن الرجال والنساء كانوا يتوضئون في زمن رسول اللَّه - ﷺ - جميعًا".
هذا حديث صحيح، أخرجه مالك (٢)، والبخاري (٣)، وأبو داود (٤)، والنسائي (٥).
_________________
(١) وهو عند مسلم (١٥٩٦) وتمامه. عن أبي سعيد الخدري قال: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم مِثْلًا بِمِثْلٍ من زاد أو ازداد فقد أَرْبَىَ، فقلت له: إن ابن عباس يقول غير هذا، فقال: لقد لقيت ابن عباس، فقلت: أرأيت هذا الذي تقول أَشَيْءٌ سمعته من رسول اللَّه - ﷺ - أو وجدته في كتاب اللَّه -﷿-؟ فقال: لم أسمعه من رسول اللَّه - ﷺ - ولم أجده في كتاب اللَّه ولكن حدثني أسامة بن زيد أن النبي - ﷺ - قال "الربا في النسيئة".
(٢) الموطأ (١/ ٥١ رقم ١٥).
(٣) البخاري (١٩٣).
(٤) أبو داود (٧٩، ٨٠).
(٥) النسائي (١/ ٥٧).
[ ١ / ١١٣ ]
فأما مالك: فأخرجه إسنادًا ولفظًا.
وأما البخاري: فأخرجه عن عبد اللَّه بن يوسف، عن مالك.
وأما أبو داود: فأخرجه: عن مسدد، عن حماد، عن أيوب، عن نافع.
وأخرجه القعنبي، عن مالك، بإسناد، قال: "كان الرجال والنساء يتوضئون في زمان رسول اللَّه - ﷺ - قال مسدد -من الإناء الواحد".
وأخرجه أيضًا عن مسدد، عن يحيى بن عبد اللَّه [عن عبيد اللَّه] (١)، عن نافع، عن ابن عمر قال: "كنا نتوضأ نحن والنساء من إناء واحد، على عهد رسول اللَّه - ﷺ - ندلي فيه أيدينا".
وأما النسائي: فأخرجه عن هارون بن عبد اللَّه، عن معن، عن مالك، بالإسناد واللفظ.
"فعلت الشيء على عهد فلان": أي في أيامه وزمانه.
و"ندلي في أيدينا": أي نحطها فيه ونرسلها، من قولك:
أَدْلَيْتُ الدلو ودَلَّيْتُهَا، إذا أرسلتها في البئر، فأمَّا "دَلَوْتُهَا" فإذا نَزَعْتَهَا، فيجوز أن يكون قوله "ندلي" مشدَّدًا من دَلَّى، ومخفَّفًا من أَدْلَى.
وفي هذا الحديث: بيان أعم من الحديثين اللذَيْنِ قبله، فإن ذينك الحديثين دلاّ على أن النبي - ﷺ - كان يتوضأ هو وعائشة، وهو وميمونة، من إناء واحد، ولعل ذلك خاص بالنبى - ﷺ - وأزواجه.
وأما هذا الحديث فلا يحتمل التأويل، حيث قال: كان الرجال والنساء مطلقا غير مقيد، ولفظة "نحن" بعد "نتوضأ" مؤكدة للضمير المستتر فيه، كما سبق في حديث عائشة.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين، سقط من الأصل والاستدراك من السنن. وكذا أخرجه أحمد (٢/ ١٠٣)، وابن خزيمة (١٢١،١٢٠).
[ ١ / ١١٤ ]
وقول ابن عمر: "كنا نفعل كذا"، من طرق روايات الحديث، وهي آخر مراتب لفظ الراوي وأنزلها، فإن الصحابي إذا قال ذلك فإن ظاهره يقتضي أن الصحابة فعلوه على وجه للنبي - ﷺ - ولم ينكره، لأن تعريف الحكم به وهو غرض الراوي.
وأما قوله "كانوا يفعلون كذا في زمن النبي - ﷺ - " فهو دليل على جواز الفعل، لأن ذكره في معرض الحجة، يدل على أنه أراد ما فعله الرسول - ﷺ - أو سكت عنه، دون ما لم يبلغه، وذلك يدل على الجواز.
فأما إذا قال الشافعي هذا القول، فلا حجة فيه، إلا أن يصرح بنقله عن أهل الإجماع فيكون ذلك نقلًا للإجماع.
وإنما ذكره الشافعي تبيينًا للحديثن اللذين قبله وتثبيتًا، ولما فيه من زيادة البيان.
فإن قيل: هَلَّا اكتفى به وذكره أَوَّلًا؟
قيل: ذانِكَ الحديثان مرفوعان، مصرح بهما عن فعل النبي - ﷺ -، وهذا موقوف على ابن عمر، وهو غير مصرح به في لفظ الرواية، واللَّه أعلم.
[ ١ / ١١٥ ]