أخبرنا الشافعي أخبرنا محمد بن أبي فديك، عن [ابن] (١) أبي ذئب، عن عمران بن بشير بن [مُحَرَّر] (٢)، عن سالم سبلان مولى النصريين، قال: "خرجنا مع عائشة زوج النبي - ﷺ - إلى مكة، وكانت تخرج بأبي حتى يصلي بها، قال: فأتى عبد الرحمن بن أبي بكر، وتوضأ، فقالت عائشة زوج النبي - ﷺ -: أسبغ الوضوء فإني سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: "ويل للأعقاب من النار" (٣).
هذا حديث صحيح، أخرجه الموطأ (٤)، ومسلم (٥).
فأما مالك: فأخرجه تعليقًا قال: بلغني: أن عبد الرحمن بن أبي بكر دخل على عائشة -زوج النبي - ﷺ - يوم مات سعد بن أبي وقاص فدعا بوضوء فقالت له عائشة: "يا عبد الرحمن، أسبغ الوضوء".
وذكر الرواية الثانية.
وأما مسلم: فأخرجه عن هارون بن سعيد الأيلي، وأبي طاهر، وأحمد بن عيسى، عن عبد اللَّه بن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن سالم مولى شداد قال: دخلت على عائشة -زوج النبي - ﷺ -، وذكر مثل رواية مالك.
"والوضوء": هاهنا مفتوح الواو، وهو الماء الذي يُتَوَضَّأ به، وقد تقدم بيان
_________________
(١) سقط من الأصل والصواب ما أثبتناه. وابن أبي ذئب هو: محمد بن عبد الرحمن.
(٢) بالأصل [محرز] بالمعجمة وهو تصحيف، كذا جاء في المسند بترتيب السندي والصواب ضبطه بالمهملة كما أثبتناه، وكذا جاء مضبوطًا في توضيح المشتبه (٨/ ٧٤) وتبصير المنتبه (٤/ ١٢٦٢).
(٣) في المسند بترتيب السندي (٨١) زاد (يوم القيامة) وأخرجه أحمد (٦/ ١١٢) بهذه الزيادة مع تقديم وتأخير في لفظه.
(٤) الموطأ (١/ ٤٨ رقم ٥).
(٥) مسلم (٢٤٠). (*) قال معد الكتاب للشاملة: كذا في المطبوعة، ولعل صوابها: "الفصل الثاني"، والله أعلم.
[ ١ / ٢٠٢ ]
ذلك مُسْتَوْفىً.
"والإسباغ": قد ذكر في الحديث الذي قبل هذا.
"والأعقاب": جمع عقب الرجل، وهو مؤخرها وذلك أنهم كانوا يغسلون أرجلهم عند الوضوء ولا يستقصون في غسلها، فلا يكاد الماء يصل إلى أعقابهم، فَتُوُعِّدُوا بالنار بعد القيامة.
"وويل" كلمة تتضمن دعاءً وعذابًا، تقول: وَيْلٌ لزيد، وويلًا لزيد، فالرفع على الابتداء، وإنماء جاز الابتداء به وهو نكرة؛ لما فيه من الدعاء كقوله: "سلام عليكم"، والنصب على إضمار الفعل، فإذا ما أضفته فقلت: وَيْلَ زيد، لم يكن إلا النصب، لأنك لو رفعته لم يكن له خبر.
وقيل: "ويل" وادٍ في جهنم، فعلى الأول تكون "من" في قوله: "من النار" لابتداء الغاية أي: ابتداؤه الويل من النار، ويجوز أن يكون للتبعيض، لأن العذاب الذي وُعِدَ به هو من النار أي بعضها، وعلى الثاني: يكون لتمييز الجنس، أي لها الويل الذي هو النار، ويجوز أن يكون للتبعيض أيضًا لأن الوادي -هو ويل- بعض النار.
وفي هذا الحديث دليل على:-
بطلان قول من ذهب إلى جواز مسح الأقدام، لأن المسح لا يبلغ الأعقاب، وإنما يكون على مشط القدم أو بعضه، والنبي - ﷺ - لا يتوعد بالنار على ما ليس بواجب.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن إسباغ الوضوء مستحب عنده، وعليه الأئمة.
[ ١ / ٢٠٣ ]