عن أنس بن مالك - ﵁ -: أن النبي كان إذا دخل الخلاء قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" الخبث -بضم الخاء والباء- وهو جمعُ خبيثٍ، والخبائثُ: جمع خبيثةٍ، استعاذ من ذُكران الشياطين وإناثهم (٢).
أما أنس، فهو أنصاري خزرجي نجاري (٣) كنيته أبو حمزة، كناه رسول الله - ﷺ - ببقلةٍ كان يجتنيها، قال: الأزهري: البقلة التي جناها أنس كان في طعمها لذعٌ، فسمِّيت حمزة بفعلها فقال: رمَّانة حامزة؛ أي: فيها حموضةٌ، وهو أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن يزيد بن حرام -بالحاء المهملة والرَّاء- وجمع ما في الأنصار من الأسماء حرامٌ كذلك، وفي قريش بكسر
_________________
(١) انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد (١/ ١٨٠ - ١٨١)، "ولسان العرب" لابن منظور (١/ ٥٦٧) (مادة: طيب).
(٢) رواه البخاري (١٤٢)، كتاب: الوضوء، باب ما يقول عند الخلاء، ومسلم (٣٧٥)، كتاب: الحيض، باب: ما يقول إذا أراد دخول الخلاء.
(٣) في "ح": "حجازي".
[ ١ / ١١٠ ]
الحاءِ المهملة والزَّاي-، أمه أمُّ سُلَيْم، واختُلف في اسمها اختلافًا كثيرًا، والصحيح مليكة، وهو الثابت في "الصحيحين"، وهي بنت مِلْحان -بكسر الميم على المشهور-.
وحكى صاحب "المطالع" عن بعضهم فتحَها (١)، أتت به أُمه إلى النبي - ﷺ - ليخدمَه حين قدمَ المدينةَ، فخدمه عشرَ سنين، فكان عمرُه عشرًا، وقيل: ثمانيًا، ودعا له رسولُ الله - ﷺ - بكثرةِ المالِ والولدِ، فرأى - ﵁ - من أولاده وأحفاده أكثرَ من مئة وعشرين، منهم لصلبه ثمانون ولدًا، ثمانية وسبعون ذكرًا، وابنتان.
وقال أنس: أخبرتني ابنتي أُمَيْنَةُ أنَّه دُفن لصلبي إلى مقدم الحَجاجِّ البصرةَ بضع وعشرون ومئة (٢).
وهو من أكثر الصَّحابة حديثًا، رُوي له عن رسول الله - ﷺ - ألفا حديثٍ، ومئتا حديثٍ، وستة وثمانون حديثًا، اتَّفقا على مئةٍ وثمانية وستين، وانفرد البخاري بثلاثةٍ وثمانين، ومسلمٌ بأحدٍ وسبعين.
روى عنه: أبو أمامةَ أسعدُ بنِ سهلِ بنُ حنيفٍ، وابناه موسى والنضر، وأحفاده، وخلق كثير من التَّابعين.
وكان رسولُ الله - ﷺ - يدخل على أُمِّه أمِّ سُليم فيصلي في بيتها غيرَ المكتوبة، ويدعو لهم بخير الدنيا والآخرة.
وهو من أطولِ الصَّحابة عمرًا، وسكن البصرةَ، ومات بها سنة ثلاث، وقيل: خمس، وقيل: إحدى، وقيل: اثنتين وتسعين، ودفن بقصره على نحو فرسخين من البصرة، وهو آخرُ مَنْ مات من الصحابة بها - ﵁ -، وقال محمدُ بنُ عبدِ الله الأنصاري: كان سِنه يومَ ماتَ مئةً وسبعَ سنين.
وقال حُمَيدٌ: عُمرَ مئةَ سنةٍ إلا سنةً، ولا التفات إلى قول من قال: إنه آخر
_________________
(١) انظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (١/ ٣٩٩).
(٢) رواه البخاري (١٨٨١)، كتاب: الصوم، باب: من زار قومًا فلم يفطر عندهم.
[ ١ / ١١١ ]
الصحابة موتًا، بل آخرهم موتًا أبو الطُّفيل عامرُ بن واثلة؛ فإنه مات سنةَ مئة، وقال مُوَرِّقٌ العجلي لما مات أنسٌ: ذهبَ اليومَ نصفُ العلم (١).
أما ألفاظُه:
فالخلاء -بفتح الخاء المعجمة والمدِّ-: موضعُ قضاء الحاجة، وكذلك الكَنيفُ، والمِرْحاض، وأصلُه المكانُ الخالي، ثمَّ كثر استعماله حتى يُجُوز به غير ذلك.
وقوله: "إذا دخلَ" معناه: إذا أراد الدُّخول كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [النحل: ٩٨]، وقد ثبت هذا المعنى تصريحًا في رواية البخاري قال: كانَ إذا أرادَ أن يدخلَ.
وأما الخبث، فهو بضم الخاء والباء وإسكانها، لكنِ الأكثرونَ على الضم، والإسكانُ جائزٌ كما في نظائره، ونقل القاضي عياضٌ أن الأكثرين على الإسكانِ، وقال الخطابي: الإسكانُ غلطٌ، وكلا القولين خلافُ الصواب، بل الوجهان جائزان كما ذكرنا، وجوازُ الإسكان على سبيل التخفيف قياسًا؛ كما يقال: كُتب ورُسل، وعُنق، وأُذن غير ممنوع، لا خلافَ فيه عند أئمة العربية، وهو باب معروف عند أئمةِ التصريفِ، وهو أن فُعُلًا -بضم الفاء والعين- تخَفَّفُ عينُه قياسًا، فلعل الخطابيَّ أنكرَ أن الأصلَ الإسكان فيه، لكن عبارتَه موهمة، وممَن صرح بأن الباء ساكنةٌ هنا إمامُ هذا الفنِّ والعمدةُ فيه أبو عبيد القاسم بنُ سَلام، والخُبثُ -بالضم- جمعُ الخبيثٍ، والخبائث جمعُ الخبيثة، يريد ذُكْرانَ الشَّياطين
_________________
(١) وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٧/ ١٧)، و"الثقات" لابن حبان (٣/ ٤)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (٩/ ٣٣٢)، و"صفة الصفوة" لابن الجوزي (١/ ٧١٠)، و"المنتظم" له أيضًا (٦/ ٣٠٣)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (١/ ٢٩٤)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (١/ ١٠٩)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (١/ ١٣٦)، و"تهذيب الكمال" للمزي (٣/ ٣٥٣)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٣/ ٣٩٥)، و"تذكرة الحفاظ له أيضًا (١/ ٤٤)، و"العبر" له أيضًا (١/ ١٠٧)، و"البداية والنهاية" لابن كثير (٥/ ٣٣١)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (١/ ١٢٦)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا (١/ ٣٢٩).
[ ١ / ١١٢ ]
وإناثَهم، وقيل: هو الشَّرُّ، وقيل: الكفرُ، وقيلَ: الخُبُثُ: الشَّيطان، والخبائثُ: المعاصي، وقال ابن الأعرابيّ: الخبثُ في كلام العرب: المكروهُ؛ فإن كان من الكلام، فهو الشَّتم، وإن كان من الملل، فهو الكفرُ، وإن كان من الطعام، فهو الحرام، وإن كان من الشَّراب فهو الضَّارُّ (١).
ولا شك في صحة هذا الحديث من رواية أنسٍ - ﵁ - كما ذكره المصنِّفُ، وهو ثابتٌ في "الصحيحين"، وقد رواه أبو داود والترمذي والنَّسائي وابنُ ماجَهْ، والحاكمُ أبو عبد الله في "مستدركه" من روايةِ زيدِ بنِ أرقم - ﵁ - بزيادة في أوله، وهي: "إن هذِهِ الحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ، فَإذَا أتَى أَحَدُكُمُ الخَلاءَ، فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ"، وقال الترمذي: حديثُ أنسٍ أصح شيءٍ في الباب وأحسنُ، وحديثُ زيدِ بنِ أرقم في إسناده اضطرابٌ (٢)، وأشار إلى اختلاف الرواةِ فيه، وقال أبو محمد عبدُ الحق في "أحكامه الوسطى": حديثُ زيدِ بن أرقم اختلف في إسنادِه، والذي أسنده ثقةٌ، وقال الحاكم: هو من شرط الصحيح، ولم يُخرجاه بهذا اللفظ، وقال شيخنا أبو زكريا النواوي - ﵀ -: حديثُ زيدِ بنِ أرقمَ صحيحٌ أو حسنٌ، قلتُ: وهو حسنٌ عندَ أبي داودَ؛ لسكوته عليه -والله أعلم-.
قال شيخنا أبو الفتح بنُ دقيق العيد القشيريّ - ﵀ - قولُه: "إذا دخلَ": يحتملُ أن يُرادَ به: إذا أراد الدخول؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ
_________________
(١) انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد (٢/ ١٩٢)، و"الفائق في غريب الحديث" للزمخشري (١/ ٣٤٨)، و"مشارق الأنوار" للقاضي عياض (١/ ٢٢٨)، و"النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (٢/ ٦)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (٣/ ٨٢)، و"تحرير ألفاظ التنبيه" له أيضًا (ص: ٣٦)، و"لسان العرب" لابن منظور (٢/ ١٤١)، (مادة: خبث).
(٢) رواه أبو داود (٦)، كتاب: الطهارة، باب: ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء، والنسائي في "السنن الكبرى" (٦/ ٢٣)، والترمذي في "العلل" (ص: ٢٢)، وابن ماجه (٢٩٦)، كتاب: الطهارة، باب: ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء، والحاكم في "المستدرك" (٦٦٩).
[ ١ / ١١٣ ]
شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، ويحتمل أن يريد به: ابتداءُ الدخول، وذكرُ الله تعالى مستحبٌّ في ابتداءِ قضاءِ الحاجة، فإِنْ كان المحل الذي يقضي فيه الحاجة غيرَ معدٍّ لذلك؛ كالصحراء مثلًا، جاز ذكرُ الله تعالى في ذلك المكان، وإن كان معدًّا لذلك؛ كالكنيف، ففي جواز الذِّكر فيه خلافٌ بين الفقهاء، فَمَنْ كَرِهَه، فهو محتاجٌ إلى أَنْ يُؤولَ قولَه: إذا دخل بمعنى: إذا أراد؛ لأن لفظة دخل أقوى في الدلالة على الكُنُفِ المبنيَّة منها على المكان البَراح، أو لأنه قد تبين في حديث آخرَ المرادُ؛ حيث قال - ﷺ - "إن هَذ الحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ، فَإذا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الخَلاءَ فَلْيَقُل "الحديث، وأما من أجازَ ذكرَ الله تعالى في هذا المكان، فلا يحتاج إلى هذا التأويل، ويحمل دخل على حقيقتها، ثُمَّ قال: الحديثُ الذي ذكرناه من قوله - ﷺ -: "إنَّ هَذه الحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ"؛ أيْ: للجانِّ والشَّياطين بيانٌ لمناسبةِ هذا الدُّعاء المخصوص لهذا المكان المخصوص، هذا آخرُ كلامه (١).
قلت: أمَّا قولُه: يجوز ذكرُ الله تعالى في مكان قضاء الحاجة إذا كان غيرَ مُعدٍّ له؛ كالصحراء، وإن كان معدًّا لها، ففيه خلافٌ بين الفقهاء، وجعلُه حديثَ الحشوش محتضرة بيانًا لمناسبة هذا الدعاء المخصوص في هذا المكان المخصوص، فلا أعلم أحدًا ذكر هذه الجملة من العلماء في الجواز والاختلاف والمناسبة، بل كلهم ذكروا الكراهةَ فيه، حتَّى صرَّح بعضُ العلماءِ في الصحراءِ بالكراهةِ إذا أرادَ قضاءَ الحاجة، وأراد اتخاذَ مكانٍ منه أنَّه يصيرُ حكمُهُ حكمَ المكان المتخذ في البنيان.
ورأيت بعض المتأخِّرين ينقلُ تحريمَ استصحابِ ذكرِ الله تعالى فيه المكتوب، فكيف بالنُّطق به؟، ولم أرَه، لكنَّهم صرَّحوا بالكراهة، سواءٌ كانَ غير قاضٍ حاجتَه، أَمْ على قضائها، ومناسبةُ الاستعاذةِ تقتضي ذلك، أما أنها تقتضي جوازَ ذكرِ الله تعالى فيه، فلا -والله أعلم-.
_________________
(١) انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق العيد (١/ ٥٠ - ٥١).
[ ١ / ١١٤ ]
وأما قولُه: ويحتمل أن يريد به ابتداء الدخول، فهو غيرُ صحيح، مع التصريح في رواية البخاري أنه - ﷺ - كان إذا أرادَ دخولَ الخلاء، قال -والله أعلم-.
وفي هذا الحديث دليلٌ: على مراقبة رسول الله - ﷺ - لربه، ومحافظتِه على ضبط أوقاتِه وحالاتِه، واستعاذتِه عندما ينبغي أَنْ يُستعاذَ منه، ونطقِه بما ينبغي أَنْ ينطقَ به، وسكوته عندما ينبغي أَنْ يسكتَ عنده، وقد كان - ﷺ - إذا خرج من الخلاء قال: " غُفْرَانَكَ" (١)؛ أيْ: أسألك غفرانَك على حالةٍ شَغَلَتْني عن ذكرِك.
وفيه: شرعيَّةُ هذا الذكر عند إرادة دخول الخلاء، وهو متَّفق عليه.
وفيه: ما كان عليه أصحاب النبي - ﷺ - من ضبط أموره - ﷺ -، وأحواله، وأقواله، وأفعاله، وأذكاره، وغير ذلك -﵃- أجمعين.
* * *