مع أن الإمام الشافعي -﵀- كان سلفَّي الاعتقاد على منهج أهل
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (٢١/ ٤٨٩).
[ ١ / ٩ ]
السنه والجماعة، إلا أن متأخري الشافعية أكثرهم على منهج الأشاعرة، وقد تبني المصنف هذا المعتقد ودافع عنه في كتابه.
ومن أخطر مسائل الاعتقاد التي خالف فيها الأشاعرةُ أهل السنة والجماعة:
قضية الأسماء والصفات.
وأمهات المسائل التي خالف فيها متأخروا المتكلمين ممن ينتحل مذهب الأشعري لأهل الحديث ثلاث مسائل:
١ - وصف اللَّه بالعلو على العرش.
٢ - ومسألة القرآن.
٣ - ومسألة تأويل الصفات.
ومن القضايا التي أثارها المصنف في كتابه مسألتي العرش وتأويل الصفات، ففي مسألة العرش قال:
وأما الاستواء على العرش فالمسلون فيه مختلفون، والذي ذهب إليه أهل السنة والجماعة فيه مذهبان.
أحدهما: أنهم أجروا هذه اللفظة على ظاهرها مجرى غيرها من آيات الصفات وأحاديثها، فلا يأولونها، وقالوا: الاستواء صفة من جملة صفات اللَّه -﷿- لا يُعلم ما هو وينفي عنه التشبيه والاستقرار الذي هو من صفات الإسلام، تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا، هذا مذهب كثير من صالحي
السلف وأكثر المحدثين رحمة اللَّه عليهم، أَمُّروا الآيات والأحاديث على ظاهرها؛ هربًا من الوقوع فيما لا يعلمون عاقبته ولا يتحققون معيته وسلوكًا في طريق السلامة من الزيغ والزلل، وهذا وإن كان طريقًا صالحة ومحجة سالمة فإن راكبها يدَّرع من التضرر جلبابًا، ويستمطر من التقليد سحابًا، قانعًا بالوقوف عند أصحاب اليمين، راضيًا بالتأخر عن مقامات السابقين، ولعمري قد قال فضلًا وحاز من التوفيق حظًّا.
وأما المذهب الثاني وهو الذي صار إليه المحققون من أهل الإيمان الفائزون
[ ١ / ١٠ ]
بالرضوان فإنهم اعتبروا الآيات والأخبار الواردة، فما جاز إطلاق ظاهره على اللَّه ﷿ وما دلت عليه أوضاع اللغة العربية أجروه بظاهره ولا يحتاجون فيه إلى تأويل لاستمراره في منهج الصحة والصدق.
وما لم يجز إطلاق ظاهره على اللَّه ﷿ لقيام الدليل على استحالة إطلاق ظاهره عليه أولوه تأويلًا تقتضيه اللغة العربية وقد أطردت العادة بمثله؛ فرارًا من إطلاق ظاهره عليه مالا يجوز إطلاقه على اللَّه ﷿، فقالوا في الاستواء: أنه بمعنى الاستيلاء والقدرة عليه وقد أطلق أهل اللغة الاستواء بهذا المعنى في غير الآية، وإنما خص الاستيلاء بالعرش لأن العرش أعظم الموجودات وهو محيط بالكرسي الذي وسع السموات والأرض، وإذا أضاف الاستيلاء إلى أعظم موجوداته كان مادونه أولى بالاستيلاء.
هذا قاله الراسخون في العلم الذين أخبر اللَّه ﷿ عنهم أنهم هم الذين يعلمون تأويل كتابه فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا الله وَالرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧].
وأما ما ذهب إليه طوائف المشبهة والمجسمة في أمثال هذه الآيات والأخبار من التشبيه والتجسيم حتى قالوا: إن الاستواء على العرش هو القعود عليه والاستقرار كما تستقر الأجسام بعضها على بعض فاللَّه ﷾ منزه عن هذه الأقوال المفتراه والآراء الفاسدة التي تفضي بقائلها إلى سواء الجحيم، نسأل اللَّه العصمة والتوفيق في القول والعمل، وأن يهدينا سواء السبيل.
وهذا الذي قاله ابن الأثير -﵀- وأثنى به على قائله خلاف ما ذهب إليه المحققون من أهل السنة والجماعة.
قال ابن خزيمة في التوحيد (١/ ٢٣٣).
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]. وقال ربنا -﷿-: ﴿إِنَّ
[ ١ / ١١ ]
رَبَّكُمُ الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس: ٣] وقال في تنزيل السجدة: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٢].
وقال اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧].
فنحن نؤمن بخبر اللَّه -جل وعلا-: أن خالقنا مستوٍ على عرشه، لا نبدل كلام اللَّه، ولا نقول قولًا غير الذي قيل لنا، كما قالت المعطلة الجهمية: إنه استولى على عرشه، لا استوى، فبدلوا قولًا غير الذي قيل لهم، كفعل اليهود لمَّا أمروا أن يقولوا: حطة فقالوا: حنطة، مخالفين لأمر اللَّه -جل وعلا- كذلك الجهمية. أهـ.
ورحم اللَّه الإمام مالك عندما قال مقولته الشهيرة عندما سئل عن قوله تعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ كيف أستوى؟ فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
والكلام يطول في ذلك، ومن رام المزيد فعليه بكتب الاعتقاد، وعلى الخصوص "مختصر العلو" للذهبي، "ومجموع الفتاوى لشيخ الإِسلام"، "والعقيدة الطحاوية" (١/ ٢٨٠) وما بعده.
وفي مسألة تأويل الصفات:
قال المصنف على صفة اليد في المجلد الأول (ق٦٤ - ب):
اليد يراد بها القدرة والاستيلاء والحكم، وهذا تمثيل، والتقدير: أن الخير في حكمك وتحت أمرك. أ. هـ.
وفي موضع آخر من كتاب الزكاة في المجلد الثالث (ق٥٦ - ب): ويد الرحمن لا يجوز حملها على ظاهرها، فإن لفظ اليد موضوع بإزاء الجارحة المخصوصة، ويتعال ويتقدس عن التشبيه والتجسيم علوًّا كبيرًا، فإنما يريد بيد الرحمن هاهنا: لطفه ورأفته. أ. هـ.
[ ١ / ١٢ ]
وقد نأى المصنف بقولته تلك عن منهج أهل السنة والجماعة، وسلك مسلك المتكلمين والمعطلين وجنح عن الصراط البيِّن القويم، والأصل في هذا الباب أن يوصف اللَّه تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله نفيًا وإثباتًا، فيثبت للَّه ما أثبته لنفسه، وينفى عنه ما نفاه عن نفسه، وقد عُلم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها؛ إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف
ولا تعطيل وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه -مع ما أثبته من الصفات- من غير إلحاد لا في أسمائه ولا في آياته (١).
وقد تعقب شيخ الإسلام هذه الأصول الثلاثة التي شغب بها الأشاعرة وأبطلها، فقال في جملة ذلك: مذهب أهل الحديث - وهم السلف من القرون الثلاثة ومن سلك سبيلهم من الخلف-: أن هذه الأحاديث تُمَرُّ كما جاءت، ويؤمن بها، تصدق، وتصان عن تأويل يفضي إلى تعطيل، وتكييف يفضي إلى تمثيل.
وقد أطلق غير واحد ممن حكى إجماع السلف -منهم الخطابي-: مذهب السلف: أنها تجرى على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها.
وذلك أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، يحتذى حذوه ويتبع فيه مثاله، فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية فنقول: إن له يدًا وسمعًا، ولا نقول: إن معنى اليد القدرة، ومعنى السمع العلم.