أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: رأيت رسول اللَّه - ﷺ - وحانت صلاة العصر، والتمس الناس الوَضُوءَ فلم يجدوه فأتي رسول اللَّه - ﷺ - بِوَضُوءٍ فوضع في ذلك الإناء يده، وأمر الناس أن يتوضئوا منه، قال:
"فرأيت الماء ينبع تحت أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضأ من عند اخرهم": وفي نسخة "ينبع من تحت أصابعه" وفي أخرى: "فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الموطأ (١)، والبخاري (٢)، ومسلم (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥).
فأما الموطأ: فأخرجه بالإسناد واللفظ إلا أنه قال: "التمسَ الناسُ وَضُوءًا".
وأما البخاري: فأخرجه عن عبد اللَّه بن يوسف، عن مالك، بالإسناد واللفظ وقال: "من تحت أصابعه" ولم يذكر فتوضأ الناس (٦).
وفي أخرى: عن عبد اللَّه بن منير، عن عبد اللَّه بن بكر، عن حميد، عن أنس، وذكره، وزاد فيه: فأُتِيَ بمخضب من حجارة فيه ماء، فَصَغُرَ المِخْضبُ أن
_________________
(١) الموطأ (١/ ٥٧ رقم ٣٢).
(٢) البخاري (١٦٩، ١٩٥، ٣٥٧٢).
(٣) مسلم (٢٢٧٩).
(٤) الترمذي (٣٦٣١) وقال: حسن صحيح.
(٥) النسائي (١/ ٦٠ - ٦١).
(٦) لكنه ذكر لفظًا قريبًا من هذا، قال: "حتى توضئوا من عند اخرهم". (*) قال معد الكتاب للشاملة: كذا في المطبوعة، ولعل صوابها: "الفرع الثاني"، والله أعلم.
[ ١ / ٢٠٧ ]
يبسط فيه كفه، فتوضأ القوم كلهم، قلنا: كم كنتم؟ قال: ثمانين وزيادة.
وفي أخرى عن محمد بن بشار، عن ابن أبي عدي، عن سعيد عن قتادة، وفيه: قال قتادة: قلت لأنس: كم كنتم؟ قال ثلاثمائة أو زهاء ثلاثمائة.
وأما مسلم: فأخرجه عن سليمان بن داود (١) العتكي، عن حماد بن زيد، عن أنس وفيه: "فأتى بقدح رحراح"، وفيه: "فحزرت ما بين الستين إلى الثمانين".
وفي أخرى عن إسحاق بن موسى الأنصاري، عن معن، وعن أبي طاهر، عن ابن وهب جميعًا عن مالك بالإسناد واللفظ.
وفي أخرى: عن أبي غسان المسمعي، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، وذكر مثل البخاري.
وله وللبخاري روايات غير هذه.
وأما الترمذي: فأخرجه عن إسحاق بن موسى الأنصاري، عن معن، عن مالك، بالإسناد واللفظ.
وأما النسائي: فأخرجه عن قتيبة، عن مالك، بالإسناد واللفظ.
وله في أخرى: عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن ثابت وقتادة، عن أنس وفيه: "فوضع يده في الإناء ويقول: "توضئوا باسم اللَّه" فرأيت الماء يخرج من بين أصابعه.
وفي الباب عن جابر، وأبي قتادة، وعمران بن حصين، وسلمة بن الأكوع، وابن مسعود.
"حان الشيء" يحين حينًا، إذا قرب، وحان حينه أي قَرُبَ وقته، والحين:
_________________
(١) زاد في الأصل حرف (و) قبل "العتكي" وهذا الحرف يوهم أنهما اثنان وهو خطأ، وسليمان بن داود هو العتكي من رجال الصحيحين.
[ ١ / ٢٠٨ ]
الوقت والمدة.
والواو في قوله "وحانت": واو الحال، مثل قولك: جاء زيد ويده على رأسه، وقدم الأمير وطلعت الشمس، أي: وقد طلعت.
وحكم هذه الواو إذا دخلت على فعلٍ ماضٍ، أنها لا تَحْسُنُ إلا ومعها قد مظهرة أو مقدرة، وتحتاج إلى عائد، والواو تنوب مناب العائد، تقول: يا زيد فقد ركب الأمير، وقد حذفوا "قد" اكتفاءً بالواو عنها، فقالوا: جاء زيد وخرج أخوه، أي وقد خرج أخوه، وقد حذفوا الواو رأسًا كقوله تعالى ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ (١) أي وقد حصرت في -أحد الوجهين.
"والعصر": اسم لصلاة معروفة، والأصل فيه أن "العصر" اسم لوقت الغداة ووقت العشي، ومنه قولهم: العصران وهي الغداة فسميت هذه الصلاة المخصوصة باسم وقتها.
"والالتماس": الطلب، والتلمس التطلب مرة بعد مرة، وكأن أصله من لمس الشيء باليد، لأن الذي يلتمس الأشياء يتطلبها، فكأنه يلمسها بيده ليجد غرضه.
"والناس": اسم يقع علي بني ادم ذكرهم وأنثاهم، وقد يقع على -الجن- في قولٍ -وأصل الناس "أناس" فخفف، ولم يجعلوا الألف فيه عوضًا من الهمزة المحذوفة، لأنه لو كان كذلك لما اجتمع العِوَصُ والمعوض منه، قال الشاعر:-
إن المنايا تطلعن علي الأناس الا منينا.
"والوَضوء": في هذا الحديث بفتح الواو يريد الماء.
"وأُتِي" بكذا: أي أحضر عنده وجيء به، وهو من أتى يأتي إذا جاء كأنه جاء إليه بالماء، فالباء مُعَدِّيَةٌ لفعل الإتيان، ولو كانت "أوتى" لم يحتج إلى
_________________
(١) النساء: [٩٠].
[ ١ / ٢٠٩ ]
الباء، لأن اتى يُؤْتِي متعدٍّ، وهذه الباء هي للملابسة والمخالطة، التقدير: أتاه حاملًا للماء وملتبسًا به، وقد جاء في معظم روايات هذا الحديث، "فوضع في ذلك الإناء يده"، وفي بعضها "فوضع يده في ذلك الإناء"، فأما من قدم حرف الجر على اليد، فلأن العناية في هذا المقام؛ كانت بذكر الإناء أشد، وبه أهم، لأن الغرض منه أن إناء صغيرًا يتوضأ منه خلقٌ كثيرٌ، مما تنصرف الهمم إلى الوقوف على كنه أمره؛ والعلم بعجيب حاله؛ فقدم في الذكر ما هو به أعنى، وعندهم أهم.
وأما من قدم اليد على الإناء، فإن الإناء وإن كان صغر حجمه وسعته لهذا الماء الكثير، عجبيًا غرييًا مُعْجِزًا فإن ورود الماء اليد من الأصابع، أكثر غرابة وأشد عجبًا، ولأن اليد هي الأصل في وجود الماء، وهي السبب في ظهوره، فالإعجاز فيها أكثر منه في القدح، فكان الابتداء بذكرها أولى، والاهتمام بتقديمها أعني.
وقوله: "أن يتوضأ" في موضع نصبٍ لأنه مفعول "أَمرَ" والأصل فيه أمر الناس أن تتوضأ، لأن فعل الأمر يتعدى إلى مفعول واحد وهو "الناس"، فاحتاج أن يجىء بحرف الجر؛ الذي هو الباء لتعديه إلى مفعول اخر، التقدير: أمر الناس بالوضوء، ولكنه لما كثر استعماله حذف حرف الجر وهو مراد، ومثله في العربية كثير.
وقوله: و"منه" يجوز أن تكون لابتداء الغاية أي يكون ابتداء وضوئهم من هذا الماء، ويجوز أن تكون للتبعيض، أي: أنهم توضئوا ببعضه لا بكله، وكلا الوجهين صحيح فصيح.
[ ١ / ٢١٠ ]
"ونبع الماء" ينبُع وينبَع نبوعًا إذا خرج، "والينبوع": عين الماء، والذي في الروايات ينبع من تحت أصابعه، وفي رواية الشافعي الواحدة بحذف "من" وهما في المعنى سواء، وقد جاء بهما القرآن العزيز، وإثباتها فيه أكثر كقوله تعالى ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ (١) وقال في اية أخرى ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٢) وهذه "من" لابتداء الغاية، أي ابتداء نبوعه من ذلك المكان، وإذا حذفها لم يكن متعرضًا لابتداء النبوع، إنما أراد أن نبوع الماء كان تحت الأصابع.
وقوله: "فتوضأ من عند اخرهم"، يريد أنهم توضئوا جميعًا؛ ولم يبق منهم أحد حتى وصلوا إلى اخرهم.
وهذه "من" لابتداء الغاية، فكأنهم لما كملوا في الوضوء ولم يتخلف منهم أحد كانوا كأنهم ابتدأوا من اخرهم، فكأن الأول والاخر منهم سواء في الاكتفاء بالماء والوضوء منه؛ وأنه لا فرق بين الطرفين في الحالة، وأن الماء كان اخره مثل أوله ولم ينقص، حتى إن الأول الذي من شأن مثله في هذه الحال أن يتسابق إلى الوضوء لعلمه بقلة الماء وصغر الإناء؛ كي لا يفوته الوضوء إن أهمل المسابقة إليه، فكأنه ترك المسابقة إلى الماء والمبالغة عليه، كما يتركه إذا كان الماء كثيرًا غزيرًا؛ حتى يدع سَبْقَهُ للاخر فيقدمه عليه، وهذا من لطائف الألفاظ العربية، ودقائقها الشريفة.
وفي الرواية الأخرى: "فرأيته -بالهاء- نبع من أصابعه"، وبين نبع وينبع فرق دقيق.
أما "بين" فهو بمعنى وسط، تقول: جلست بين القوم، أي وسْطهم، ساكن السين وهو ظرف مكان لا يزال منصوبًا، فإن جعلته اسمًا رفعته وجررته، كقوله
_________________
(١) التوبة: [١٠٠].
(٢) البقرة [٢٥].
[ ١ / ٢١١ ]
تعالى ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ (١) في إحدى القراءتين.
وأما الفرق بين "نبع" و"ينبع"، فإنه مع المستقبل حكاية الحال الحاصلة عند نبوع الماء، كأنه استحضر الحال عند حديثه، وصورها عند خطابه، وليس كذلك "نبع" إنما هو حكاية حال ماضية، والمستقبل في هذا النوع من الخطابة أبلغ وأحسن وإلى القلوب أقرب، وبها أعلق وعندها أبين، وكثيرا ما يجيء هذا الفعل في القرآن العزيز؛ لما فيه من الفصاحة والبيان.
وقوله في رواية البخاري: "حضرت الصلاة" أي حضر وقتها ودنا زمانها، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، ثم لما حذف المضاف واتصل الفعل بالصلاة أثبت فيه تاء التأنيث لتأنيث الصلاة.
"والمخضب": كالإجانة والمركن (٢).
و"من" في قوله: "من حجارة"، لتبيين الجنس، كقولك: ثوب من خَزٍّ.
وقوله: "فصغر المخضب أن يبسط فيه يده" وقيل في رواية: "عن أن يبسط"، وفي رواية بحذف "عن"؛ والأصل إثباتها لأن "صَغُرَ" فعل قاصر لا يتعدى إلا بمعد، كأنه قال: صغر عن بسط يده، وأما من حذفها فلأن حروف الجر قد تحذف، وهي مدارة لكثرة الاستعمال؛ والأصل ما ذكرناه.
"والبسط": ضد القبض، والمراد نشر أصابعه وكفه في الإناء، وتكتب بالسين والصاد لأجل الطاء، لأن السين تبدل صادًا إذا وقعت قبل أربعة أحرف وهي: الطاء، والحاء، والعين، والقاف، هربًا من كلفه الصعود من الأدنى إلى الأعلى عند النطق، وليصير النطق بالحرفين من مكان واحد، بخلاف ما إذا وقعت بعدها فإنه يكون نزولًا من الأعلى إلى الأدنى.
وبيان ذلك: أن هذه الأحرف الأربعة مخرجها من أعلى الحنك الأعلى،
_________________
(١) الأنعام: [٩٤].
(٢) قال المصنف في النهاية (٢/ ٣٩): المخِصب بالكسر: شبه المركن، وهي إجَّانة تغسل فيها الثياب.
[ ١ / ٢١٢ ]
والسين من أسفل الحنك الأسفل، فإذا كانت قبل الطاء احتجت أن تنطق بالسين من الأسفل، وبالطاء من الأعلى وإذا تأخرت انعكست الحال فسهل النطق.
"والقوم": الجماعة من الرجال خاصة، ولا واحد من لفظه، وربما دخل النساء فيه على سبيل التبعية، ويُذكَّر لفظه ويؤنث، لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها؛ إن كانت للادميين تذكر ويؤنث، مثل: رهط، ونفر، وقوم، قال اللَّه -تعالى- ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ (١) وقال ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢).
و"كل" اسم للتأكيد معناه الإحاطة والعموم، ولا يؤكد به إلا ما يتبعض نحو: جاء القوم كلهم، ويؤكد بها المُظْهَرُ والمُضْمَرُ، وقد تجيء اسمًا غير تأكيد، تقول: جاءني كلهم، إلا أن الأصل وضعها للتأكيد.
وقد اختلفوا في إدخال الألف واللام على "كل" و"بعض"، فمنع منه قوم لتقدير الإضافة فيه، وأجازه اخرون اعتبارًا بنصبه على الحال، في قولهم، مررت بهم كلًاّ.
وأكثر ما يجيء مضافًا إلى المظهر والمضمر، وقد يقطع عن الإضافة ويُنَوَّن كقوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ (٣).
وكم: اسم منه تارة بمعنى الاستفهام، وأخرى بمعنى الخبر، وهي في الحديث استفهامية.
و"الرحراح": الواسع الذي ليس بضيق.
"وزهاء الشيء": قدره وما يقاربه، تقول: هم زهاء مائة أي قدر مائة.
_________________
(١) الأنعام: [٦٦].
(٢) الشعراء: [١٠٥].
(٣) النمل: [٨٧].
[ ١ / ٢١٣ ]
وفي رواية النسائي: "فوضع يده في الماء ويقول: باسم اللَّه" الواو في يقول واو الحال وهي أبلغ وأحسن في الخطاب. قال: لما تقدم بيانه في نبع وينبع.
والباء في "باسم اللَّه" متعلقة بقوله: "بوضوء" ومعنى تعلق اسم اللَّه بالوضوء له وجهان:- أحدهما: أن يتعلق به تعلق القلم بالكتابة، في قولك: كتبت بالقلم، على أن المؤمن لما اعتقد أن فعله لا يجيء معتدًّا به في الشرع، حتى يصدر باسم اللَّه لقوله - ﷺ -: "كُلُّ أمرٍ ذي بالٍ لم يُبْدَأْ فيه باسم اللَّه فهو أبتر" وإلا كان فِعْلًا كالأ فعال، جَعَلَ فِعْله مفعولًا باسم اللَّه، كما تُفْعَلُ الكتابة بالقلم.
والثاني: أن يتعلق به تعلق الدُّهْنِ بالإنبات؛ في قوله تعالى:
﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (١) التقدير: تَنْبتُ مختطة بالدهن، وهنا يكون التقدير أتوضأ مُتَبَرِّكًا باسم اللَّه.
"والاسم": أصله مختلف فيه، فذهب البصريون من النُّحَاة إلى أنه سمي بوزن "فعل"، وجمعه "أسماء" مثل: "قنْو" و"أقناء" فحذفت الواو استثقالًا ونقلت حركتها إلى الميم، ونُقِلَ سكونُ الميم إلى السين، ثم أدخلت همزة الوصل عليها توصُّلًا إلى النطق بالساكن يدلك على ذلك سمي في التصغير واسمًا في التكسير، وسميت في التصغير لأن هذه الأشياء ترد الأشياء غيرها إلى أصولها، فاشتقاقه حينئذ من "السمو" وهو العلو، وقال الكوفيون: هو من السِّمَة: العلامة، وأصله عندهم "وسم" فأبدلوا من الواو همزة، ومقتضى القياس أن يكون جمعه "أوسامًا"، وتصغيره "وُسَيمًا"؛ والحال بخلافه.
وهذا الحديث قد جاء في المسند؛ مسرودًا مع باقي الأحاديث قبله وبعده، وليس للأحاديث المسندة تراجم تعرف بها، ولهذا الحديث معانٍ يجوز أن يكون
_________________
(١) المؤمنون (٢٠).
[ ١ / ٢١٤ ]
كل واحد منها ترجمة عليه، وقد اختلفت تراجم الأئمة في كتبها عليه، فترجم البخاري في كتابه في موضعين:-
أحدهما -باب الوضوء والغسل من المخضب والقدح.
والثاني -باب التماس الوضوء إذا حانت الصلاة.
وأما النسائي: فأخرجه في موضعين من كتابه:-
أحدهما -باب الوضوء من الإناء.
والثاني -باب التسمية عند الوضوء.
فأما مالك فأخرجه في "الموطأ" في باب "جامع الوضوء"، ولم يخصه بترجمة مفردة.
وأما الترمذي ومسلم: فأخرجاه في باب معجزات النبي - ﷺ -.
وأورده صاحب الشامل: في باب الجنب وغيره.
وأورده البيهقي: في باب مقدار الماء الذي يتوضأ منه، وهو فقد ذكر في أول كتابه، أنه قد خَرَّجَ الأحاديث على ترتيب أبواب مختصر المزني، وهذا إشارة منه إلى أن الشافعي أورد هذا الحديث في الباب الذي قد أورده فيه البيهقي -واللَّه أعلم.
ولذلك اقتدينا نحن به، فأوردناه في هذا الباب وكل من هذه التراجم مناسب؛ لأنه يدل على كل باب منها بالمعنى الذي يخصه.
فلنذكر الان ما يتعلق بمقدار ماء الوضوء والغسل.
قال البيهقي في روايته لهذا الحديث: قال الشافعي: وفي مثل هذا المعنى أن رسول اللَّه - ﷺ - كان يغتسل وبعض نسائه من إناء واحد، وأكثر ما حكت وغسلها "فرق" و"الفرق" ثلاثة اصع؛ وقد تقدم تخريج هذا الحديث في الباب الأول من هذا الكتاب.
[ ١ / ٢١٥ ]
قال الشافعي: وبلغنا أن النبي - ﷺ - توضأ بالمُدِّ واغتسل بالصاع (١).
قال الشافعي: وفي هذا ما دل على أن لا وقت فيه لإكماله؛ واللَّه أعلم.
مع أنه قد روى عن النبي - ﷺ - أنه قال في الجنب: "فإذا وجدت الماء فأمسه طهرك" (٢) بغير توقيت شيء منه.
وبيان المذهب هو: أنه لا حد للماء الذي يغتسل به الجنب ويتوضأ به المحدث، إلا بأن يُمِرَّ الماء على الأعضاء ثم يجريه عليها.
قال الشافعي: فقد يخرق بالكثير فلا يكفى، ويرفق بالقليل فيكفي.
قال: وأحب إليَّ أن لا ينقص مما روى عن النبي - ﷺ -، أنه توضأ بالمُدِّ واغتسل بالصاع.
وحكي عن محمد بن الحسن أنه قال: لا يمكن للمغتسل أن يعم جسده بأقل من صاع، ولا المتوضئ أن يسبغ أعضاء وضوئه بأقل من مد. وفي هذا نظر: فإنه روى عن النبي - ﷺ - أنه توضأ بثلثي مد (٣).
ويمكن أن يستخرج من هذا الحديث مسألة معاياة (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٠١)، ومسلم (٣٢٥). من حديث أنس قال: "كان النبي - ﷺ - يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد" لفظ مسلم.
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ١٤٦ - ١٤٧)، وأبو داود (٣٣٢ - ٣٣٣) وغيرهم من حديث أبي ذر، وفيه قصة، وفي اخره: (إن الصعيد الطيب طهور -ما لم تجد الماء، ولو إلى عشر حجج، فإذا وجدت الماء فأمس بشرتك). ولفظ أبي داود: (فأمسه جلدك) واللفظ المذكور غريب. وهذا حديث مختلف في ثبوته وفي أسانيده اضطراب كثير وانظر "نصب الراية" (١/ ١٤٨)، "والتلخيص الحبير" (١/ ١٥٤).
(٣) أخرج أبو داود (٩٤)، والنسائي (١/ ٥٨)، وفي الكبرى (٧٦) عن أم عمارة أن النبي - ﷺ -: توضأ فأتي بإناء فيه ماء قدر ثلثي مد). وصححه الشيخ الألباني -﵀- في صحيح النسائي (٧٢).
(٤) أي: نادرة أو لا أصل لها.
[ ١ / ٢١٦ ]
فيقال: هل يجوز الوضوء بماء لم ينزل من السماء ولا ينبع من الأرض؟ فإن هذا الماء الذي توضأ به هذا الخلق العظيم؛ لم يكن ذلك القدر اليسير الذي كان في القدح؛ إنما هو نابع من أصابع - ﷺ -، ولا شبهة أنه لم ينزل من السماء ولا نبع من الأرض، والماء هو معجزة أظهرها اللَّه -﷿- لرسوله - ﷺ -، وقد تكرر ظهور الماء من بين أصابعه مرات، وهذا أكثر في باب الإعجاز من ظهور الماء من الحجر على يد موسى -﵇- لأن الحجر من شأنه أن ينبع الماء منه كثيرًا في أماكن عدة، فأما من الأصابع!!
ولا يعرف ذلك إلا للمؤيَّدِ بالمعجزة الإلهية - ﷺ -.
***
[ ١ / ٢١٧ ]