أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة.
فأما مالك (١): فأخرجه بإسناده ولفظه.
وأما البخاري (٢): فأخرجه عن عبد اللَّه بن يوسف.
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن يحيى بن يحيى.
وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن القعنبي.
وأما الترمذي (٥) والنسائي (٦): فأخرجاه عن قتيبة.
كل هؤلاء عن مالك بالإسناد واللفظ.
وفي الباب: عن أبي هريرة، وأم حبيبة، وابن عمر، وعائشة، ومعاذ بن أنس.
"النداء": هنا هو الأذان.
وقوله: "فقولوا مثل ما يقول" يريد التلفظ بألفاظ الأذان.
والذي جاء في السنة في غير هذا الحديث.
_________________
(١) الموطأ (١/ ٨١ رقم ٢).
(٢) البخاري (٦١١).
(٣) مسلم (٣٨٣).
(٤) أبو داود (٥٢٢).
(٥) الترمذي (٢٠٨) وقال: حسن صحيح.
(٦) النسائي (٢/ ٢٣).
[ ١ / ٤٤٣ ]
وإليه ذهب الشافعي: أن يقول مثل ما يقول المؤذن، إلا في "حي على الصلاة"، "حي على الفلاح"، فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، وذلك لأن هذا دعاء إلى الصلاة وليس ذكرًا للَّه تعالى، والأجر في الدعاء يحصل لمن يسمع بها، فيصح أن يكون ﵇ أمر من يحكى (١) المؤذن؛ أن يجعل الحوقلة أن يحكيه في الأذان؛ أن يحصل لعلة الأجر ولمحض الأجر (٢).
وقد جاء في العربية ألفاظ مركبة مثل الحيعلة، مركبة من حي على الفلاح، والحوقلة من لا حول ولا قوة إلا باللَّه، والبسملة من بسم اللَّه الرحمن الرحيم، والسبحلة من سبحان اللَّه، والحمدلة من الحمد للَّه، والهيللة من لا إله إلا اللَّه، والجعفلة من جُعِلْتُ فداك، والدمعزة من دام عزك، والطبقلة من طال بقاؤك.
وإنما قال في جواب حي على الصلاة والفلاح: "لا حول ولا قوة إلا باللَّه"، لأنه لما دعاه المؤذن إلى الصلاة قال: لاحول لي ولا قوة على إجابتها والمجيء إلى الصلاة إلا باللَّه تعالى.
وقد اختلف العلماء هل يقول المصلي ذلك؟
فقيل: يقوله أخذًا بعموم الخبر.
وقيل: لا يقوله لأن الشغل بالصلاة أولى.
وقيل: يقوله في النافلة دون الفريضة، لأن النافلة أمرها أخف.
وقوله: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن" ولم يقل المنادي، لأنه لما قال النداء -وهو لفظ مشترك بين نداء الصلاة وغيره- عدل إلى لفظ المؤذن عن المنادي، لئلا يتكرر لفظ النداء أولًا وآخرًا، فيقوى في النفس أحد القسمين على الآخر، فأما حيث قال "المؤذن" فإن ذلك الوهم زال، وَيُمحَّضُ النداء للصلاة خاصة دون غيرها.
_________________
(١) أي قال مثل قوله سواء ولم يجاوزه. انظر اللسان مادة: حكى.
(٢) كذا العبارة في الأصل.
[ ١ / ٤٤٤ ]
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن مجمع بن يحيى، أخبرني أبو أمامة ابن سهل أنه سمع معاوية يقول: "سمعت رسول اللَّه - ﷺ - إذا قال المؤذن: أشهد أن لا إله إلا اللَّه قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وإذا قال: أشهد أن محمدًا رسول اللَّه قال: وأنا أشهد ثم يسكت".
وأخبرنا الشافعي: أنا ابن عيينة، عن طلحة بن يحيى، عن عمه عيسى بن طلحة قال: سمعت معاوية يحدث مثله عن النبي - ﷺ -.
وأخبرنا الشافعي: عن عبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج، أخبرني عمرو بن يحيى المازني، أن عيسى بن عمر أخبرني عن عبد اللَّه بن علقمة بن وقاص قال: إني عند معاوية إذ أذن مؤذنه فقال معاوية كما قال مؤذنه، حتى إذا قال حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، وإذا قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، ثم قال بعد ذلك ما قال المؤذن، ثم قال:
سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول ذلك.
هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري (١) عن معاذ بن فضالة، عن هشام، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن عيسى بن طلحة، أنه سمع معاوية يومًا قال بمثله، إلى قوله: "وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه".
وفي رواية عن إسحاق، عن (٢) وهب بن جرير، عن هشام، عن يحيى نحوه، قال يحيى: ويحدثني بعض إخواننا أنه لما قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، وقال هكذا سمعنا نبيكم - ﷺ - يقول.
وفي أخرى: عن محمد بن مقاتل، عن عبد اللَّه، عن أبي بكر بن عثمان بن
_________________
(١) البخاري (٦١٢، ٦١٣، ٩١٤).
(٢) زاد في الأصل بعد حرف الجر (عن): [ابن] وهو تحريف. والمثبت من صحيح البخاري، وتحفة الأشراف (٨/ ٤٤٦).
[ ١ / ٤٤٥ ]
سهل بن حنيف، عن أبي [أمامة] (١) بن سهل بن حنيف قال: سمعت معاوية ابن أبي سفيان وهو جالس على المنبر، أذن المؤذن قال: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، فقال معاوية: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، فقال معاوية: وأنا أشهد أن لا إله إلا اللَّه، قال: أشهد أن محمدًا رسول اللَّه، قال معاوية: وأنا، فلما قضى التأذين، قال: يا أيها الناس إني سمعت رسول اللَّه - ﷺ - على هذا المجلس حين أذن المؤذن (٢) يقول: ما سمعتم مني من مقالتي.
وهذا الحديث: بيان لحديث أبي سعيد الخدري المتقدم، ولذلك أخرجه الشافعي، لأن حديث أبي سعيد مجمل فقال: قولوا مثل ما يفعل المؤذن، وهذا مفصل بين فيه كيف يجيب المؤذن فيما يقوله، وما يخص "حي على الصلاة" و"حي على الفلاح".
قال الشافعي: وبحديث معاوية نقول، وهو موافق حديث أبي سعيد، وفيه تفسير ليس في حديث أبي سعيد.
وقوله: "سمعت رسول اللَّه - ﷺ - إذا قال المؤذن" فاستعمل الفعل الماضي مع إذا وهي للمستقبل، وإنما أراد به الحال الحاضرة عند سماعه.
وفيه فائدة أخرى: وذلك أن قوله: "سمعته إذا قال" يعطي أنه سمعه مرات لا مرة واحدة، بخلاف ما إذا قال: "سمعته إذ قال"، فإن هذا يجوز أن يكون قد سمعه مرة واحدة.
"والحول": الحيلة وقيل: القوة، ومعنى لا حول ولا قوة إلا باللَّه، إظهار الفقر إلى اللَّه تعالى، وطلب المعونة على ما يزاوله من الأمور، وهو حقيقة العبودية.
_________________
(١) بالأصل [أمه] وهو تصحيف، والصواب هو المثبت.
(٢) بالأصل [المذن] وهو تصحيف والتصويب من رواية البخاري.
[ ١ / ٤٤٦ ]
ويحكى عن ابن مسعود أنه قال: معناه لا حول عن معصية اللَّه إلا بعصمة اللَّه، ولا قوة على طاعة اللَّه إلا بمعونة اللَّه.
والكلمة المبنية من هذه الكلمات التي تقدم ذكرها وهي "الحوقلة"، أكثر العلماء هكذا حكوها بتقديم القاف على اللام، ولذا ذكرها الأزهري في التهذيب.
وذكرها الجوهري: الحولقة، بتقديم اللام على القاف، وأثبتها في فصل الحاء من باب القاف فعلى الأول: يكون الحاء من الحول، والقاف من القوة، واللام من اللَّه.
وعلى الثاني: يكون الحاء واللام من الحول، والقاف من القوة والأول أولى.