أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن عمه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه أنه سمع طلحة بن عبيد اللَّه يقول: جاء أعرابي من أهل نجد ثائر الرأس، يُسْمَعُ دَوِيُّ صوته ولا يُفْقَهُ ما يقول؛ فإذا هو يسأل عن الإسلام؟ فقال النبي - ﷺ -: "خمس صلوات في اليوم والليلة" قال: على غيرها؟ قال: "لا إلا أن تطوع" وذكر له رسول اللَّه - ﷺ - صيام شهر رمضان، قال: هل عليَّ غيره؟ قال: "لا إلا أن تَطَوَّعَ" فأدبر الرجل وهو يقول: واللَّه لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: "أفلح إن صَدَقَ".
وأخبرنا الشافعي بالإسناد، قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه - ﷺ - فإذا هو يسأل عن الإسلام؟ وذكر إلى قوله: "إلا أن تطوع" الأولى.
أخرج الرواية الأولى: في كتاب الرسالة (١).
والثانية: في كتاب استقبال القبلة مختصرة.
وقد روى الزعفراني عن الشافعي الرواية الأولى.
_________________
(١) الرسالة رقم (٣٤٤).
[ ١ / ٣٣٦ ]
وهو حديث صحيح متفق عليه، أخرجه مالك في الموطأ (١)، والبخاري (٢)، ومسلم (٣)، وأبو داود (٤)، والنسائي (٥).
فأما مالك: فأخرجه بالإسناد ولفظ الرواية الأولى؛ وزاد "وذكر له رسول اللَّه - ﷺ - "الزكاة" فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: "لا إلا أن تطوَّع" قال: فأدبر الرجل وهو يقول. وذكر الحديث.
وأما البخاري: فأخرجه عن إسماعيل، عن مالك بالإسناد، وذكر "الزكاة" أيضًا.
وأخرجه أيضًا: عن قتيبة بن سعيد، عن إسماعيل بن جعفر، عن أبي سهيل، بالإسناد أن أعرابيَّا جاء إلى رسول اللَّه - ﷺ - ثائر الرأس فقال: يا رسول اللَّه، أخبرني ماذا فرض اللَّه عليَّ من الصلاة؟ فقال: "الصلوات الخمس إلا أن تطّوَّع شيئًا" قال: أخبرني بما فرض اللَّه من الصيام؟ فقال: "شهر رمضان إلا أن تطوَّع" قال: أخبرني بما فرض اللَّه عليَّ مِن الزكاة؟ قال: فأخبره رسول اللَّه - ﷺ - بشرائع الإسلام، قال: والذي أكرمك (٦) لا أتطوع شيئًا؛ ولا أنقص مما فرض اللَّه عليَّ شيئًا، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: "أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق".
وأما مسلم: فأخرجه عن قتيبة، عن مالك، بالأسناد وذكر رواية مالك.
وفي أخرى: عن يحيى بن أيوب، وقتيبة، عن إسماعيل، عن أبي سهيل، بالإسناد، قال في آخره: "أفلح إن صدق" أو "أدخل الجنة إن صدق".
وأما أبو داود: فأخرجه عن القعنبي، عن مالك، بإسناده ولفظه وقال في الزكاة: فهل على غيرها؟ قال: لا [إلا] (٧) أن تطوع، وقال فيه: "أفلح وأبيه
_________________
(١) الموطأ (١/ ١٥٩ رقم ٩٤).
(٢) البخاري (٤٦، ١٨٩١).
(٣) مسلم (١١).
(٤) أبو داود (٣٩١، ٣٩٢).
(٥) النسائي (١/ ٢٢٦ - ٢٢٨).
(٦) زاد في رواية البخاري (بالحق).
(٧) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل والمثبت من مطبوعة السنن.
[ ١ / ٣٣٧ ]
إن صدق، دخل الجنة وأبيه إن صدق".
وأما النسائي: فأخرجه عن قتيبة، عن مالك، بالإسناد وبتمامه.
وفي الباب: عن عمر، وأنس، وأبي ذر، وأبي هريرة، وابن عباس.
"الأعرابي": واحد من الأعراب منسوبًا إليهم، وقد تقدم بيانه فيما سبق من الكتاب.
وقوله: "ثائر الرأس": أي شعث الشعر بعيد العهد بالتسريح والغسل والدهن؛ فهو منتفش الشعر قائم إلى جهة فوق.
"والدَّوِيّ": وَقْعُ الأصوات في الأذُنِ كدوي النحل، وهمهمة المتكلم إذا لم يفصح بالكلام، ولذلك إذا كان يتكلم أو يقول شيئًا عن بعد فلا يُفْهَمُ قوله، وهذا معنى قوله "ولا يُفْقَهُ ما يقول"، أي لا يفهمه.
"والفقه": الفهم، فَقُهَ الرَّجُلُ يَفْقُهُ -بالضم- فيهما، إذا صار فقيهًا أي عالمًا فَهِمًا، فهو فعل قاصر.
فأما "فَقِهَ" -بالكسر- فمستقبله يَفْقَهُ -بالفتح-، وهو مُتَعَدٍّ تَقول: فقهت المسألة أي عرفتها وفهمتها.
و"الإسلام": معروف وهو في الأصل الانقياد والطاعة، وبينه وبين الإيمان فرق، وهو أن الإيمان ما كان بالقلب لأنه تصديق، والتصديق محله القلب، والإسلام باللسان.
وللعلماء فيهما خلاف كبير ومذاهب متنوعة، وقد يقع أحدهما موقع الآخر اتساعًا.
وقول النبي - ﷺ -: "خمس صلوات في اليوم والليلة" مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو خمس صلوات، أي الإسلام خمس صلوات؛ وهذا إخبار بأحد أنواع الإسلام.
ولما كان أحد أنواعه ذكر بعده الصومَ والزكاةَ؛ ولم يأت بجميع أنواع
[ ١ / ٣٣٨ ]
الإسلام لوجهن:-
أحدهما: أن الذي ذكرهم أنواعه، ولذلك قدم الأهم منها وهو الصلاة؛ لأنها أشرف العبادات، ولأنها تتكرر كل يوم وليلة خمس مرات، ثم أردفها بالصوم الذي يتكرر كل سنة؛ ثم أردفه بالزكاة التي تجب على من له مال.
والظاهر من حال الأعراب أن الأكثر منهم لم تكن تجب عليهم الزكاة للفقر المستولي على أكثرهم، ولعل المخاطب قد كان يَعْلَمُ النبي - ﷺ - من حاله أنه لا مال له أو لأنه بزيّه وهيئته وكونه قد جاء من أهل نجد ثائر الرأس، وذلك يباين حال المترفين وأصحاب الأموال.
والوجه الثاني: أن هذا السائل كان مسترشدًا طالب هدى؛ والمرشد والهادي ينبغي له أن يوصل السائل إلى الغرض، بألطف وجه وأقرب طريق بما هو أنفع للسائل وأحسن عنده وقعًا وأن يرفق به ولا يبسط القول له ويعدد كل ما يلزمه فيثقل عليه وينفر منه، وأن يكون جوابه على حسب حال السائل؛ ألا تراه قد قال - ﷺ - وقد سأله رجل أي الإسلام أفضل؟ قال: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" (١).
وقال: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" (٢).
وقال -وقد سأله إنسان فقال له: قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك- فقال: "قل آمنت بالله ثم استقم" (٣).
وقال: "من صلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا واستقبل قبلتنا؛ فهو المسلم" (٤).
وأمثال هذه الأحاديث الدالة، على أنه قالها مناسبة للحال التي قالها فيه، ويجيب حسب ما يقتضيه حال السائل والسامع.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٢)، ومسلم (٣٩). كلاهما من حديث عبد الله بن عمرو.
(٢) أخرجه البخاري (١١)، ومسلم (٤٢). كلاهما من حديث أبي موسى الأشعري.
(٣) أخرجه مسلم (٣٨) من حديث سفيان بن عبد الله الثقفي.
(٤) أخرجه البخاري (٣٩١) من حديث أنس بن مالك.
[ ١ / ٣٣٩ ]
وقوله: "هل على غيرها؟ فقال: لا" يريد من الصلوات لا من غيرها من الفرائض، ولذلك أردفه بقول رسول اللَّه - ﷺ -: "الصيام".
وقوله: "إلا أن تطوع" أصله تتطوع فسكن التاء الثانية وأدغمها في الطاء لقرب المخرجين، ويجوز أن يكون قد حذف إحدى التائين اختصارًا، لتخف الكلمة وأبقى التاء الأخرى، فتكون الطاء مخففة وقبلها تاء واحدة؛ وهذا مطرد في الكلام.
و"التطوع": ما ليس بفرض ولا سنة راتبة، إنما هو تقرب من العبد إلى اللَّه تعالى بما يراه؛ من صلاة وصوم وغير ذلك من العبادات وإن كان كل ما عدا الفرض تطوعًا إلا أنه خص التطوع بما لم ترد به سنة معينة، وهو تَفَعُّلٌ من الطاعة: الانقياد والمتابعة.
وقوله: "شهر رمضان" فَعَلَان من الرمض؛ وهو شدة الحر ووقْع الشمس على الأرض، والأرض رمضاء؛ وقد رمض يومنا يرمض رمضًا.
قالوا: إنما سمي بذلك لأنهم لما نقلوا الأسماء من اللغة القديمة؛ سموا المشهور بأوقات الأزمنة؛ فصادف ذلك شدة الحر فسمي به، وقيل: بل هو اسم مرتجل لهذا الشهر.
وقيل: هو اسم من أسماء اللَّه تعالى؛ ولهذا يقال فيه: "شهر رمضان" أي: شهر اللَّه ولا يقال رمضان بغير شهر (١).
و"الزكاة": اسم من التزكية وهي الطهارة، زَكَّى ماله تزكيةً إذا أدَّى عنه زكاته.
_________________
(١) وهو قول ضعيف لبعض أهل العلم. وقد رده البخاري في صحيحه في كتاب "الصوم" وبوب بباب: (هل يقال رمضان أو شهر رمضان؟ ومن رأى كله واسعًا). ثم ساق بسنده عدة أحاديث وفي بعضها ذكر رمضان مفردًا. قال الحافظ في التعليق (٤/ ١٣٥) (فتح). أشار البخاري بهذه الترجمة إلى حديث ضعيف رواه أبو معشر نجيح المدني، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة مرفوعًا "لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء اللَّه، ولكن قولوا: شهر رمضان".
[ ١ / ٣٤٠ ]
"والفَلَاح": الفوز والنجاة والنقاء، أفلح يفلح إفلاحًا، والفَلَاحُ الاسم.
و"الجنة": البستان والعرب تسمِّي النخيل جنة، وأصله من الالتفاف وطول الشجر، قالوا: جن النبت: إذا طال والتف وخرج زهرهُ، ثم خُصَّ بهذا الاسم جنة الدار الآخرة فصار لها كالعلم، فإذا قيل: الجنة علم أنه لا يراد إلا تلك، فصار الاختصاص لها وكثرة إطلاقه عليها كأنه لا يجوز أن يطلق على غيرها؛ لأجل اللبس في المراد.
وقوله: "أفلح إن صدق ودخل الجنة إن صدق" قد جاء في هذا اللفظ بفعل ماض، وفلاحه دخوله الجنة، إنما يكون مستقبلًا ولا سيما دخول الجنة فإنما يقع بعد الموت، وفي بيان ذلك ثلاثة أقوال:-
أحدها: وهو المعتبر أنه جعله لخلوصه في نيته وصدقه في قوله، بمنزلة من قد دخلها، حتى كأنه قد رآه فيها أو داخلًا إليها فأخبر عنه، ثم إنه أعقبه بقوله: "إن صدق" حتى لا يتكل الناس في أمر كوني إلى ظاهر هذا اللفظ، وعلقه على الشرط المتأخر، ليعلموا أن سبب دخوله إنما هو صدقه فيما أخبر عنه، ولأنه - ﷺ - وإن علم منه ذلك؛ فإنه يعلم أن أصحابه لم يكونوا يعلمونه فعرفهم ماجهلوا وعلمه دونهم.
القول الثاني: أنه فعل ماض أريد به مستقبل، وقد جاز ذلك في الثاني: كما جاءوا بفعل مستقبل وأرادوا به الماضي؛ والأول كقول الهذلي:
تقول له كفيتك كل شيء أَهَمَّكَ ما تخطتني الحتوفُ
أي: أكفيك.
والثاني كقول زياد بن الأعجم:
[ ١ / ٣٤١ ]
فإذا مررتَ بقبره فاغقِر له كوم الهجان وكل طِرف سابحِ
وَانضح جوانب قبره بدمائها فلقد يكون أخا دم وذبائح
أي: فلقد كان.
والقول الثالث: أنه فعل تقدم على حرف الشرط، والنية فيه التأخير كما أن النية في قوله: "إن صدق" التقديم؛ ألا ترى أن "أفلح" و"دخل" هو جواب الشرط، لأن التقدير إن صدق أفلح وإن صدق دخل الجنة، وإنما قدم الجواب لفهم المعنى، [والنحويون] (١) يقولون: إن هذا وأمثاله ليس جوابًا للشرط، ولكنه دال على جواب الشرط سادٌّ مسَدَّهُ، والجواب محذوف تقديره أفلح إن صدق أفلح، لأن الجواب محله التأخير؛ وهو يتنزل منزلة الجزء من الجملة وجزء الجملة إذا كان متأخرًا لا يتقدم عليها؛ وإنما يظهر هذا إذا كان الجواب فعلًا مستقبلًا، حتى يظهر فيه الإعراب فإنه يرتفع بعد أن كان مجزومًا، تقول: أقوم إن قمت، فترفع أقوم وكان قبل التقديم مجزومًا، تقول: إن قمت أقم، فلما ارتفع في حالة التقديم دل على أنه غير الجواب وأنه ساد مسد الجواب.
وقد ذهب قوم من النحاة إلى أنه لا يجوز ذلك مع الماضي، قالوا: لا يقال: قمت إن قمت، ولا أخطأت إن خالفتني على هذا التقدير؛ الذي قلناه في التقديم والتأخير؛ ويجوز ذلك مع المستقبل تقول: أقوم إن قمت.
وهذا ليس بصحيح، فإن ذلك قد جاء في القرآن العزيز، قال اللَّه تعالى ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا في مِلَّتِكُمْ بَعْدَ [إِذْ] (٢) نَجَّانَا الله مِنْهَا﴾ (٣)، وكثيرًا ما قد جاء ذلك في الحديث.
وقد كان سبق لي قديمًا؛ كلام وجيز في رسالة ضمنتها مسألة سئلت عنها،
_________________
(١) بالأصل [النحيون] وهو تصحيف.
(٢) بالأصل [ا] وهو خطأ.
(٣) الأعراف: [٨٩].
[ ١ / ٣٤٢ ]
من مسائل الطلاق المعلق بالشرط، وهي إذا قال لزوجته: طلقتك إن دخلت الدار، هل يقع الطلاق وإن لم تدخل الدار، أو لا تطلق حتى تدخل الدار؟ وأشبعت القول فيها، فلتطلبه من هناك.
وأما قوله: "أفلح وأبيه إن صدق" فأقسم بأبيه وقد جاء النهي عن القسم بالآباء؟، فقال - ﷺ -: "لا تحلفوا بآبائكم" حتى قال عمر بن الخطاب: ما حلفت بها [منذ] (١) سمعت رسول اللَّه - ﷺ - ينهي عنها ذاكرًا ولا آثرًا" (٢).
ووجه الجمع بينهما: أن هذه كلمة جارية على ألسن العرب تستعملها كثيرًا في خطابها، تريد تارةً القسم، وتارة التوكيد، وتارة لا قَسَمًا ولا توكيدًا، إنما هو استمرار في جاري عاداتهم، ولا يخلو أن يكون النبي - ﷺ - نهى عنه بعد القسم به في هذا الحديث، فيكون النهي ناسخًا له، وإن كان قبله فيحتمل أمورًا:
أحدها: أن يكون من قِبَلِ اللَّغْوِ البخاري على اللسان المعفوِّ عنه مما لا يقصده المتكلم، وإنما جرى على العادة الطبيعية المألوفة في اللسان العربي.
قال بعضهم: إنما نهاهم عن ذلك لأنهم كانوا يضيفون القسم إلى آبائهم تعظيمًا لشأنهم، ولا يضمرون فيها مضافًا محذوفًا نحو قولك: لا ورب أبي، ويكون النبي - ﷺ - قد أضمر اسم اللَّه تعالى عند قوله: "أفلح وأبيه" وهذا فيه بُعْدٌ- وإن كان حَذْفُ المضاف شِرْعةٌ مَطْروقةٌ؛ وسنة مألوفة كثيرة الاستعمال في القرآن والحديث وفصيح الكلام.
ويجوز أن يكون لما كان القسم دأب الأعرابي؛ فالسامع كذلك يعلم من حال الأعرابي، ولأنه ليس في محل تعظيم النبي - ﷺ - لأبيه حتى يقسم به،
_________________
(١) سقط من الأصل والمثبت من رواية الصحيحين.
(٢) أخرجه البخاري (٦٦٤٧) ومسلم (١٦٤٦).
[ ١ / ٣٤٣ ]
وكان القسم بأبيه كالقسم الذي لا يعتد به، ولا هو مؤكد للمحلوف عليه، لم يكن لذكره كثير فائدة، فكان كالملغي المُطَّرح الذي هو كما لم يذكر.
ويجوز أن يكون النبي - ﷺ - ذكر ذلك؛ تألفًا للأعرابي وتطييبًا لقلبه، وإعلامًا له أن له من المحل عنده أنه يقسم بأبيه، فيكون ذلك داعي إلى قبول قوله واستماع كلامه.
وقيل: إنما النهي إنما وقع إذا كان على جهة التوقير والتعطم؛ فأما إذا لم يكن الغرض ذلك؛ وإنما هو للتوكيد دون القسم فلا، وذلك في العربية كثير، قال ابن ميادة:
أظنَّتْ سِفاهًا من سفاهة رأيها لأهجوها لمَّا هجتني محاربُ؟
فلا وأبيها إنَّنِي بعشيرتي ونفسي عن ذاك المقام لراغبُ
وليس يجوز أن يقسم بأبي من هجوه على سبيل الإعظام لحقه.
وقال عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، وهو الفقيه المشهور وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة:-
لعمر أبي الواشين أيام نلتقي لَماَ لَا يلاقيها من الدهر أكثرُ
يَعُدُّون يومًا واحدًا إن لقيتها وينسون ما كانت على النأي تهجرُ
وقال الآخر:-
لعمر أبي الواشين لا عمر غيرهم لقد كلفتني خطة لا أنالُها.
والمحب لا يقسم بأبي الوشاة، وإنما يريد بأمثال هذا القسم التوكيد، وهذا
[ ١ / ٣٤٤ ]
في كلامهم فاشٍ كثير.
و"الفرض": ما كتبه اللَّه على عباده من حقوقه، كالصلاة والصيام والحج، وغير ذلك مما ألزمهم بأدائه وحتم عليهم به، وأصله من (الفرض) (١): القطع، وإنما سمي هذا النوع من اللوازم فرضًا، لأن الفرائض لها حدود ومقاطع ينتهي إليها ويقف عندها؛ وهو والواجب عند الشافعي سواء في الحكم.
وفرق أبو حنيفة: بين الفرض والواجب.
وحد الفرض والواجب عند الشافعي أنه الذي يُذم تاركه، ويُلام شرعًا بوجه ما. والفرض عند أبي حنيفة: ما يقطع بوجوبه؛ والواجب ما لا يدرك إلا ظنًّا.
قال الغزالي -﵀-: ونحن لا ننكر انقسام الواجب إلى مقطوع ومظنون، فلا حجر في الاصطلاحات.
والذي أراده الشافعي من هذا الحديث: هو الاستدلال على أن الصلوات الواجبة هي خمس، بقوله - ﷺ -: "خمس صلوات في اليوم والليلة" وهذا بإجماع المسلمين كلهم أنه لا فرض إلا خمس صلوات، إلا ما ذهب إليه أبو حنيفة فإنه قال: الوتر واجب، وليس بفرض ولا نافلة، لأنه يفرق بين الفرض والواجب كما قلناه، والعجب كيف أوجب الوتر وقد صرح في لفظ الحديث بقوله: هل عليَّ غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تطوَّع"، فجعل ما عدا الخمس تطوعًا ولا شبهة أن الواجب ليس هو عند أبي حنيفة تطوعًا، وليس الحديث الذي استدل به على وجوب الوتر مما يصادم هذا الحديث المجمع على صحته وهو صريح في الاستدلال وذلك غير صريح، لأنه حديث برواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: "إن اللَّه زادكم صلاة فاحفظوها وهي الوتر" (٢).
_________________
(١) كررت هذه الكلمة في الأصل.
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ١٨٠، ٢٠٨)، والدارقطني في سننه (٢/ ٣١) كلاهما من طريق عمرو بن =
[ ١ / ٣٤٥ ]
قال الشافعي: سمعت من أثق بخبره وعلمه، يذكر أن اللَّه تعالى أنزل فرضًا في الصلاة ثم نسخه بفرض غيره ثم نسخ الثاني بالفرض في الصلوات الخمس.
قال الشافعي: كأنه يعني قول اللَّه -تبارك وتعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ ثم نسخه في السورة معه بقوله جل ثناؤه ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (١) فنسخ قيام الليل ونصفه أو أقل أو أكثر بما تيسَّر.
قال الشافعي: وما أشبه ما قال بما قال، وإن كنت أحب أن لا يدع أن يقرأ بما تيسر من ليله.
قال: ويقال نسخ ما وصفت في المزمل يقول اللَّه -﷿- ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ و"دلوك الشمس": زوالها ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ العتمة ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ الصبح ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (٢) فأعلمه أن صلاة الليل نافلة، وأن الفرائض فيما ذكر من ليل ونهار.
قال: ويقال في قول اللَّه -﷿- ﴿فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ المغرب والعشاء ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الصبح ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ في السَّمَاوَاتِ
_________________
(١) = شعيب به. وإسناده ضعيف قال الزيلعي في نصب الراية (٢/ ١١٠): أخرجه الدارقطني في "سننه" عن محمد بن عبيد الله العرزمي عن عمرو بن شعيب والعرزمي، ضعيف، ونقل ابن الجوزي عن النسائي، وأحمد، والفلاس أنه متروك الحديث، ورواه أحمد في مسنده عن الحجاج بن أرطأة، عن عمرو بن شعيب، والحجاج غير ثقة. قلت: وقد روى الحديث جماعة من الصحابة بنحوه. وفصَّلَ هذه الطرق الزيلعي وتكلم عليها في فانظره فإنه هام. والحديث صححه الشيخ الألباني -﵀- في الإرواء (٤٢٣).
(٢) المزمل: (١ - ٤، ٢٠).
(٣) الإسراء: [٧٨ - ٧٩].
[ ١ / ٣٤٦ ]
وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا﴾ العصر ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ (١) الظهر.
قال الشافعي: روى عبادة بن الصامت عن النبي - ﷺ - أنه سمعه يقول: "خمس صلوات كتبهن اللَّه على العباد، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئًا استخفافًا؛ بحقهن كان له عند اللَّه عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند اللَّه عهد؛ إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة".
أخرج هذا الحديث مالك (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤).
_________________
(١) الروم: [١٧ - ١٨].
(٢) الموطأ (١/ ١٢٠ رقم ١٤).
(٣) أبو داود (١٤٢٠).
(٤) النسائي (١/ ٢٣٠). ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز أن رجلًا من بني كنانة يدعى المخدجي، سمع رجلًا بالشام يكنى أبا محمد يقول: إن الوتر واجب، فقال الخدجي: فَرُحْتُ إلى عبادة بن الصامت، فاعترض له وهو رائح إلى المسجد، فأخبرته بالذي قال أبو محمد، فقال عبادة: كذب أبو محمد سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: فذكره. قال ابن عبد البر في "التمهيد" (٢٣/ ٢٨٨ - ٢٨٩): لم يختلف عن مالك في إسناد هذا الحديث، فهو حديث صحيح ثابت رواه عن محمد بن يحيى ابن حبان جماعة منهم: يحيى بن سعيد، وعبد ربه بن سعيد، ومحمد بن إسحاق، وعقيل بن خالد، ومحمد بن عجلان وغيرهم بهذا الإسناد، ومعناه سواء، إلا أن ابن عجلان وعقيلًا لم يذكرا المخدجي في إسناده، فيما روى الليث عنهما. ورواه الليث أيضًا عن يحيى بن سعيد كما رواه مالك سواء وإنما قلنا: إنه حديث ثابت لأنه روي عن عبادة من طرق ثابتة صحاح من غير طريق المخدجي بمثل رواية المخدجي. قلت: وصححه أيضًا ابن حبان كما في صحيحه (١٧٣٢،١٧٣١). وصححه الشبخ الألباني -﵀- في صحيح الجامع (٣٢٤٣،٣٢٤٢). وراجع التلخيص الحبير (٢/ ١٤٧).
[ ١ / ٣٤٧ ]
وقال الشافعي: عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: "أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء"؟ قالوا: لا، قال: "فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو اللَّه بهن الخطايا".
أخرج هذا الحديث: البخاري (١)، ومسلم (٢)، والترمذي (٣)، والنسائي (٤).
_________________
(١) البخاري (٥٢٨).
(٢) مسلم (٦٦٧).
(٣) الترمذي (٢٨٦٨).
(٤) النسائي (١/ ٢٣٠ - ٢٣١).
[ ١ / ٣٤٨ ]