قال النبي - ﷺ -: "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور" (١) وما أكثر المتشبعين في زماننا ممن يدعون أنهم خرجوا وحققوا وضبطوا وعلقوا ونفخوا ، ، ، ولم يخطّ كلمة في الكتاب.
فهو كما قالوا:
من تحلَّى بغير ما هو فيه فضحته شواهد الامتحان
وجرى في العلوم جرى سُكَيْت (٢) خلَّفته الجياد يوم الرهان
وقد ذكر الشيخ العلامة بكر بن عبد اللَّه أبو زيد هذه المحنة التي طلَّت على الأمة في كتابه "الرقابة على التراث" وبيَّن وجوه العبث التي هبَّت على التراث فقال: ومنها أن يرسم على طره الكتاب حققه فلان وما رآه قط وأخص من هذا: نسبة الكتاب إلى غير مؤلفه للترويج تارة، ولإفساد الأحكام والعقائد تارة أخرى ، وتسول العلم وحقيقته عمل المتشبع بما لم يعط: باستئجار المملقين لتحقيق التراث، وإخراجه بتحقيق مستأجر، ولم يخُط قلمه حرفًا، ولم يشرف على أصل ولا حاشية، فرحم اللَّه أهل الحياء. أهـ.
أقول: فمن الواجب والأمانة أن يعطى كل ذي حق حقه، ومن لا يشكر الناس لا يشكر اللَّه.
_________________
(١) أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما عن عائشة رضي اللَّه، عنها وهو في صحيح الجامع (٦٦٧٥).
(٢) هو أخر خيل الحلَبة.
[ ١ / ٢٣ ]
وهذا الكتاب ساعدنا في نسخه من المخطوط الأخوان الحبيبان أيمن محمود، وسامي وصفي وهما من طلاب العلم المجدِّين.
ولما طال الكتاب عليَّ، وتعذر القيام به كله، طلبت من أخي الشيخ أبي تميم ياسر بن إبراهيم صاحب دار المشكاة وهو الذي قام أولًا بعرض العمل في الكتاب عليَّ أن يقوم على خدمة المجلد الرابع منه، فأجابني إلى ذلك والعلم، رحم بين أهله، نسأل اللَّه أن نحشر في زمرتهم.
وجزى الله خيرًا كل من شاركنا في عملنا وسدد خطاه وجعلنا خدامًا لكتابه وسنة نبيه - ﷺ - إلى يوم أن نلقاه وثقل به موازيننا إلى منتهاه
وصل اللهم على محمد وعلى آله وأصحابه
ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
كتبه
أحمد بن سليمان
[ ١ / ٢٤ ]
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
وصل اللهم على محمد وعلى آله وسلم
الحمد للَّه الذي أنطق ألسنة العصماء بجوامع الكَلم، وأغرق قلوب البلغاء بينابيع الحِكَم، ورفع أقدار العلماء بعوالي الهمم، إلى مراتب العلا الغوالي القيم، أحمدهُ على تظاهر النعم، وتناصر القسم، حمدًا ينْفي عن الأغراضِ أجناس التهم، وعن الأعراض أدناس الكبائر واللمم، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه شهادة تصون الأسماع عن نقيصة الصمم، والألسن عن فضيحة العي والبكم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله شهادة تشفي عليل الخواطر من سوء الفهم، وعليل الأفكار من السأم، وأصلي عليه، وعلى آله صلاة تهدي قائلها إلى طريق الحق الواضح اللَّقم (١)، وتنير لسالكيه جَوَادَّ الطلب في غياهب الظلم.
أما بعد: فإن أحسن القول أصدقه، كما أن أصدق الفعل أحسنه، وأمكن الكلام أصحه، كما أنَّ أصح المعنى أمكنه، وإني وإن كنت في هذا المقام طالب شكرٍ، وراغبًا في جميل ذكرٍ، فإن الحق لا يُدْفَعُ والصواب لا يمنع، فرحم اللَّه امرأً عرف نفسه فوقف بها حيث انتهت، عالمًا أن لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، وازنًا أقواله وأفعاله بميزان العدل، قائلًا في الاعتراف بالحق بالقول الفصل، لا كالغُمْر (٢)؛ يحسب نفسه فَطِنًا، والألكن (٣)؛ يظن عِيَّه لَسَنًا، أو كمن زُين له سوء عمله فرآه حسنًا، نعوذ باللَّه من موقف الخزي والندم، ومقام العُجْبِ ومزلة القدم، وإليه نرغب أن يوفقنا للسداد من القول والعمل، ويعصمنا
_________________
(١) اللَّقَم بالتحريك: وسط الطريق. اللسان مادة لقم.
(٢) هو الجاهل الغِرُّ الذي لم يجرب الأمور، ورجل غُمْر وغَمِر لا تجربة له بحرب ولا أمر ولم تحنكه التجارب. اللسان مادة غمر.
(٣) اللُّكنة: عُجْمَةٌ في اللسان وَعِيٌّ، قال ابن سيده: الألكن الذي لا يقيم العربية من عجمة لسانه. اللسان مادة لكن.
[ ١ / ٢٥ ]
من الزيغ والزلل، ويهدينا إلى أوضح السبل بمنه وكرمه، وبَعد أن استخرنا اللَّه -تعالى- وسألناه التوفيق والهدى، ومجانبة الرياء واتباع الهدى، فإنا لما تدبرنا ما وقفنا عليه من كتب العلماء وتصانيف الفضلاء من علماء الشريعة المطهرة -على اختلاف أغراضهم وآرائهم، وتباين مقاصدهم وأهوائهم، وتشعب مباغيهم وأنحائهم- وجدناهم بين مطيل ومقصد، ومقلّ ومكثر، ومُقتصر على نوع من العلم الذي قصد إليه، واقف عند فن من الغرض الذي حافظ عليه، ولكل منهم غرض حسَّنه رأيُه لديه، ووقفنا على بعض كتب من تصدي منهم لشرح أحاديث الرسول - ﷺ -، وآثار الصحابة -﵃- وسمعنا بعضًا فرأيناها -كما قلنا- مختلفة الأوضاع والمقاصد، غير متفقة المصادر والموارد، ورأينا كلًّا منهم قد شرح أحاديث وترك غَيْرها، فأول من دوّن شرح الأحاديث أبو عُبيْدة: مَعْمرُ بْنُ الُمثنى (١)، جمع أحاديث يسيرة شرح ما فيها من غريب ثم قفى أثره أبو عبيد القاسم بن سَلَّام (٢) فزاد عليه فيما شرحه وجمع أحاديث كثيرة وشرحها وأخذ على أبي عبيدة بعض ما شرحه، وبسط القول في كتابه وبه اقتدى الناس بعده، وعلى كتابه بنوا، وكان أبو عبيْد ثقة عالمًا عارفًا بما يرويه وما يقوله ثم جاء من بعده: أبو محمد عبد اللَّه بن مسلم بن قتيبة فجمع أحاديث
_________________
(١) هو الإمام النَّحوى صاحب التصانيف. قال الإمام الذهبي: كان هذا المرء من بحور العلم، ومع ذلك لم يكن بالماهر بكتاب اللَّه ولا العارف بسنة رسول اللَّه - ﷺ -، ولا البصير بالفقه واختلاف أئمة الاجتهاد، بلى وكان معافىّ في معرفة حكمة الأوائل والمنطق وأقسام الفلسفة وله نظر في المعقول. سير أعلام النبلاء (٩/ ٤٤٧) قلت: وذكره البخاري في صحيحه في مواضع سماه في بعضها وكناه في الأخرى. وقال الحافظ في التقريب: صدوق أخباري وقد رُمِىَ برأى الخوارج.
(٢) هو الإمام المفسر اللغوي، وهو من أحسن من صنف في الغريب؛ له كتاب (الغريب المصنف) لم يطبع وقد صنفه في أربعين سنة؛ وكتابه (غريب الحديث) ذكره بأسانيده فرغب فيه أهل الحديث، وقد قالوا: إن اللَّه أيد هذه الأمة بجماعة منهم أبو عبيد: فسر الغريب من الحديث، ولولا ذلك لاقتحم الناس في الخطأ. وانظر السير (١٠/ ٤٩٠).
[ ١ / ٢٦ ]
كثيرة أخل بها أبو عبيد؛ وشرحها وبسط القول فيها وذكر أشياءً كثيرة زعم أنه أخذها على أبي عبيْد وأودعها كتابه وبينَّ وجه الصواب فيها عنده (١)، ثم جاء أبو سليمان أحمد بن محمد الخطابي البُسْتي، فجمع أحاديث أخر لم يذكرها واحد من هؤلاء الأئمة المذكورين؛ فشرحها وبسط القول فيها وأجاد [رحمه] (٢) اللَّه -تعالى- فيما قاله، وَبَيَّنَ أشياء كثيرة من أقوالهم وأظهر الصواب فيها. ثم جاءَ بأخرةٍ أبو القاسم: محمود بن عمر الزمخشري فصنف كتاب "الفائق في غريب الحديث" وذكر أشياءً كثيرة لم يذكرها السابقون؛ لكنه أعاد أكثر ما ذكروه من الأحاديث فأحسن شرحه ورتب كتابه أحسن ترتيب (٣).
وغير هؤلاء من الأئمة ممن تصدى لشرح غريب الحديث -ممن وقفنا على كتبهم وممن لم نقف له على كتاب- فإنهم وإن كانوا جماعة فإن المشهور منهم هم هؤلاء المذكورون، وأما من عدا هؤلاء من الأئمة والعلماء ممن شرح الحديث؛ فإن فيهم كثرة لا يمكن حصرهم وإثباتهم. إلا أن منهم مَنْ شرح أحاديث تتعلق بالأحكام الشرعية عند ذكرهم إياها في معرض الاستدلال ليستنبطوا منها الأحكام المطلوبة؛ ولم يخصوا تلك الأحاديث بكتاب مفرد؛ وهؤلاء هم أئمة الفقه، كَثَّر منهم اللَّه وأرشدهم - وقد فعل. ومنهم من قصد إلى شرح كتب الأحاديث المدونة كما فعله: أبو سليمان الخطابي في شرح صحيح البخاري في كتابه الذي سماه "أعلام السُّنَّة" وفي كتابه الذي سماه
_________________
(١) قال المصنف في ترة كتاب النهاية (١/ ٦): صنف -ابن قتيبة- كتابه المشهور في غريب الحديث والآثار حذا فيه حذو أبي عبيد، ولم يودعه شيئًا من الأحاديث المودعة في كتاب أي عبيد إلا ما دعت إليه حاجة من زيادة شرح وبيان أو استدراك أو اعتراض؛ فجاء كتابه مثل كتاب أبي عبيد أو أكبر منه.
(٢) في الأصل [علم] وهو تحريف والسياق غير مستقيم والجادة ما أثبتناه، وهو موافق لما سطره المصنف في ديباجة كتابه "النهاية".
(٣) انظر مقدمة المصنف لكتابه "النهاية" فقد أشبع القول هناك في بيان هذه المسألة ولولا الإطالة لنقلت كلامه كاملًا فهو نفيس.
[ ١ / ٢٧ ]
"معالم السنن في شرح سنن أبي دواد السجستاني" وكما فعله الفقيه أبو عبد الله: محمد بن علي المازري في كتابه "المعلم في شرح صحيح مسلم" وكما فعله: أبوعمر: يوسف بن عبد البر في شرح كتاب الموطأ في كتابه الذي سماه "التمهيد". وغير هؤلاء ممن تصدى لشرح كتب الحديث المدونة؛ فإن فيهم كثرة، إلا إنهم دون القسم الأول في الكثرة. ومنهم جماعة أخرى قصدوا إلى تدوين أحاديث تتعلق بالأحكام وغيرها وشرحوها على نحو ما اختاروه من أنواع الشروح مثل الإمام: أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي في كتاب "السنن الكبير" (١) له، وكتاب "السنن والآثار" له.
ومثل الإمام: أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي الفراء في كتاب "شرح السنة" له، وغيرهما من الأئمة؛ إلا أن هؤلاء دون القسم الثاني في الكثرة.
ومن عدا هؤلاء من العلماء فإن أغراضهم ومقاصدهم في تأليفاتهم لا تقف عند حدٍّ ولا تنتهي إلى حصر بحسب ما يعرض لهم من الخواطر الداعية إلى التصنيف إلا أني لم أرَ فيما وقفت عليه أو سمعته أو بلغني أن أحدًا تصدّى لشرح: "مسنْد الشافعي" -رحمة اللَّه عليه- الذي يرويه عنه الربيع بن سليمان المرادي، وقد جمعه: أبو العباس محمد بن يعقوب الأصمّ، وهو كتاب مشهور بينْ العلماء، مروي ثابت الإسناد متصل الطريق، ولقد عجبت من غُفُول العلماء وذهول الفقهاء عن اغتنام هذه الفضيلة وانتهاز هذه المنقبة والمسابقة إليها؛ اللهم إلا أن يكون قد شرح ولم يصل إلىّ ولا بلغني، وإن ما لم أقف عليه ولا سمعت به من تصانيف العلماء وكتب الفضلاء لكثير لا يمكن حصره، هذا مع كون هذا المسند من أعلى المسانيد قدرًا وأبعدها ذكرًا، وصاَحبه أشرف العلماء وأجلهم، واحد الأئمة المجتهدين -بل واحدهم. وحيث لم أقف له على شرح إلا ما قصد إليه الإمام أبو بكر البيهقي في كتاب "السنن والآثار" من تدوين أحاديث الشافعي
_________________
(١) وهو المطبوع بعنوان (السنن الكبرى) والصواب في تسميته ما ذكره المصنف وكذا ذكر الذهبي في السير في ترجمة البيهقي، وهذا هو المثبت على لوحة بعض مخطوطات الكتاب.
[ ١ / ٢٨ ]
التي تضمنها هذا المسند، والتي جاءت في غيره من كتبه في الفقه وغيرها؛ فإنه- وإن كان قد جمعها وتكلم عليها -فإنه لم يقصد في كتابه قصد الشارحين، وإنما تكلم على بعضها من جهة الإسناد وعلى بعضها من جهة الفقه. ولقد أحسن -﵀- فيما قصد إليه، فإنه أتى بكل حسنة، ونبه على كل فضيلة. فناجَتني نفسي أن أنتصب لشرح هذا الكتاب شرحًا جامعًا كل ما يتعلق به من أنواع الشروح وأقسام المعاني، وتقضت الأيام وهذا العارض في النفس، ويقوى الخاطر المبارك ويشتد والهمة تنازع إليه، والرغبة تنافس عليه، وأنا أعلل النفس بما يشغلها عن مقصدها وهي لا ترعوي إلى مقالة ناصح ولا يردعها عن رأي صالح في اغتنام متجرٍ رابح، فاستخرت اللَّه -﷿- وشرعت في العمل بهذا الرأي الذي أرجو من اللَّه سبحانه الجزاء عليه، وإتمام النعمة علي بالنظر في الدار الآخرة إليه، إنه ولي الإجابة. وقد سميته كتاب "الشافي في شرح مسند الشافعي" وأنا أسأل كلَّ من وقف عليه من أولى الفهم والدراية وأرباب النقل والرواية، ورأي فيه خللًا أو لمَح منه زللًا أن يصلحه فإني مقر
بالتقصير في هذا المقام الكبير، معترف بالعجز عن الإحاطة بهذا البحر الغزير، واللَّه الموفق للصواب في القول والعمل بمنه وكرمه.
ثم لما يسر اللَّه هذا الرأي وقدره؛ نظرت في هذه الأحاديث التي اشتمل عليها المسند المذكور فرأيتها مخرجة من بعض كتب الشافعي -﵀- مثل كتاب "استقبال القبلة"، وكتاب "الأمالي" وكتاب "الإمامة" وكتاب "الصيام الكبير"، وكتاب "اختلاف الحديث" وكتاب "الرسالة"، وغيرها من الكتب وسيجيء تفصيل ما صنفه الشافعي من الكتب في ذكر مناقبه وفضائله مستوفاة مفصلة، وهي زائدة على الكتب المسماة في هذا المسند، وليس كتاب من كتبه إلا وهو مشحون بأحاديث رسول اللَّه - ﷺ - وآثار الصحابة والتابعين، وأجلتُ الفكر في هذا المسند وهو ما أخرجه أبو العباس الأصم من الكتب المذكورة وجمعه، فرأيته صغير الحجم قليل الأحاديث بالنسبة إلى ما رواه الشافعي من
[ ١ / ٢٩ ]
الأحاديث والآثار، ثم هو على قلته كثير التكرار؛ لأن الشافعي -﵀- كان يستدل بالأحاديث في موضع من كتابه ثم يأتي ذلك المعنى أو غيره من المعاني يدل هذا الحديث أو بعضه عليها في موضوع آخر من كتابه أو في غيره من الكتب، فيعود يستدل بذلك الحديث فيتكرر ذكره لتكرر (١) ذكر ذلك المعنى، إما لاختلاف الموضع أو لاشتماله على معنى آخر.
وليس هذه الأحاديث المودعة في هذا المسند جميع ما رواه الشافعي ولا جميع ما استدل به على الأحكام الفقهية وغير هؤلاء الأحاديث التي وردت في جميع كتبه بل ولا جميع الأحاديث التي وردت في الكتب التي سماها أبو العباس الأصم في المسند، وذكر أنه أخرج الأحاديث منها، فلست أدري ما كان غرض الأصم -﵀- من اقتصاره على هذه الأحاديث التي خرجها من هذه الكتب وسماها "مسند الشافعي" ولعله قد كان له غرض لم أقف عليه فإن أغراض العلماء تختلف، ومقاصدهم -تتباين (٢). وبالجملة فإن هذه الأحاديث التي تضمنها هذا المسند- وإن كانت قليلة العدد- فإنها من أمهات الأحاديث الفقهية، وظواهر الأدلة الشرعية. وحيث تعين الشروع فيها والتزام شرحها رأينا أقرب الطرق في ذلك إجراءها على ما هي عليه من الوضع والترتيب وأن نبتدئ بالحديث الأول من المسند ونشرحه، ثم بالثاني، ثم بالثالث، وكذلك إلى آخر كل كتاب منها ثم نتلوه بالكتاب الثاني وأحاديثه على النسق، ثم بالكتاب الثالث وهكذا إلى آخر المسند؛ ونذكر شرح كل حديث بعد ذكر
متنه لكن صَدتنا عن ذلك أمور؛ الأول: أن كثيرًا من الأحاديث قد تكرر -كما ذكرنا في عدة مواضع- فإن نحن شرحنا كل حديث فيها تكرر الشرح، وإن نحن أحلنا بالشرح على ما سبق احتاج الناظر في الكتب أن يتجشم كلفة
_________________
(١) في الأصل "لتكر" وهو تصحيف أو سهو من الناسخ والصواب الموافق للسياق ما أثبتناه.
(٢) وهذا يدل على نبل هذا الإمام الهمام وشدة إنصافه وإجلاله لأهل العلم ورجاله، والأنصاف عزيز.
[ ١ / ٣٠ ]
التطلب والاعتبار لذلك الحديث في أي موضع قد جاء ثم الكتاب في نفسه كبير فيضع الغرض.
الأمر الثاني: أن كثيرًا من الأحاديث قد جاء في المسند في غير موضعه من أحكام الفقه كما جاء في أحاديث كتاب "الرسالة" وكتاب "اختلاف الآحاديث"، وكتاب "اختلاف الشافعي ومالك"، وكتاب "اختلاف علي وعبد اللَّه"، وكل واحد من هذه الأحاديث المودعة في هذه الكتب المذكورة هو دليل على حكم فقهي أولى المواضع به موضع ذلك الحكم الفقهي، وإنما أورده الشافعي في هذه الكتب لبيان ما تضمنه اسم الكتاب المودع فيه.
الأمر الثالث: أن أحاديث المسند مسرودة فيه على غير ترتيب ولا نسق وإنما هي مخرجة من أماكنها في كتب الشافعي ولا تكاد أحاديثها تنتظم ولا يتبع بعضها بعضًا ولا يفهم كل حديث منها لِمَ أخرجه الشافعي؟! إلا بعد نظرٍ وتدبّر وفكر في معناه، ولعل الشافعي يكون قد أخرج ذلك الحديث لمعنى ويشتمل الحديث على غيره من المعاني فيظن أنه إنما أخرجه لمعنى غير المعنى الذي أخرجه له.
الأمر الرابع: أنها وإن كانت مخرجة على معاني الفقه، فإن كتب الصدر الأول من الأئمة لم تكن مرتبة مبوبة مفصلة على الوضع الذي هي كتب الفقه اليوم عليه، فإن كتب المتأخرين أحسن ترتيبًا، وأتم شيء صنعًا، وأكمل تفصيلًا.
والنفوس إلى هذه الأوضاع [المتأخرة] (١) أميل وفي تلك أزهد.
فلما كان الأمر على ذلك رأينا أن ننقل الأحايث التي في المسند إلى المواضع
_________________
(١) ما بين المعقوفتين بالأصل [المتأخر] والجادة ما أثبتناه.
[ ١ / ٣١ ]
اللائقة بها وترتيب الكتاب على ترتيب كتب الفقه المرتبة المبوبة المفصلة المتداولة بين أهل العصر لتكون الهمم لها أطلب، وفيها أرغب. ونذكر كل حديث منها في النوع والفرع والفصل والباب الذي أراده الشافعي واستدل به هو ومن فهم كلامه من أصحابه والقائلين بقوله الناقلين لمذهبه، ثم أضفنا إلى الأحاديث التي في المسند ما عرفناه مما رواه الشافعي في كتبه القديمة والجديدة ومما لم يجيء ذكره في المسند ليعلم الواقف عليها أن ما تضمنه هذا المسند بالنسبة إلى ما لم يتضمنه من الأحاديث التي رواها الشافعي قليل، هذا مع أن الذي أضفناه من هذه الأحاديث بالنسبة إلى ما لم يذكر أقل من ذلك إلا أن هذه الأحاديث المضافة إلى أحاديث المسند لم نتعرض إلى شرحها لأن الكتاب موضوع لشرح مسند الشافعي المشهور الذي جمعه أبو العباس الأصم، وإنما كان غرضنا بإضافتها ما قلناه من التنبيه على أن أحاديث المسند قليلة في حين ما رواه الشافعي - ﵀-.
فأما بيان ما قصدنا إليه من هذا الشرح فهو أنا نبدأ في أول كل حديث بأن نقول: أخبرنا الشافعي الحكاية عن الربيع بن سليمان؛ فإنه هو راوي المسند أو أكثره عن الشافعي. ولو أردنا بذلك أنفسنا لجاز؛ فإننا إذا قلنا: أخبرنا الشافعي -وقد أخبرنا عنه واحد عن واحد عن آخر إليه- فإن الشافعي يكون قد أخبرنا إذا كان قد أخبر من أخبرنا؛ ولأن اللبس في قولنا هذا منتف لتحقق المعنى ولأنا لو ذكرنا إسناد كل حديث فيما بيننا وبين الشافعي لطال من غير حاجة إليه.
وقد سلك كثير من العلماء هذه الطريق ولنا في الاقتداء بهم أسوة. ثم نذكر حسن (١) الحديث وإن كان قد جاء من طريق أو اثنين أو ثلاث ذكرناها في موضع واحد؛ وإن كان قد تكرر الحديث في موضع آخر من المسند نقلناه إلى هذا الموضع فإذا فرغنا من المتن شهدنا للحديث بالصحة والاستحسان والغرابة
_________________
(١) كذا بالأصل ولعل الصواب (متن) فصحفت.
[ ١ / ٣٢ ]
ونحو ذلك من أنواع ما أطلق على الأحاديث ثم اعتمدنا في تصحيحه وتحقيقه على ذكر من أخرجه من الأئمة الستة الذين اشتهروا بتصحيح الأحاديث ونقلها وضبطها واشتهرت كتبهم بالصحة والسلامة من الطعن كمالك بن أنس في كتابه "الموطأ"، ومحمد بن إسماعيل البخاري في كتابه "الجامع الصحيح" ومسلم بن الحجاج النيسابوري في "صحيحه"، وأبي داود سليمان بن الأشعث السجسْتاني في "سننه"، وأبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي في "جامعه"، وأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي في "سننه" الذين هم أئمة الأمصار، وعلى كتبهم وقع تعويل العلماء في جميع الأقطار، فإن كانوا قد أجمعوا على تخريج الحديث ذكرناهم وذكرنا أسانيد طرقهم أو أكثرها، وألفاظ حديثهم في غالب الأمر إلا أقلها وإن كان بعضهم قد أخرجه ذكرناه دُون من لم يخرجه، فإن لم يكن واحد منهم قد أخرجه، وعرفنا من أخرجه من أئمة الحديث غير هؤلاء ذكرناه، وعضدناه بذكر روايته وإسناده حتى تثبت صحته ويترجح العمل به، فإن أصل الحديث والاحتجاج به إنما هو صحة نقله وصدق رجاله وتعديل
رواته، ثم إنا بعد ذكر الأسانيد والروايات؛ نشرع في ذكر ما في الحديث مما تدعو الحاجة إلى بيانه، وجرت العادة بشرح ما يتعلق به من إسناد، ورجال، وغريب، ولغة، ونحو، وإعراب، وتصريف، واشتقاق، ومعنى، وفقه، وأصول فقه، وعلم كلام، وأصول حديث، وناسخ ومنسوخ، وتفصيل وإجمال، ورفع وإرسال، وقطع ووقف، وعموم وخصوص، وتبين وإهمال، وتحقيق وإغفال، وكشف وإبهام، وجرح وتعديل، وإفساد وتصحيح، وقديم وحديث، وما يتعلق به من علم البيان والبلاغة والفصاحة وما فيه من الحقيقة والمجاز والاستعارة والتشبيه، وبيان من قال به من الأئمة المجتهدين ومن خالف فيه، وما يتطرق إليه من وجوه الاحتمالات والتأويلات والترجيح بما يمكن من طرق الترجيحات وبيان ما يخالف من الأحاديث، تارة من جهة إسناده وكثرة رواته، وتارة من جهة تاريخه، وتارة من جهة لفظه، وتارة من جهة معْناه،
[ ١ / ٣٣ ]
وتارة من جهة العاملين به من الخلفاء الراشدين وغيرهم، وتارة من جهة موافقته القياس، وغير ذلك من الأسباب المرجحة المقومة لصحته، وأشياء كثيرة من وجوه البيان والإيضاح وأنواع الكشف والإفصاح، فإذا فرغنا من ذلك جميعه أو مما يقع في الحديث منه جعلنا خاتمة كل حديث بيان ما ذهب إليه الشافعي -﵀- من الحكم الذي احتج بهذا الحديث عليه وأتبعناه بذكر من قال به من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين: ثم ذكرنا بعقب ذلك من قال بخلافه من الأئمة في ذلك الحكم، فإذا فرغنا من ذلك انتقلنا إلى الحديث الآخر وهلم جرّا إلى آخر الكتاب -إن شاء اللَّه تعالى-.
وقبل أن نشرع في ذلك فلنبدأ بذكر شيء من مناقب الإمام الشافعي - ﵀- نستدل بها على قدر ما كان عنده من العلم والنعمة التي آتاه اللَّه إياها من الدراية والفهم ولنوردها في عشرة فصول:
[ ١ / ٣٤ ]