أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي صعصعة، عن أبيه، أن [أبا] (١) سعيد الخدري قال له: "أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك فإنه لا يسمع مدى صوتك جن، ولا إنس، ولا شيء إلا شهد لك يوم القيامة".
قال أبو سعيد: سمعته من رسول اللَّه - ﷺ -.
هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري (٢)، ومالك (٣)، والنسائي (٤).
_________________
(١) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، والتصويب من مطبوعة المسند، ومصادر التخريج الأخرى.
(٢) البخاري (٦٠٩).
(٣) الموطأ (١/ ٨٢ رقم ٥).
(٤) النسائي (٢/ ١٢).
[ ١ / ٤٢٧ ]
فأما مالك: فأخرجه في الموطأ بالإسناد، وقال فيه: فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن.
وأما البخاري: فأخرجه عن عبد اللَّه بن يوسف، عن مالك بلفظه.
وأما النسائي: فأخرجه عن ابن (١) القاسم، عن مالك، إسنادًا ولفظًا.
"البادية": الصحراء التي لا عمارة فيها.
وإنما قال: الغنم والبادية، لأن الغالب من حال صاحب الغنم أن يكون في البادية لأجل المرعى.
"والمدى": الغاية، يريد أنه يستنفذ وسعه في رفع صوته فيبلغ فيه الغاية، فكل من سمعه إلى منتهى الغاية؛ يشهد له يوم القيامة.
وقوله: "ولا شيء"، يريد به كل ما يجوز أن يضاف إليه سَمَاعٌ من الحيوانات غير الجن والإنس.
ويجوز أن يريد به كل شيء، سواء كان مما يسمع أو ما لا يسمع، وأن اللَّه يخلق لها [لسانًا] (٢) يشهد له يوم القيامة، ويشهد لهذا القول ما رواه المزني، عن الشافعي، عن سفيان بن عيينة قال: سمعت عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قال: سمعت أبي وكان يتيمًا في حجر أبي سعيد الخدري قال: قال لي أبو سعيد الخدري: أي بني، إذا كنت في هذا الوادي فارفع صوتك بالأذان، فإني سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: "لا يسمعه إنس، ولا جن، ولا حجر، ولا شجر إلا شهد له".
قال الشافعي عقيب هذه الرواية: يشبه أن يكون مالك أصاب اسم الرجل.
قال البيهقي: وهو كما قال الشافعي، وهو عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن
_________________
(١) كلمة (ابن) جاءت مكررة بالأصل.
(٢) بالأصل [بستانًا] وهو تصحيف والصواب هو المثبت.
[ ١ / ٤٢٨ ]
عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني، الأنصاري المدني، سمع أباه، وعطاء ابن يسار، وروى عنه مالك، وابنه عبد اللَّه (١).
والذي ذهب إليه الشافعي أنه قال: وأحب أن يكون المؤذن صيِّتًا أي: عالي الصوت جهوريه، وأن يكون حسن الصوت.
وفي سياق هذا الحديث: بيان فضيلة المؤذن والتأذين.
وسيجيء المذهب في ذلك عند ذكر حديثه.
_________________
(١) قال الحافظ في "التهذيب" (٣/ ٣٨٢): قال ابن المديني: وهم ابن عيينة في نسبه حيث قال: عبد اللَّه بن عبد الرحمن، وقال الشافعي: يشبه أن يكون مالك حفظه. وقال الدارقطني: لم يختلف على مالك في تسمية عبد الرحمن بن عبد اللَّه، وقال ابن عبد البر في التمهيد: ثقة.
[ ١ / ٤٢٩ ]
وقت الأذان
أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: "إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم" وكان رجلًا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحتَ أصبحتَ.
وأخبرنا الشافعي: عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم أن رسول اللَّه - ﷺ - وذكر الحديث وفيه "ينادي" بدل "يؤذن".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه مالك (١)، والبخاري (٢)، ومسلم (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥).
وقد أخرجه الشافعي عن سفيان موصولًا، وعن مالك في القديم والحديث مرسلًا.
فأما مالك: فأخرجه عن عبد اللَّه بن دينار، عن عبد اللَّه بن عمر إلى قوله: ابن أم مكتوم.
وله في أخرى: عن ابن شهاب، عن سالم، بالإسناد واللفظ.
وأما البخاري (٦): فأخرجه عن حرملة، عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد.
وعن قتيبة، عن ابن شهاب، بالإسناد واللفظ، إلى قوله: ابن أم مكتوم.
_________________
(١) الموطأ (١/ ٨٦) رقم (١٤ - ١٥).
(٢) البخاري (٦١٧) عن القعنبي عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه به.
(٣) مسلم (١٠٩٢).
(٤) الترمذي (٢٠٣) وقال: حسن صحيح.
(٥) النسائي (٢/ ١٠).
(٦) كذا بالأصل وهو خطأ والصحيح ذكر مسلم مكان البخاري فهذه روايته وهذا طريقه، وأظن أنه وقع سهو من المصنف فهو لم يشرح طريق البخاري ولم يذكر طريق مسلم في صدر كلامه وقد بينت طريق البخاري في الحاشية مع التخريج.
[ ١ / ٤٣٠ ]
وأما النسائي: فأخرجه عن قتيبة، عن مالك، عن عبد اللَّه بن دينار، بإسناد مالك ولفظه.
وفي أخرى: عن قتيبة، بإسناد الترمذي ولفظه وفيه: "حتى تسمعوا تأذين ابن أم مكتوم".
"الأذان": معروف وهو في اللغة: الإعلام، تقول: أذنته أُوذنه إيذانًا، وأذن يؤذن تأذينًا وآذانًا.
والمراد به في الشريعة: الإعلام بوقت الصلاة.
وقوله: "بليل" أي في الليل، وحقيقته: أنه يلصق أذانه بالليل، "فالباء" هنا بمعنى "في".
"والنداء": يريد به الأذان، قال اللَّه -تعالى-: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ (١)، وقال: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ (٢).
وقوله: "فكلوا واشربوا" هو أمر لهم، وإعلام بامتداد وقت السحور إلى هذا الأمد، يريد طلوع الفجر الثاني.
قال الزَّجَّاج:
إنما سمي الإعلام أذانًا: اشتقاقًا من الإذن.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن صلاة الفجر تختص بجواز الأذان قبل طلوع الفجر الثاني، الذي هو وقتها بخلاف غيرها من باقي الصلاة، فانه لا يجوز إلا بعد دخول وقتها، وتقديم الأذان على الفجر عنده مستحب، وبه قال مالك، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، وأبو يوسف.
_________________
(١) الجمعة: [٩].
(٢) المائدة: [٥٨].
[ ١ / ٤٣١ ]
وقال أبو حنيفة، والثوري، ومحمد بن الحسن: لا يجوز إلا بعد طلوع الفجر أسوة بغيرها من الصلاة.
وإنما خصها بذلك لأن وقتها يدخل والناس أكثرهم نيام، فاستحب تقديم الأذان لينتبه النائم ويُرَجِّعَ القائم، وقد قال النبي - ﷺ - فيما رواه ابن مسعود في الصبح لا يَمْنَعَنَّ أحدكم أذانُ بلالٍ من سحوره، فإنه يؤذن بليلٍ ليرجع قائمكم، ويوقظ نائمكم (١).
قال: وإذا أذن قبل الفجر، فيستحب أن يكون له مؤذن آخر، يؤذن بعد طلوع الفجر، فإن لم يكن إلا مؤذن واحد، أذن قبل الفجر وترك الإعادة.
قال الشافعي: وخالفنا في هذا بعض الناس فقال: لا يؤذن للصبح إلا بعد الفجر وهي كغيرها، وقال: فقد روينا أن بلالًا أذن قبل الفجر فأمر فنادى: إن العبد نام (٢)، قلنا: سمعنا تلك الرواية، فرأينا أهل الحديث من أهل ناحيتك لا يثبتونها، يزعمون أنها ضعيفة ولا يقوم بمثلها حجة على الانفراد، وروينا بالإسناد والصحيح قولنا عن النبي - ﷺ -. واحتج الشافعي على ذلك بفعل أهل
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٢١)، ومسلم (١٠٩٣).
(٢) أخرجه البيهقي في سننه الكبير (١/ ٣٨٣) وقال: هذا حديث تفرد بوصله حماد بن سلمة، عن أيوب، وروي أيضًا عن سعيد بن زربي، عن أيوب، إلا أن سعيدًا ضعيف، ورواية حماد منفردة، وحديث عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أصح منها، ومعه رواية الزهري، عن سالم، عن أبيه. وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ٥٩): هذا حديث انفرد به حماد بن سلمة دون أصحاب أيوب، وأنكروه عليه، وخطؤوه فيه، لأن سائر أصحاب أيوب يروونه عن أيوب قال: "أذن بلالًا مرة بليلٍ" فذكره مقطوعًا. وقال الحافظ في الفتح (٢/ ١٢٢): اتفق أئمة الحديث: علي بن المديني، وأحمد، بن حنبل، والبخاري، والذهلي، وأبو حاتم، وأبو داود، والترمذي، والأثرم، والدارقطني على أن حمادًا أخطأ في رفعه، وأن الصواب وقفه على عمر ابن الخطاب، وأنه هو الذي وقع له ذلك مع مؤذنه وأن حمادًا انفرد لرفعه وانظر المعرفة (٢/ ٢١٢).
[ ١ / ٤٣٢ ]
الحرمين، وساق الكلام فيه إلى أن قال: هذا من الأمور الظاهرة، ولا شك أن أهل المسجدين، والمؤذنين، والأئمة أقروهم، والفقهاء لم يقيموا من هذا على غلط، ولا أقروه ولا احتاجوا فيه إلى علم غيرهم، ولا لغيرهم الدخول بهذا عليهم. وقد أخرج الشافعي في كتاب القديم قال:
أخبرنا بعض أصحابنا عن الأعرج، [عن] (١) إبراهيم بن محمد بن عمارة، عن أبيه، عن جده، عن سعد القرظ قال: أذَّنَّا في زمن النبي - ﷺ - بقباء، وفي زمان بالمدينة، فكان أذاننا للصبح لوقت واحد في الشتاء لسبع ونصف تبقى، وفي الصيف لسبع تبقى منه.
قال الشافعي: وأخبرنا ابن أبي الكنات (٢) الخزاعي -وكان قد زاد على الثمانين أو زاهقها- قال: أدركت مذ كنت آل أبي محذورة يؤذنون قبل الفجر بليل؛ وسمعت من سمعت منهم يحكي ذلك عن آبائه.
وقال الشافعي: وأخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن بشر بن عاصم، أن عمر بن الخطاب قال: عجلوا الأذان بالصبح، يدلج المدلج وتخرج العاهرة.
وقال الشافعي: وأخبرنا مسلم، وسعيد، عن ابن جريج، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: إن بعد النداء بالصبح لحزبًا حسنًا إن الرجل ليقرأ سورة البقرة.
وقال الشافعي: وأخبرنا سفيان بن عيينة، عن شبيب بن غرقدة، عن حِبَّان بن الحارث قال: أتيت عليًّا -﵁- بدار أبي موسى وهو يتسحر فقال: إذن فاطعم، فقلت: إني أريد الصوم، قال: فأنا أريد الصوم، فطعم فلما فرغ، أمر ابن التياح فأقام الصلاة.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل والمثبت من المعرفة (٢/ ٢١٠).
(٢) في المعرفة: (الكناني).
[ ١ / ٤٣٣ ]
قال الشافعي [وهو لا يأمر] (١) بالإقامة إلا بعد النداء، وحين طلوع الفجر أمر بالإقامة.
ففي هذا دلالة على أن الأذان كان قبل الفجر.
قلت: قد تقدم هذا الحديث في باب المواقيت.
وقوله: "لسبع ونصف" يريد أن الليل إذا قسم سبعة أقسام؛ كان الأذان في الشتاء إذا بقي من الليل قسم ونصف قسم، وفي الصيف إذا بقي منه قسم، والقسم الواحد في الصيف نسبته إلى مدة زمان ليل الصيف مثل القسم والنصف إلى مدة زمان ليل الشتاء، لأن سبعًا ونصف سبع هو ثلاثة من أربعة عشر، وغاية ما يطول الليل في الشتاء إذا نسبت إليه هذا المقدار كان بمنزلة السُّبْعِ الذي هو اثنان إذا نسبته إلى غاية قصر الليل في الصيف؛ وكان ليل الشتاء بطوله إذا بقى منه سبع ونصف سبع؛ يكون النائم قد اكتفى من نومه فيما انقضى من الليل، وليل الصيف إذا بقى منه سبع كان قد اكتفى النائم بما انقضى منه، فجعل في الشتاء زيادة نصف سبع على الصيف؛ لئلا يتضجر النائم في ليل الصيف لو قدم وقت الأذان، مثل الشتاء أو عسر عليه الانتباه.
"والادّلاج": بالتشديد هو سير آخر الليل، وبالتخفيف سير أوله.
وهو المراد في الحديث، لأن المسافر إذا أراد أن يسير بليل وسمع المؤذن خف لمسيره.
"والعاهرة": الزانية، ومعنى قوله تخرج العاهرة، إشارة إلى الستر والصون على من عسى أن تكون قد أزلها الشيطان، وباتت في غير بيتها ابتغاء الفاحشة، فإذا سمعت الأذان خرجت من مكانها راجعة إلى بيتها خوف الفضيحة وهتك الستر: لو أصبحت في موضعها.
_________________
(١) سقط من الأصل والاستدراك من المعرفة (٢/ ٢١١).
[ ١ / ٤٣٤ ]
وهذا منه -﵁- حث على مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم واقتداء بالرسول - ﷺ - في قوله: "إذا أطال أحدكم الغيبة، فلا يطرقن أهله ليلًا، لئلا يتخونهم أو يطلب عثراتهم" (١).
وقد روى أنس بن مالك: "أن النبي - ﷺ - نهى أن تطرقوا النساء ليلًا" (٢).
قال: فطرق رجلان بعد نهي رسول اللَّه - ﷺ - فوجد كل واحد منهما مع امرأته رجلًا".
"والحِزْب": الوِرْدُ والوظيفة التي يوظفها الإنسان على نفسه من قراءة، أو عبادة، أو نحو ذلك من الأقوال والأفعال.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٢٤٤)، ومسلم (٧١٥).
(٢) أخرجه البخاري (١٨٠٠)، ومسلم (١٩٢٨) لكن بلفظ: "كان النبي - ﷺ - لا يطرق أهله، كان لا يدخل إلا غدوة أو عشية". وهذه الزيادة المذكورة لم تقع في الصحيحين، وقد وردت من حديث ابن عمر وابن عباس -﵁-. وراجع الفتح (٩/ ٢٥٢).
[ ١ / ٤٣٥ ]