أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه أنه قال لعبد اللَّه بن زيد الأنصاري: "هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول اللَّه - ﷺ - يتوضأ؟ فقال عبد اللَّه بن زيد: نعم، فدعا بوضوء فأفرغ على يديه، فغسل يديه مرتين، وتمضمض واستنشق ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا؛ ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين؛ ثم مسح رأسه بيديه مرتين فأقبل بهما وأدبر؛ بدأ بمقدم رأسه؛ ثم ذهب بهما إلى قفاه؛ ثم ردهما إلى الموضع الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه".
وفي رواية أخرى بهذا الطريق المذكور "أن رسول اللَّه - ﷺ - توضأ فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه مرتين مرتين؛ ومسح رأسه بيديه" وذكر الحديث.
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، ومالك (٣)، وأبو داود (٤)، والترمذي (٥)، والنسائي (٦).
_________________
(١) البخاري (١٨٥).
(٢) مسلم (٢٣٥).
(٣) الموطأ (١/ ٤٧ رقم ١).
(٤) أبو داود (١١٨، ١١٩).
(٥) الترمذي (٤٧) وقال: حسن صحيح وقد ذكر في غير حديث: "أن النبي - ﷺ - توضأ بعض وضوئه مرة وبعضه ثلاثًا".
(٦) النسائي (١/ ٧١).
[ ١ / ١٨٥ ]
فأما مالك: فأخرجه بالإسناد وقال: استنثر [ثلاثًا] (١) واستنشق".
وأما البخاري: فأخرجه عن عبد اللَّه بن يوسف، عن مالك، بالإسناد وقال فيه: "إن رجلًا قال لعبد اللَّه بن زيد، ولم يقل: إنه قال لعبد اللَّه. فيحتمل أن يكون هذا (٢) القائل، إلا أنه كنى عن نفسه بقوله: إن رجلًا؛ ويجوز أن يكون السائل غيره، إلا أن البخاري قد ذكر في بعض طرقه لهذا الحديث عن عمرو بن يحيى، عن أبيه أنه شَهِدَ عمرو بن أبي حسن سأل عبد اللَّه بن زيد، فهذا صريح في أن السائل كان غير الراوي -واللَّه أعلم.
وله في أخرى: عن مسدد، عن خالد بن عبد اللَّه بن عمرو بن يحيى بالإسناد: أنه أفرغ من الإناء على يديه فغسلهما، وذكر نحوه، ثم قال في اخره: هكذا وضوء رسول اللَّه - ﷺ -. وله روايات أخرى.
وأما مسلم: فأخرجه عن محمد بن الصباح، عن خالد بن [عبد] (٣) اللَّه، عن يحيى، بالإسناد وذكره أتم منه، وقال هو والبخاري: "وغسل رجليه إلى الكعبين".
وله في أخرى: "ولم يذكر الكعبين".
وفي بعض طرقه: "فمضمض واستنشق من كف واحدة".
وفي بعضها: "واستنثر من ثلاث غرفات".
وأما أبو داود: فأخرجه عن القعنبي، عن مالك، بالإسناد ولم يقل في غسل يديه أول مرة: "مرتين".
وله في روايات أخرى باختلاف الألفاظ.
_________________
(١) في الأصل: [يدك] وليست في الرواية ولها وجه لها والمثبت من الموطأ.
(٢) كذا بالأصل ولعله (هو).
(٣) بالأصل [عبيد] وهو تصحيف، وخالد هو: ابن عبد اللَّه الواسطي، مشهور؛ وكذا جاء في مسلم كما أثبتناه.
[ ١ / ١٨٦ ]
وأما الترمذي: فأخرجه عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو ابن يحيى، بالإسناد وذكر نحوه.
وله طرق متفرقة بأسانيد مخالفة لهذا الحديث.
وأما النسائي: فأخرجه عن محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك، بالإسناد.
وفي الباب: عن ابن عباس، ومعاوية، والمقدام بن معدي كرب، وعائشة.
وحديث الوضوء قد روي من غير وجه، باختلاف الألفاظ عن عليٍّ، وعثمان، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، والربيع بنت معوذ، وكعب بن عمرو اليامي، وأبي أمامة، وجابر، وأبي هريرة، وعبد اللَّه بن حنطب، وأوس بن أبي أوس.
"هل": حرف يستفهم به، وقد يُدْخِلُون عليه هَمْزَةَ الاستفهام فيتأولون به معنى "قد" وقد ترد "هل" بمعنى "قد" أيضًا؛ قالوا في قوله تعالى ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ (١) أي: قد أتى.
"والاستطاعة": القدرة والطاقة على الشيء، وأصلها من الطاعة وهي المتابعة والانقياد، فإن القدرة لا تتأتي إلا عن مطاوعة النفس والأعضاء، وربما قالوا في استطاع. اسطاع يسطيع، يحذفون التاء استثقالًا لها مع الطاء لقرب المخرجين، ويكرهون إدغام التاء في الطاء لئلا تتحرك السين، وليست موضع حركة. وقد قرأ حمزة بن حبيب الزيات أحد القراء السبعة ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ﴾ (٢) بالإدغام، فجمع بين الساكنين، وهو قليل.
وهذه السين والتاء الداخلتان في "استفعل"، هما دليل التكلف والمعاناة في
_________________
(١) الإنسان: (١).
(٢) الكهف: (٩٧).
[ ١ / ١٨٧ ]
طلب الفعل، وتَرِدان للتحول نحو: "استنوق الجمل، واستجمر الطين".
ويردان أيضًا للإصابة على صفة، نحو استعظمته، واستنجدته.
ويردان بمنزلة فعل نحو: قرّ، واستقر.
"وكيف": اسم مبني على الفتح لالتقاء الساكنين، وُضِعَ للاستفهام عن الحال فأقيم مقام حروفه.
وموضع "أن تريني" نصب بـ "تستطع"، لأنه المسئول عن استطاعته.
"ونعم": حرف يجاب به، مصدقًا لما سبقه من كلام منفي أو مثبت، تقول قام زيد، ولم يقم زيد، فيقول في جوابهما نعم، فيكون مصدقًا لهما.
وكذلك إذا وقع الكلامان بعد حرف الاستفهام، فإنها تكون مصدقة لما بعد الهمزة.
"والمضمضة": تحريك الماء في الفم، مضمض وتمضمض بمعنى، وفرق بين اللفظتين من جهة التركيب لا من جهة الحكم، فإن مَضْمَضَ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ، وتمضمض فعل قاصر لأن التاء تدخل على الفعل إما للمطاوعة نحو: كسرته فتكسر أي: انقاد للكسر وطاوعني على حصوله، وترد بمعنى التكلف نحو: تَشَجَّعَ، وتَصَبَّرَ أي: طلب أن يصير صبورًا، وتكلف الصبر، وترد بمعنى اسْتَفْعَلَ نحو: تَكَبَّرَ، وتَعَظَّمَ، وترد بمعنى اسْتفْعلْ نحو: تَكَبَّر، وتَعَظَّمْ، وترد للعمل بعد العمل نحو، تجَّرعَ، تحسّى، ومنه تَفَهَّمَ:، وتَبَصَّرَ، وترد بمعنى اتخاذ الشيء نحو: تَوَسَّدْتُ الحَجَرَ، وتَدَبَّرْتُ المكان، وترد بمعنى التجنب نحو: تأثم، وتحرَّجَ.
و"الاستنشاق": إدخال الماء في الأنف مع التنفس إلى داخل، وأصله من استنشق الريح إذا شمها، والشَّمُّ لا يكون إلا باسترجاع التنفس في الأنف إلى داخل، ومنه النشوق وهو: سعوط يُجْعَلُ في المنخرين.
[ ١ / ١٨٨ ]
"والَمِرْفق": -بكسر الميم وفتح الفاء، وبفتح الميم وكسر الفاء- موصل الذراع في العضد.
"وإلى": حرف جر معناه: الانتهاء إلى الغاية، "وإلى" مقابلة "مِنْ" التي لابتداء الغاية، ولها في الكلام موضعان، أحدهما -حقيقي كقولك: سرت من البصرة إلى بغداد، أي كان ابتداء مسيري من البصرة وانتهاؤه إلى بغداد، فجائز أن يدخل ما تجره "إلى" في حكم ما قبله، كقوله تعالى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (١) فالمرافق داخلة في حكم الغسل.
والموضع الثانِي: مجازي وهو: إذا كان بمعنى المصاحبة، كقوله تعالى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (٢) وكقولهم: الذود إلى الذود وقيل: إنها هاهنا بمعنى "مع".
"والمسح": معروف تقول: مسحت الشيء، ومسحت به، ومسحت عليه، ومسحت عنه، وهو في الوضوء: أن تبل اليد بماء جديد غير ما فضل فيها من أثر الماء؛ فتمره على الرأس.
وسنذكر كيفية مسح الرأس، عند ذكر أقوال الأئمة في المسح واختلافهم فيه؛ والفرق بين "مسحتُ رأسي"، "ومسحتُ برأسي"، أَنَّ "مسحتُ رأسي" مخرجه على العموم، ويجوز أن يكون بعض الرأس، كما تقول: شججت رأسه، وإنما يكون قد شج بعضه ومَوْضِعٌ منه، وكذلك تقول: قَبَّلَ رأسه، وإنما يكون قد قَبَّلَ مَوْضِعَ الشفتين منه.
وإذا قلت: "مسحت برأسي"، فمخرجه إلصاق المسح بالرأس، فهو أقرب إلى الاختصاص من العموم، كما تقول: أخذت الزمام وأخذت بالزمام، فيكون مع الباء بمعنى: ألصقت يدي به وأعلقتها بطرفه.
_________________
(١) المائدة: [٦].
(٢) النساء: [٢].
[ ١ / ١٨٩ ]
ومع حذف الباء، يدل على أخذ جميعه والتمكن منه، وهذا مما يعضد قول مَنْ ذَهَبَ إلى إيجاب مسح اليسير من الرأس، على ما نذكر مفصلًا -إن شاء اللَّه تعالى.
ولدخول الباء فائدة لولاها لم تكن، وذلك أن: "الغسل" لغة يقتضي متى ذُكِرَ مغسولًا به، والمسح لا يقتضي ممسوحًا به، فلو قال: امسحوا رءوسكم، أو مسح رأسه، لم يفد ذلك ممسوحًا به، ولأجزأ مسح اليد على الرأس بغير شيء سوى إمرار اليد عليه، فدخلت الباء لتفيد متعلقًا به وهو الممسوح به وهو الماء، والتقدير: وامسحوا برءوسكم الماء، ويكون هذا على القلب، أي امسحوا رءوسكم بالماء، وذلك جائز في العربية.
أو يكون على الاشتراط في الفعل والتساوي في نسبته، كأنه لما حصل في التلاقي بين الرأس والماء؛ كان كل واحد منهما ممسوحًا بالآخر، فَذَكَرَ أحدَ الأمرين الجائزين -واللَّه أعلم.
وقوله "فأقبل بهما وأدبر": أي أنه وضع يديه على مقدم رأسه مما يلي وجهه، ومر بهما إلى دبره أي جهة قفاه، وكذلك قد شرحه في الحديث فقال: "بدأ بمقدم [رأسه] (١) ثم ذهب بهما إلى قفاه".
"والاستنثار": الامتخاط وهو: نثر ما في الأنف من بالأذى بالنَّفَسِ، وهو من نثرت الشيء، أنتثره نثرًا؛ إذا غرفته وألقيته، والنثرة الفرجة بين الشاربين حيال وترة الأنف، والنثرة للدواب شبه العطسة.
وقد جاء في بعض الروايات الجمع بين الاستنشاق والاستنثار؛ لأن الاستنشاق إلى فوق، والاستنثار إلى تحت وبهما يحصل نظافة الأنف والغرض المطلوب من غسله.
_________________
(١) ما بين المعقوفقين سقط من الأصل والسياق يقتضيها، بل هو نص الرواية التي عليها مدار الكلام.
[ ١ / ١٩٠ ]
"والغَرفة": بفتح الغين للمرة الواحدة من الاغتراف، وبضمها الاسم للمغروف منه، لأنك ما لم تغرفه لا تسميه غرفة، وقد قرى بهما.
وتجمع "الغَرْفَةُ" بالفتح على غرفات وغرفات والغُرفة بالضم على غراف.
"والكعبان": هما العظمان الناشزان عند ملتقى الساق والقدم عند الجماعة، وذهبت الشيعة: إلى أن الكعب هو العظم الناشز في ظهر القدم.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن فرائض الوضوء ستة:
الأول- "النية" ولا يصح الوضوء إلا بها وكذلك الغسل والتيمم.
ومحلها القلب، واللسان عبارة عما استقر في القلب، والتلفظ بها مستحب (١).
ووقتها عند غسل الوجه، فإن تأخرت عنه لم يكفه.
وصورتها: أن ينوي رفع الحدث مطلقًا أو استباحة الصلاة، أو ما لا يستباح إلا بالوضوء، كمس المصحف ونحوه، أو ينوي أداء الوضوء، أو فريضة الوضوء.
الفرض الثاني: "غسل الوجه": وحده من مبدأ تسطيح الجبهة إلى منتهى الذقن في الطول، ومن الأذن إلى الأذن في العرض.
الفرض الثالث: "غسل اليدين إلى المرفقين" ويدخل المرفقان في الغسل.
الفرض الرابع: "مسح الرأس" بماء جديد غير البلل الباقي في يده، فأقل ما يجزئه في المسح، ما يطلق عليه اسم المسح؛ ولو أنه بعض شعرة من الرأس، وقيل لا يجزئه أقل من ثلاث شعرات.
والذي قاله الشافعي: وإن مسح بعض رأسه بيده أو بعضها، ما لم يخرج عن منابت شعر رأسه أجزأه.
_________________
(١) والاستحباب حكم شرعي ولا يثبت حكمه إلا بدليل، وليس ثم دليل على ذلك.
[ ١ / ١٩١ ]
وقال ابن الصباغ: وتقديره بثلاث شعرات ليس بمقدار منقول عن الشافعي، وإنما يجزئ ما يقع عليه الاسم، وبه قال داود.
وقال مالك: يجب مسح الجميع، وحكي عنه أنه إن ترك قدر الثلث جاز.
وقيل: إن ترك يسيرًا لغير قصد جاز.
وأما أحمد بن حنبل: عنه روايتان إحداهما يجب مسح الجميع، والثانية -يجب مسح أكثره.
وأما أبو حنيفة: فَرُوِي عنه ثلاث روايات:-
إحداها:- الربع، والثانية: قدر الناصية، والثالثة: قدر ثلاث أصابع، ومنهم من قال يرجع ذلك إلى الربع، وعليه يُعوِّل أصحابه، والتكرار مستحب.
وروى ذلك عن أنس بن مالك، وهو مذهب عطاء.
وقال مالك، وأبو حنيفة، والثوري، وأحمد وأبو ثور: لا يستحب التكرار فيه بماء جديد، وبه قال الحسن ومجاهد.
وقال ابن سيرين: يمسح مرتين؛ مرة فرضًا ومرة سنة.
الفرض الخامس: "غسل الرجلين إلى الكعبين" والكعبان يدخلان في الغسل، وقد ذكرنا معنى الكعبين.
الفرض السادس: "الترتيب" فبدأ بالوجه، ثم باليدين، ثم بالرأس، ثم بالرجلين.
وقال في القديم: إن نَسِي الترتيب أجزأه، وهو ضعيف.
وأما قول الأئمة من العلماء في هذه الفرائض:
فقد قال بوجوب النية في الوضوء، والغسل، والتيمم، مع الشافعي؛ على ابن أبي طالب، وربيعة، ومالك، والليث، وأحمد، وإسحاق وأبو ثور،
[ ١ / ١٩٢ ]
وأبو داود، وأبو عبيد.
وقال أبو حنيفة، والثوري: يجوز الوضوء والغسل بغير نية، ولا يجوز التيمم إلا بنية.
وقال الحسن بن صالح: يجوز التيمم.
وعن الأوزاعي روايتان: إحداهما- مثل أبي حنيفة، والأخرى مثل الحسن.
وأما الوجه: فواجب بالإجماع.
وحكى عن الزهري أنه قال: الأذنان من الوجه، فأوجب غسلهما. وحكي عن أبي حنيفة؛ في الشعر المحاذي لمحل الفرض روايتان إحداهما: يجب غسله، والثانية: يجب مسح ربعه.
ورويت هذه الرواية عن أبي يوسف.
وروي عن أبي يوسف أنه: يسقط الفرض عن البشرة، ولا يتعلق بالشعر.
واعتبر أبو حنيفة ذلك بشعر الرأس فقال: الفرض إذا تعلق بالشعر كان مسحًا.
وإرسال الماء على ما انحدر من شعر اللحية، فيه عند الشافعي قولان:
أحدهما: يجب؛ وبه قال مالك، والثاني: لا يجب؛ وبه قال أبو حنيفة، والمزني.
أما الرِّجْلاَن: فغسلهما واجب، إلا ما حكي عن محمد بن جرير الطبري فإنه قال: يُخَيَّرُ بين الغسل والمسح.
وقالت الشيعة: لا يجب إلا المسح، والغسل لا يجوز.
وحكي عن بعض أهل الظاهر أنه قال: يجب الجمع بينهما.
وقال زفر، وابن داود: لا يدخلان الكعبان في الغسل كما قالا في المرفقين.
وأما الترتيب فيه، قال بوجوبه: أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد.
[ ١ / ١٩٣ ]
وقال قوم: إنه ليس بواجب وروي ذلك عن على، وابن مسعود، وابن المسيب، والحسن البصري، وعطاء، والنخعي، ومكحول، وإليه ذهب الأوزاعي، ومالك، وأبو حنيفة وأصحابه، والمزني، وداود.
واستدل الشافعي بحديث عبد اللَّه بن زيد هذا، وبما أخرجه في القديم عن مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد اللَّه "أن رسول الله - ﷺ - حين فرغ من ركعتي الطواف وخرج إلى الصفا فقال: نبدأ بما بدأ اللَّه -﷿- به" يعني قوله -﷿- ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (١) فبدأ بالصفا، وذلك ذهاب منه إلى أن الواو تفيد الترتيب، وكذلك الآية، قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٢) فبدأ بالوجه، ثم ثنى باليدين، فأفادت الواو فيها الترتيب.
وهذا الحديث قد أخرجه الترمذي (٣).
وأما سنن الوضوء فكثيرة وسيجيء في أحاديثها.
إلا أن هذا الحديث يتضمن منها: غسل اليدين في أول الوضوء والمضمضة، والاستنشاق، فإنهما (٤) والاستنثار التكرار.
أما غسل اليدين فيجيء في حديثه.
وأما المضمضة والاستنشاق فإنهما سنة، وبه قال الزهري، وربيعة، ومالك والأوزاعي.
_________________
(١) البقرة: [١٥٨].
(٢) المائدة [٦].
(٣) الترمذي (٨٦٢). من طريق سفيان بن عيينة، عن جعفر بن محمد به. وقال: حسن صحيح. قلت: وأصله في صحيح مسلم (٨/ ١٢) بسياق طويل في وصف حجة النبي - ﷺ -.
(٤) كذا بالأصل.
[ ١ / ١٩٤ ]
وقال أحمد، وإسحاق، وابن أبي ليلى، هما واجبان في الوضوء.
وقال أبو حنيفة، والثوري: هما واجبان في الغسل دون الوضوء.
وأما التكرار: فإن السنة أن يأتي فيه ثلاثًا ولا يزيد عليه؛ لأنه - ﷺ - "توضأ مرة مرة، وقال: هذا وضوء لا يقبل اللَّه الصلاة إلا به، وتوضأ مرتين مرتين، وقال: من توضأ مرتين، آتاه أجره مرتين، وتوضأ ثلاثًا ثلاثًا وقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي، ووضوء خليلي إبراهيم" (١).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (٤١٩). من طريق عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه، عن معاوية بن قرة، عن ابن عمر به وفي آخره زيادة. قلت: وهو حديث واهٍ، وله طرق أخرى وهي أيضًا واهية. قال الحافظ في التلخيص (١/ ٨٢). ومداره على عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه، وقد اختلف عليه فيه وهو متروك، وأبوه ضعيف، وقال الدارقطني في "العلل"، رواه أبو إسرائيل الملائي، عن زيد العمي، عن نافع، عن ابن عمر فوهم، والصواب قول من قال، عن معاوية بن قرة، عن عبيد بن عمير، عن أبي كعب، وهذه رواية عبد اللَّه بن عرادة الشيباني، وهي عند ابن ماجه أيضًا، ومعاوية بن قرة لم يدرك ابن عمر، وعبد اللَّه بن عرادة وإن كانت روايته متصلة، فهو متروك، وقال أبو حاتم: لا يصح هذا الحديث عن رسول اللَّه - ﷺ -، وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي زرعة: حدثنا الربيع بن سليمان ثنا أسد بن موسى، عن سلام بن سليم، عن زيد بن أسلم، عن معاوية بن قرة، عن ابن عمر فقال: هو سلام الطويل، وهو متروك، وزيد هو العِمِّيُّ، وهو متروك أيضًا، ولحديث ابن عمر طريق أخرى، رواها الدارقطني من طريق المسيب بن واضح، عن حفص بن ميسرة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر بنحوه، وليس في آخره: وضوء خليل الله إبراهيم، وقال: تفرد به المسيب وهو ضعيف، وقال عبد الحق، هذا أحسن طرق الحديث. قلت: هو كما قال لو كان المسيب حفظه، ولكن انقلب عليه إسناده. وقال ابن أبي حاتم: المسيب صدوق إلا أنه يُخْطِئُ كثيرًا. وقال البيهقي: غير محتج به، والمحفوظ رواية معاوية بن قرة عن ابن عمر، وهي منقطعة، وتفرد بها عنه زيد العمي، وله طريق أخرى ذكرها ابن أبي حاتم في "العلل"، قال: سألت أبا زرعة عن حديث يحيى بن ميمون، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عائشة نحوه، ولفظه في صفة الوضوء مرة مرة، فقال: هذا الذي افترض الله عليكم، ثم توضأ مرتين مرتين، فقال: من ضَعَّفَ ضَعَّفَ الله له، ثم أعادها الثالثة، فقال، هذا وضوؤنا معاشر الأنبياء. فقال: هذا ضعيف واه منكر، وقال مرة: لا أصل له، وامتنع من قراءته أهـ.
[ ١ / ١٩٥ ]
قال الشافعي في رواية حرملة عنه: ولأنه توضأ ثلاثًا ثلاثًا قال: "فمن زاد على هذا فقد أساء وظلم" أَمّا الإساءة فلأنه وضع الشيء في غير موضعه.
وقال أبو حنيفة، ومالك، والثوري، وأحمد، وأبو ثور: لا يستحب التكرار في مسح الرأس بماء جديد، وبه قال الحسن ومجاهد.
وقد جمع هذا الحديث من أحكام الوضوء، وفروضه، وسننه: الابتداء بغسل اليدين، والمضمضة، والاستنشاق والاستنثار، وغسل والوجه، واليدين، ومسح الرأس واستيعابه، وغسل الرجلين، والترتيب، والتكرار، إلا أن في [روايات] (١) الحديث قد اختلف في التكرار، ففي بعضها "ثلاثًا ثلاثًا"، وفي بعضها "مرتين، مرتين" وفي بعضها "مرة مرة"، وهذا دليل على أن التكرار ليس بواجب، وأن الواجب المرة الواحدة لا غير.
وأخبرنا الشافعي، أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء ابن يسار، وعن ابن عباس قال: "توضأ رسول اللَّه - ﷺ - فأدخل يده في الإناء، فاستنشق، ومضمض مرة واحدة، ثم أدخل يده وصب على وجهه مرة، وصب على يده مرة، ومسح رأسه وأذنيه مرة واحدة".
هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤)، إلا أنهم أخرجوه باختلاف ألفاظهم، وزيادة فيه من طرق كثيرة.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين بالأصل [آيات اللَّه] ولا وجه لوضعها هنا وأظنها سهوًا من الناسخ، والذي يبدو لي أنه ضرب عليها لكنه لم يصوب في الحاشية، وما أثبتناه هو الأقرب إلى الشكل والسياق.
(٢) البخاري (١٤٠) ولفظه: "أنه توضأ فغسل وجهه، أخذ غرفة من ماء فمضمض بها واستنشق، ثم أخذ غرفة من ماء فجعل بها هكذا أضافها إلى يده الأخرى فغسل بهما وجهه، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليُسرى، ثم مسح برأسه، ثم أخذ غرفة من ماء فَرَشَّ على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله -يعني: اليسرى- ثم قال: هكذا رأيت رسول اللَّه - ﷺ - يتوضأ".
(٣) أبو داود (١٣٧، ١٣٨) في الموضع الأول بنحو سياق البخاري، والموضع الثاني مختصرًا جدًّا.
(٤) النسائي (١/ ٧٤) بنحو رواية البخاري.
[ ١ / ١٩٦ ]
والذي في هذا الحديث من الأحكام؛ التي لم ترد في حديث عبد اللَّه بن زيد وضوؤه مرة مرة؛ لكل أعضائه المذكورة في الحديث، وذلك هو الفرض الذي لا تصح الصلاة إلا به.
والثاني: أنه أدخل يده في الإناء، ولم يذكر أنه غسلهما قبل إدخاله إياها الإناء، فهذا دليل على بطلان من أوجب غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، اللهم إلا أن يقال: إنه لم يذكر في هذا الحديث، أنه كان عند الانتباه من النوم.
والثالث: أنه استنشق ومضمض من كف واحدة، ويجوز أن يكون قوله "استنشق ومضمض مرة واحدة" أنه فعل ذلك من كفين.
وفيه دليل على جواز تقديم الاستنشاق على المضمضة، لأنه عَقَّبَ إدخاله يده الإناء بالاستنشاق بالفاء، ثم عطف عليه المضمضة.
وقوله "واحدة" تأكيد لمرة، كقوله تعالى ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (١).
وقوله "صب على يديه مرة واحدة" يريد: على كل واحد من يديه يكون في [] (٢).
_________________
(١) النساء: (١٧١).
(٢) هنا وقع سقط بالمخطوط كما هو ملاحظ وظني أن السقط لا يتعدى ورقتين إن لم يكن ورقة ويشرع المصنف الآن في شرح حديث من المسند وأنا أسوق الحديث كاملًا ليفهم الشرح. قال الشافعي: أخبرنا يحيى بن سليم، حدثني أبو هاشم إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه، قال: كنت وافد بني المنتفق -أوفي وفد بني المنتفق- فأتينا فلم نصادفه، وصادفنا عائشة، فأتينا بقناع فيه تمر -والقناع: الطبق- وأمرت لنا بحريرة فصنعت، ثم أكلنا، فلم نلبث أن جاء النبي - ﷺ - فقال: هل أكلتم شيئًا؟ هل أمر لكم بشيء؟ فقلنا: نعم، فلم نلبث أن دفع الراعي غنمه فإذا بسحلة تيعر، فقال: هيه يا فلان، ما ولدت؟ قال: بهمة، قال فاذبح لنا مكانها شاة، ثم انحرف إليَّ وقال: لا تحسبَن -ولم يقل: لا تحسبن- أنا من أجلك ذبحناها، لنا غنيم مائة، لا نريد أن نزيد فإذا أولد الراعي بهمة ذبح مكانها شاة، فقلت: يا رسول اللَّه! =
[ ١ / ١٩٧ ]
مكانه الذي كان نحله.
"والانحراف": الميل من جهة إلى جهة أخرى، وكأنه من حَرَفَ الشَّيْءَ أي طَرَّفَهُ، فكأن المائل كان على حرف الشيء فمال عنه بانحرافه.
وقوله "تَحْسَبَنَّ وتَحْسِبَنَّ" بكسر السين وفتحها، من الحِسْبان بالكسر، وهو الظن، تقول: حَسِبْتُ الشيء أَحْسَبُه وأَحْسِبُه حسابًا، وقد قرئ القرآن بالاثنين معًا، والكسر لغة علياء مضر، والفتح لغة سفلاها وإن كان القياس، فإن الكسر شاذ، وأبو داود أخرجه في كتاب القراءات لبيان القراءة بكسر السين بالفتح.
وهذا الفعل يتعدى إلى مفعولين، تقول: حسبت زيدًا قائمًا، والمفعول الأول في هذا الحديث، هو: أنا والتقدير: "لا تحسبننا"، والمفعول الثاني هو: الجملة من الفعل والفاعل والمفعول.
"ذبحناها من أجلك": جار ومجرور متعلق بقوله: "ذبحناها".
ومعنى قوله: "لا تحسبن أَنَّا من أجلك ذبحناها" ترك الاعتبار به والمنَّة على الضيف والتبرؤ من والرياء هذا من ألطف أخلاقه - ﷺ -، وحسن عشرته.
والمائة عنهم مرتحل لجملة من العدد معلومة، وهي مؤنثة مضافة إلى مفرد من العدد، نحو: مائة درهم، وقد يتأولون بها معنى العدد والاجتماع.
ويكون: صفة في هذا الحديث في قوله: "لنا غنم مائة".
"والبذاء": -بفتح الباء وبالذال المعجمة والمد- الفحش في النطق، وفلان بذىء اللسان، والمرأة بذيئة.
_________________
(١) = إن لي امرأة في لسانها شيء -يعني البذاء- فقال طلقها، فقلت: إن لي منها ولدًا ولها صحبة؟ قال: فمرها -يقول: فعظها- فإن يكن فيها خير فستقبل، ولا تضربن ظعينتك ضربك أمتك قلت: يا رسول اللَّه! أخبرني عن الوضوء؟ قال: أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا".
[ ١ / ١٩٨ ]
"والصحبة": مصدر صَحِبَه، يَصْحَبُهُ، صُحْبةً بالضم، وصَحَابة بالفتح.
"والوعظ": النصح والتذكير بالعواقب.
وقوله: "فإن يك" أي فإن يكن، إلا أنهم حذفوا النون لغير علة لا أن يكون تخفيفًا، لأن أصله يكون، فلما دخل عليه حرف الجزم سَكَّنَ النون، والواو قبلها ساكنة، فالتقى ساكنان الواو والنون، فحذفت الواو لأنها حرف علة، والحذف يتطرق إلى حروف العلة أكثر من غيرها، ثم لما كثر استعمالهم لها حذفوا النون تخفيفًا لغير علة سواه، فبقي "يك" بغير نون، لكنهم متى جاءت في موضع تكون النون متحركة فإنهم لا يحذفونها، نحو قوله تعالى ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (١) وأجاز يونس حذفها مع الحركة وأنشد:-
إذا لم تَكُ الحاجات منَ هِمَّة الفتى فليس بِمُغْنٍ عَنْكَ عَقْدُ الزَّنايمِ
و"الزنايم" جمع زنيمة، وهي خيط يشد في الأصبع ليستذكر به الحاجة، على أن هذا البيت قد أنشدوه:
إذا لم تكن حاجتنا في نفوسكم فليس بمغنٍ عنك عقد الزنايم
وحينئذ لا يكون فيه حجة.
وقوله: "فستقبل" أي تقبل وعظك وينفعها.
وقد رواه أبو داود: فستفعل، أي تفعل الخير وتترك البذاء.
والنون في "تضربنَّ" نون التأكيد الثقيلة، وهما نونان: ثقيلة، وخفيفة، وهما
_________________
(١) البينة: [١].
[ ١ / ١٩٩ ]
يدخلان الأمر، والنهي، والاستفهام، والقسم المستقبلين.
"والظعينة": في الأصل الهودج كانت فيه المرأة أو لم تكن، والجمع ظعن وظُعن، وظعائن، وأظعان، ثم قيل للمرأة ظعينة مادامت في الهودج، تسمية للشيء باسم مكانه، فإذا لم تكن فيه فليْست بالظعينة، وكأن اشتقاقها من الظعن وهو: السير إما لأن المرأة تسير مع زوجها، أو لأنها تكون في الهودج غالبًا في حالة السفر (١).
"وضربك هذا": منصوب على المصدر، في الأصل تقول:
ضربته ضربًا مثل ضَرْبِ زَيْدٍ، وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل لأن الكاف هنا ضمير الفاعل.
"والأَمَة": خلاف الحرة، والجمع "إماء"، فأصلها أَمَوَة بوزن ثَمَرةَ، وتصغيرها "أُمَيَّةٌ"، وقد سُمِّى "بأمية" الرجل والمرأة ولذلك لم ينصرف للتعريف والتأنيث، وليس هذا النهي من الضرب مما يمنع الأزواج من ضرب نسائهم عند الحاجة إليه، فقد أباح اللَّه -تعالى- ذلك في قول ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ (٢) وإنما النهي عن تبريح الضرب كما يُضرب المماليك،
في عادات من يستحسن ضربهم، ويستعمل سوء المملكة فيهم.
وتمثيله بضرب الأماء، لا يوجب إباحة ضربهن، وإنما جرى على طريق الذم لأفعالهم.
"والإسباغ": الإكمال والإتمام، وشيء سابغ: شامل وافٍ ومنه درع سابغة أي واسعة، والمراد به في الوضوء: المبالغة في مجاوزة الموضع المفترض غسله من الأعضاء، مثل أن يتجاوز المرفقين، والكعبين، إلى قريب من نصف الباقي.
"وتخليل الأصابع": يريد به أصابع الرجلين يدخل بينهما أصابع يديه ليصل الماء إلى باطنهما.
_________________
(١) في الأصل زاد: [في] وحذف الفاء أليق بالسياق.
(٢) النساء: ٣٤.
[ ١ / ٢٠٠ ]
"والمبالغة في الاستنشاق": هو إيصال الماء إلى أعلى الأنف والخياشيم ليغسلها.
والندب إلى المبالغة فيه، يجوز أن يكون لما فيه من المعونة على القراءة وتنقية مجرى النفس الذي يكون به النطق والصوت بإزالة ما فيه من الثقل لتصح مخارج الحروف، أو لأن الأنف ضيق المجرى ولا تناله اليد، فَأُمْروا بالمبالغة في الاستنشاق، ليصل الماء إلى أعاليه التي لا تبلغها اليد.
وقوله: "إلا أن يكون صائمًا" احترازًا من خوف وصول الماء إلى الباطن فيفطر.
"والمُرَاح": -بضم الميم- الموضع الذي [تأوى] (١) إليه الإبل والغنم ليلًا.
وبفتح الميم: الموضع الذي يروح منه القوم، أو يروح إليه، وأصله من الرواح وهو: اسم للوقت من زوال الشمس إلى الليل، وقد جاء في رواية أبي داود بدل "فلم يَلْبَثْ"، "فلم يَنْشَبْ" وهو من نشب الشيء في الشيء ينشب نشوبًا، إذا علق فيه، والمعنى "يلبث" لأن من علق في الشيء يبطئ في الخلاص منه، فيلبث في خلاصه زمانًا فإذا لم ينشب لم يحتج إلى زمان، فاستعمل في الأمر إذ المرء يبطئ على من يريد فعله أو قوله أو انتظاره.
والذي ذهب إليه الشافعي في هذه السنن (٢) أن يذكر في موضعه.
وأما تخليل الأصابع فإنه مستحب، فإن علم وَصل الماء إلى الأصابع أجزأه، واستحب له التخليل، وإن لم يعلم ذلك وجب عليه إيصال الماء إليها [وابتدأ] (٣) بالتخليل من الخنصر.
قال الشافعي في "الأم": وإن كان في أصابعه شيء خلق ملتصقًا [أوصل] (٤) الماء على عضويه حتى يصل الماء ما ظهر من جلده، وليس عليه أن يفتق ما خُلِقَ مرتتقًا.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين بالأصل [تساوي] وهو تصحيف وما أثبتناه هو مقتضى السياق.
(٢) في الأصل قال بعد: السنن [أيضًا] لكنه ضرب عليها، ولم يُكتب في الهامش التصويب.
(٣) جاءت مكررة بالأصل.
(٤) في الأم: غلغل.
[ ١ / ٢٠١ ]
الفصل السابع (*)