أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان رسول اللَّه - ﷺ - يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات ريح، يقول: "ألا صلوا في الرحال".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه أذن في ليلة ذات برد وريح فقال: ألا صلوا في الرحال، ثم قال: "إن رسول اللَّه - ﷺ - كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مطر يقول: ألا صلوا في الرحال".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن أيوب، عن نافع عن ابن عمر: "أن رسول اللَّه - ﷺ - كان يأمر مناديه في الليلة المطيرة والليلة الباردة ذات ريح، ألا صلوا في رحالكم".
أخرج الشافعي الرواية الأولى، في كتاب استقبال القبلة في أحكام الأذان (١)، وأخرج الروايتين الأخريين في كتاب الإمامة (٢).
وهو حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا الترمذي، فأما مالك (٣) فأخرج الرواية الثانية إسنادًا ولفظًا.
وأما البخاري (٤): فأخرجه عن عبد اللَّه بن يوسف، عن مالك، وذكر الرواية الثانية.
وفي أخرى عن مسدد، عن يحيى، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع قال: أذن ابن عمر في ليلة باردة بضجنان ثم قال: صلوا في رحالكم.
_________________
(١) الأم (١/ ٨٨).
(٢) الأم (١/ ١٥٥).
(٣) الموطأ (١/ ٨٥ رقم ١٠).
(٤) البخاري (٦٦٦، ٦٣٢).
[ ١ / ٤٣٦ ]
وأخبرنا أن رسول اللَّه - ﷺ - كان يأمر مؤذنا يؤذن على أثره: ألا صلوا في الرحال في الليلة الباردة أو المطيرة في السفر.
وأما مسلم (١): فأخرج الرواية الثانية عن يحيى بن يحيى، عن مالك.
وفي أخرى: عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة، عن عبيد اللَّه، مثل البخاري.
وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن محمد بن عبيد، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، نحو رواية البخاري، ومسلم التي فيها ذكر ضجنان.
وفي أخرى: عن القعنبي، عن مالك.
وفي أخرى: عبد اللَّه بن محمد النفيلي، عن محمد بن سلمة، عن محمد ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال: نادى منادي رسول اللَّه - ﷺ - بذلك بالمدينة في الليلة المطيرة والغداة القرَّة.
وأما النسائي (٣): فأخرجه عن قتيبة عن مالك، مثل البخاري ومسلم.
"كانت": في هذا الحديث هي التامة التي لا تحتاج إلى خبر، وهي بمعنى حدثت ووقعت، التقدير إذا حدثت ليلة باردة أو وجدت ليلة مطيرة.
"وباردة": صفة لليلة فإنها ذات برد، فإنه لما أراد أن يصف بالمصدر أدخل "ذات" توصلًا إلى الصفة به فقال: "ذات برد" إلا أن باردة أبلغ في الوصف من ذات برد، لأن قوله: "ليلة باردة" كأن البرد قد اتصفت به أجزاؤها كلها، و"ذات بردٍ" ليس البردُ عامًّا فيها، إنما التقدير: ليلة صاحبة برد فكأن البرد لم يشمل جميع أجزائها، وإنما اختص ببعضها، ولما يستحسن أن يقول: ليلة راحة
_________________
(١) مسلم (٦٩٧).
(٢) أبو داود (١٠٦٠، ١٠٦٣، ١٠٦٤).
(٣) النسائي (٢/ ١٥).
[ ١ / ٤٣٧ ]
على قياس قولهم: يوم راح إذا كان شديد الريح، كما قال: ليلة باردة قال: ليلة ذات ريح، لأنه أحسن وأكثر استعمالًا، وإنما كان ازدواج اللفظ أن يقول: ليلة باردة راحة، لولا قلة الاستعمال وقال: ليلة ذات برد، وذات ريح.
"والرِّحال": جمع رحل للإنسان وموضعه الذي يكون فيه متاعه.
"ويوم مطير"، "وليلة مطيرة": إذا كان فيها مطر.
"والغداة القرة": الباردة ويوم قر، والقُرُّ بالضم: البرد.
وقوله في الرواية الثالثة "في الليلة المطيرة، والليلة الباردة ذات ريح، فيه نظر، فإن الموصوف معرفة والصفة نكرة، وهذا لا يجوز، لا تقول: هذا زيد ظريف، وظريف صفة لزيد حتى تقول: الظريف، فإن جعلته حالًا نصبته فقلت: هذا زيد ظريفًا، كقوله تعالى: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ (١) فإن صحت الرواية بقوله: في الليلة الباردة ذات ريح، ولم يكن خطأ من الكُتَّاب والرواة فإنما يكون منصوبًا على الحال لا مجرورًا على الصفة، التقدير في الليلة الباردة ذات ريح، كما تقول: ضرب زيد عمرًا ذا ذنب، فتنصبه على الحال من عمرو، ورأيت في كتاب البيهقي: في الليلة الباردة ذات الريح، وهذا دليل على أن التحرف من الكُتَّاب- واللَّه أعلم.
قوله: "كان يأمر مناديه" دليل على أن ذلك معتاد عنده مألوف، ولم يقع نادرا ولا مرة واحدة، وذلك بقوله كان يفعل.
والذي ذهب إليه الشافعي: مستدلًّا بهذا الحديث هو أمران:-
أحدهما: يتعلق بالأذان وهو جواز الكلام فيه، ولذلك أخرج الرواية الأولى.
قال الشافعي: وأحب للإمام أن يأمر بهذا إذا فرغ المؤذن من أذانه، فإن قاله في أذانه فلا بأس عليه، والمستحب له أن لا يتكلم في أذانه، لأنه يقطع توالي
_________________
(١) هود: [٧٢].
[ ١ / ٤٣٨ ]
ألفاظه، فإن تكلم جاز.
والأمر الثاني: أن الجماعة يجوز تركها للعذر، ولذلك أخرج الروايتين الأخريين في كتاب "الإمامة" وسيجيء بيان الأعذار التي تبيح ترك الجماعة، في باب صلاة الجماعة.
وقد جاء في رواية البخاري: ثم يقول على أثره: أي على أثر الأذان، وعند الفراغ منه، وهذا يؤيد استحباب ترك الكلام في الأذان، وأن هذا القول إنما كان بعد تمام الأذان وكذلك جاء في رواية البخاري في السفر.
وفي رواية أبي داود: في المدينة، وليس ذلك لاختلاف قول (١)، وإنما هو لاختلاف حال، كأن ذلك حكى ما سمعه في السفر، وهذا حكى ما سمعه في المدينة.
والسفر والحضر في الحكم سواء -واللَّه أعلم.
_________________
(١) زاد في الأصل [وأيضًا هو لاختلاف قول] وهي عبارة مقمحة وأظنها وقعت سهوًا من الناسخ.
[ ١ / ٤٣٩ ]