عن المُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ - ﵁ - قالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - في سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لأَنْزعَ خُفَّيْهِ، فقالَ: "دَعْهُمَا فَإنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ، فَمَسَحَ عَلَيْهمَا" (١).
أمَّا المُغِيرَةُ: فهو بضم الميم، أو كسرها، الضمُّ أشهر، ابنُ شعبةَ بنِ أبي عامرِ بنِ مسعودِ بنِ مُعَتِّبِ -بالعين المهملة، والتاء المثناة فوق المشددة، ثم الباء الموحدة- بنِ مالكِ بنِ كعبِ بنِ عمرِو بنِ سعدِ بنِ عوفِ بن قسيِّ بنِ منبهٍ، وهو ثقيف الثقفي، يكنى: أبا عيسى، ومنعها عمرُ بنُ الخطاب عنه، وكنَّاه: أبا عبدِ الله، وقيل: كنيته: أبو محمد.
أسلم عامَ الخندق، وأحصن ثلاثَ مئة امرأةٍ في الإسلام، وقيل: ألف امرأة، وكان موصوفًا بالدهاء، وقصَّ له رسول الله - ﷺ - شاربه على سواك، وهذه منقبة لا نعرفها لغيره من الصحابة.
رُوِيَ له عن رسول الله - ﷺ -: مئةٌ وستةٌ وثلاثون حديثًا؛ اتفقا على سبعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين؛ فجميع روايته فيهما: اثنا عشر
_________________
(١) رواه البخاري (٢٠٣)، كتاب: الوضوء، باب: إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان، ومسلم (٢٧٤)، كتاب: الطهارة، باب: المسح على الخفين.
[ ١ / ١٦٤ ]
حديثًا، وروى عنه من الصحابة: المِسْوَرُ بنُ مخرمةَ، وخلقٌ كثير من التابعين، وروى له أصحاب السنن، والمساند.
ومات بالكوفة أميرًا عليها في الطاعون سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين؛ وهو ابن سبعين سنة (١).
وقال الشعبِيُّ: دُهاةُ العرب أربعة: معاويةُ بن أبي سفيان، وعَمْرُو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد، فأمَّا معاوية؛ فللأناة والحلم، وأمَّا عمرو؛ فللمعضلات، وأما المغيرةُ؛ فللمبادهة، وأما زياد؛ فللصغير والكبير (٢).
وأمَّا ألفاظه:
فالسفر الَّذي كان مع رسول الله - ﷺ - فيه: غزوة تبوك، قبل الفجر؛ كذا ثبت في "الصحيحين" (٣).
ففيه دليل على: جواز المسح على الخفين: وهو جائز بالإجماع في السفر والحضر.
لكن هل الأفضل غسلُ الرجلين، إِذْ هو الأصل والغالب، أم المسح أفضل ردًّا على الخوارج، أم يتساويان؛ لتقابلهما؟ مذاهب:
والجمهور: على أنَّ غسلهما أفضل، والمسح على الخف جائز؛ وبه قال أصحاب الشافعي، وعن الإمام أحمد: روايتان، أصحهما: المسح أفضل، والثانية: هما سواء، واختاره: ابن المنذر.
_________________
(١) وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٤/ ٢٨٥)، و"التاريخ الكبير" للبخاري (٧/ ٢١٦)، و"الثقات" لابن حبان (٣/ ٣٧٢)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (٤/ ١٤٤٥)، و"تاريخ بغداد" (١/ ١٩١)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (٦٠/ ١٣)، و"المنتظم" لابن الجوزي (٥/ ٢٣٧)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (٥/ ٢٣٨)، و"تهذيب الكمال" للمزي (٢٨/ ٣٦٩)، و"سير أعلام النبلاء الذهبي" (٣/ ٢١)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (٦/ ١٩٧)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا (١٠/ ٢٣٤).
(٢) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٩/ ١٨٢).
(٣) رواه البخاري (٤١٥٩)، كتاب: المغازي، باب: نزول النبي - ﷺ - الحجر، ومسلم (٢٧٤)، كتاب: الصلاة، باب: تقديم الجماعة من يصلي بهم إذا تأخر الإمام.
[ ١ / ١٦٥ ]
واختلفت الروايات فيه:
ومن أشهرها: رواية المغيرة بن شعبة.
ومن أصحها: رواية جرير بن عبد الله البَجَلي -بفتح الباء والجيم-، وقال: روينا في "سنن البيهقي" عن إبراهيم بن أدهم - ﵁ - قال: ما سمعت في المسح على الخفين أحسنَ من حديث جرير - ﵁ - (١).
واعلم: أنَّ غزوة تبوك، كانت في رجب، سنة تسع؛ وقتها كانت قصة المغيرة في المسح على الخفين، ورواية جرير فيه كان بعد نزول المائدة، قبل موت النبي - ﷺ - بشهرين، أو نحوهما.
ولهذا كان يعجبُ أصحابَ عبد الله بن مسعود الأخذُ بحديث جرير؛ لتأخرِه، ورده على من ظنَّ أنَّه منسوخ، أو شكَّ في جوازه، وإزالته الإشكال فيه، واللبس على من التبس؛ ولهذا قال جرير - ﵁ -: وهل أسلمْتُ إلَّا بعدَ نزول المائدة؟ (٢)
حتى اشتهر جواز المسح على الخف عند علماء الشريعة، وعُدَّ شعارًا لأهل السنة، حتَّى جعله بعضُهم أفضل من الغسل على ما حكينا؛ لكون تركه صار شعارًا لأهل البدع؛ فحديث جرير مبين للمراد من الآية في غير صاحب الخف؛ فتكون السنة مخصصة للآية، والله أعلم.
وقوله - ﷺ -: "دَعْهُما؛ فَإنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا": يعني: الطهارة الشرعية بكمالها؛ لأنَّه لا يسمَّى شرعًا متطهر، لمن يتطهر في جميع الأعضاء، إلَّا لمعة؛ فكيف من يترك عضوًا كاملًا؟
ولهذا قال أصحاب الشَّافعي - ﵏ -: لو غسل إحدى رجليه،
_________________
(١) رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٢٧٣).
(٢) رواه أبو داود (١٥٤)، كتاب: الطهارة، باب: المسح على الخفين، والترمذي (٩٤)، كتاب: الطهارة، باب: في المسح على الخفين، والحاكم في "المستدرك" (٦٠٤)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٢٧٠).
[ ١ / ١٦٦ ]
وأدخلهَا الخفَّ، ثم غسلَ الأخرى، وأدخلها الخفَّ؛ لم يجز المسحُ حتى ينزعَ الأولى، ثم يلبسها.
وتفويت سنة اللبس في تقديم اليمنى لا يوجب منعَ جواز المسح؛ لأنَّه علَّق الحكم بالمسح عليهما بإدخالهما طاهرتين، وذلك لا يقتضي إدخال إحداهما طاهرة دون الأخرى، والحكمُ المترتبُ على التثنية غيرُ المترتب على الوحدة؛ فيكون حالًا منهما، لا من كل واحد منهما، والله أعلم.
وقول المغيرة: "فَمَسَحَ عَلَيهمَا": فيه إضمارٌ، تقديره: فأحدثَ، فمسحَ عليهما؛ لأنَّ وقتَ جواز المسح بعدَ الحديث، ولا يجوزُ قبله؛ لأنَّه على طهارة الغسل.
والحدثُ المجوِّزُ للمسح: ما ينقض الوضوء من البول والغائط، والنوم، ونحوها؛ لا ما يوجب الغسل، وذلك ثابت في حديث صفوانَ بنِ عَسَّال -بالعين والسين المشددة المهملتين-، والله أعلم.
* * *