أخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد الوهاب، عن يونس عن الحسن أن النبي - ﷺ - قال "المؤذنون أمناء المسلمين على صلاتهم".
وذكر معها غيرها، هكذا جاء في المسند، وهو مرسل أرسله الحسن بن أبي الحسن البصري فلم يرفعه (١).
وقوله: "وذكر معها غيرها"، لعله أراد الزيادة التي جاءت في رواية علي بن المديني، عن محمد بن أبي عدي، عن يونس، عن الحسن قال: قال رسول اللَّه - ﷺ - "المؤذنون أمناء الناس على صلاتهم وحاجتهم -أو حاجاتهم" (٢).
"والمؤذنون": جمع سلامة للمؤذن.
_________________
(١) وقد روي مرفوعًا من أوجه أخرى ولا تصح. قال الحافظ في التلخيص (١/ ١٨٣). رواه الشافعي في "الأم" عن عبد الوهاب قال الدارقطني في "العلل": هذا هو الصحيح مرسل، وأما من رواه عن الحسن عن أبي هريرة فضعيف، قال البيهقي: يروي عن جابر وليس بمحفوظ، وروي عن أبي أمامة من قوله.
(٢) أخرجه البيهقي في سننه (١/ ٤٣٢) وقال: وقد روي إجازة ذلك عن يونس، عن الحسن، عن جابر وليس بمحفوظ.
[ ١ / ٤٤٧ ]
"والأمناء": جمع أمين، وهو الثقة الحافظ لما اؤُتمِنَ عليه تقول: أمنته على كذا وائتمنته بمعنى، وإنما كان المؤذن أمينًا للمسلمين على صلاتهم، لأنهم بأذانه يصلون فهم يتبعونه ويعتمدون على شهادته وأذانه، فهو يعينهم على وقت صلاتهم.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن المؤذن ينبغي أن يكون عدلًا، ثقة، عارفًا بأوقات الصلاة لأمرين:-
أحدهما: ما ذكرناه من معرفته بالوقت وتقليد الناس له، فإنه إذا لم يكن ثقة؛ لم يؤمن أن يؤذن في غير الوقت للجهالة ولعدم الأمانة.
الأمر الثاني: أنه يستحب للمؤذن أن يؤذن في موضع عالٍ، فيحتاج أن يشرف على الناس، فربما رأى من حرم الناس ما لا يجوز له.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: "الأئمة ضمناء والمؤذنون أمناء، فأرشد اللَّه الأئمة، وغفر (١) للمؤذنين".
وقد أخرج الشافعي في كتاب الإمامة (٢) عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة يبلغ به النبي - ﷺ - أنه قال: "الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم فأرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين".
_________________
(١) في المطبوعة بترتيب السندي (وغفر).
(٢) الأم (١/ ١٥٩).
[ ١ / ٤٤٨ ]
هذا حديث صحيح (١)، أخرجه أبو داود (٢)، والترمذي (٣).
فأما أبو داود: فأخرجه عن أحمد بن حنبل، عن محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن رجل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: "الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين" وفي أخرى: عن الحسن بن علي، عن ابن نمير، عن الأعمش،
_________________
(١) هو حديث مختلف فيه صححه بعض أهل العلم وأعله آخرون. قال الحافظ في "التلخيص" (١/ ٢٠٧): قال أحمد: ليس لحديث الأعمش أصل، وقال ابن المديني: لم يسمع سهيل هذا الحديث من أبيه، إنما سمعه من الأعمش، ولم يسمعه الأعمش من أبي صالح بيقين، لأنه يقول فيه: نبئت عن أبي صالح، وكذا قال البيهقي في "المعرفة"، وقال الدارقطني في "العلل": رواه سليمان بن بلال وروح بن القاسم ومحمد بن جعفر وغيرهم عن سهيل، عن الأعمش قال: وقال أبو بدر عن الأعمش: حُدِّثت عن أبي صالح، وقال ابن فضيل: عنه، عن رجل، عن أبي صالح، وقال عباس، عن ابن معين، قال الثوري: لم يسمع الأعمش هذا الحديث من أبي صالح، ورجح العقيلي والدارقطني طريق أبي صالح عن طريق أبي هريرة، على طريق أبي صالح، عن عائشة كما نقل الترمذي، عن أبي زرعة، وصححهما ابن حبان جميعًا اهـ. وقد دافع الشيخ الألباني -﵀- عن هذا الحديث وذهب إلى تقويته ودفع هذه العلل وقال في آخر مبحثه من الإرواء (١/ ٢٣٤). فهذه طرق أربعة عن أبي صالح مهما قيل فيه، فإن مما لا ريب فيه أن مجموعها يحمل المُنْصِفَ على القطع بصحة الحديث عن أبي هريرة، فكيف إذا انضم إليه الشواهد الآتية ثم ذكرها.
(٢) أبو داود (٥١٧، ٥١٨).
(٣) الترمذي (٢٠٧). وقال: حديث أبي هريرة رواه سفيان الثوري وحفص بن غياث وغير واحد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - وروى أسباط بن محمد، عن الأعمش قال: حُدِّثْتُ عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -. وروى نافع بن سليمان، عن محمد بن أبي صالح، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي - ﷺ -. وسمعت أبا زرعة يقول: حديث أبي صالح، عن أبي هريرة أصح من حديث أبي صالح عن عائشة. وسمعت محمدًا يقول: حديث أبي صالح، عن عائشة أصح. وذكر عن علي بن المديني أنه لم يثبت حديث أبي صالح عن أبي هريرة، ولا حديث أبي صالح عن عائشة في هذا. أهـ.
[ ١ / ٤٤٩ ]
قال: أنبئت عن أبي صالح؛ ولا أدري إلا قد سمعته منه -عن أبي هريرة عن رسول اللَّه - ﷺ - مثله.
وأما الترمذي: فأخرجه عن هناد، عن أبي الأحوص وأبي معاوية، عن الأعمش، بالإسناد مثل أبي داود.
وفي الباب: عن عائشة، وسهل بن سعد، وعقبة بن عامر.
وهذا الحديث لم يسمعه سهيل من أبيه، إنما رواه عن الأعمش، عن أبي صالح.
وقول الأعمش قد حكيناه في رواية أبي داود.
"الأئمة": جمع إمام، وقد سبق بيانه.
"والضُّمَنَاُء": جمع ضَمِين وهو الكفِيل هذا هو الأصل.
قال أهل اللغة: الضامن في كلام العرب معناه: الراعي، والضمان: الرعاية.
فقوله: "والإمام ضامن" أي مُراعٍ لحفظ الصلوات، وعدد الركعات على القوم.
وقيل: معناه ضمان الدعاء يعمهم به، ولا يختص به دونهم.
وقد تأوله قوم: على أنه يحمل القراءة دونهم في بعض الوقت -عند من يوجب القراءة على المأموم وذلك إذا أدركه راكعًا يكبِّر ويركع ويدع القراءة، وعند من لا يوجبها على المأموم؛ فإنه يتحملها الإمام عنه، ولذلك يتحمل عنه القيام إذا أدركه راكعًا؛ كبر وركع وأسقط القيام.
وليس الضمان الذي يوجب الغرامة من هذا في شيء، قاله الخطابي ولا أدري لم منع من ذلك، فإنه يجوز حمله على حقيقة الضمان، لأن الأمام ضامن لمن يأتم به صحة صلاته، فيما يرجع إلى التزامه في نفسه شرائط الصلاة وأركانها
[ ١ / ٤٥٠ ]
التي لا تظهر للمأموم ولا يعرفها منه، كالوضوء، وطهارة البدن، واللباس، والنية، والقراءة المخفاة، والتشهد، وغير ذلك مما يفسد بعدمه الصلاة، وكل ذلك لا يعلمه المأموم، فصلاته في نفسه مع جهله بها صحيحة، وإنما صحت لما غلب عليه ظنه من وجود هذه الأوصاف في الإمام، فهو قد تكفل بصحة صلاة المأموم، حيث أظهر له من نفسه أنه قد التزم ذلك، لأن صحة صلاته في عهدته، وهي مقرونة بصحة صلاته ولولا ذلك لا صحت صلاته، ألا ترى أنه يعاقب على ذلك إذا تعمده، ويكون إثم المأموم عائدًا إلى الإمام، وهو المؤاخذ به؟، وهذا ظاهر لا خفاء به.
وأما "الأمناء": فجمع أمين وقد تقدم بيان أمانة المؤذن في الحديث قبله.
وقوله: "فأرشد اللَّه الأئمة" الرشد والرشاد والرشد، ضد الغيّ إلا أن الرُّشد -بالضم- مصدر -رَشَدَ -بالفتح- يَرْشُدُ، والرَّشد -بالفتح مصدر رَشِدَ- بالكسر-يرشد، والرشاد: الاسم المعروف.
"والمغفرة ": التجاوز عن الذنب، وهو من الستر والتغطية.
وقد جاء في رواية الشافعي: "أرشد وغفر" على لفظ الخبر.
وفي رواية الباقين: "أرشد واغفر" بلفظ الأمر الذي هو الدعاء.
والأول أبلغ وإن كان أراد به الدعاء أيضًا، ولكنه أخرجه مخرج الخبر؛ لتيقنه بإجابة هذا الدعاء، وأنه قد صار من جملة ما وُجَدِ ووَقَعَ، فجاء بلفظ الفعل الماضي المتيقن.
وإنما خص الأئمة بالرشاد، ليكون أهدى لهم إلى التزام هذه الأشياء التي ذكرناها، والعمل بها والوقوف عندها.
وإنما خص المؤذنين بالمغفرة: لأن تفريط المؤذن دون تفريط الإمام، والضرر
_________________
(١) تراجع. قال معد الكتاب للشاملة: هذه الحاشية لم نجد الإشارة إليها.
[ ١ / ٤٥١ ]
الحاصل منه دون الضرر الحاصل من الإمام، فطلب له المغفرة لذلك.
وبيان ذلك: أن ذنب الأئمة في التفريط بما يلزمهم من أحكام الصلاة متعلق بحقوق الآدميين ليس حقًّا للَّه تعالى، وما كان حقًّا للآدميين فإنما يُطْلَبُ العفو عنه إذا رضي صاحب الحق، فحيث كان بهذه الحال دعى لهم بالرشاد، لئلا يقعوا في هذه الورطة التي لا يجوز معها طلب المغفرة لهم قبل براءة الذمة من حق الغير، ولأن الدعاء بما يعصم من ارتكاب الذنب أولى من الدعاء بطلب المغفرة لمن ارتكبه. وقد ذهب قوم: إلى أن التأذين أفضل من الإمامة، فاعترض عليهم بترك النبي - ﷺ - الأذان، ولم يكن يترك الأفضل، واعْتُذِرَ عن ذلك أن النبي - ﷺ - إنما تركه لما فيه من الشهادة له بالرسالة والتعظيم لشأنه، ولأن في الأذان الحيعلة وهي أمر بالمجىء إلى الصلاة، فلو أمر النبي - ﷺ - في كل صلاة بإتيانها؛ فربما كان من الناس من لا تجب [عليه] (١) فلا يجيئون إليها؛ فكانوا يأثمون بتركها مع سماع دعاء النبي - ﷺ - إليها.
_________________
(١) في الأصل [لها] والسياق غير مستقيم بها والمثبت هو الأقرب.
[ ١ / ٤٥٢ ]