عن أبي هريرةَ - ﵁ -: أنَّ النبيَّ - ﷺ - لَقِيَهُ في بَعْضِ طُرِقِ المَدِينَةِ، وهو جُنُبٌ: فانْخَنَسْتُ مِنْه، فَذَهَبْتُ، فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ، فقالَ: "أينَ كُنْتَ يا أَبا هُرَيْرَةَ؟ " قال: كُنْتُ جُنُبًا، فكَرِهْتُ أَن أُجَالِسَكَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، قَالَ: "سُبْحَانَ اللهِ! إنَّ المُؤمِنَ لا يَنْجُسُ" (١).
الجنابة: دالة على معنى البعد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦].
وعن الشَّافعيِّ - ﵁ -: أنه إنَّما سُمِّيَ جُنُبًا، من المخَالَطة.
ومن كلام العرب: أَجْنَبَ: إذا خالَطَ امرأته.
فعلى هذا يكون من الأضداد، وهو أَنَّ اللفظَ يُستعمل في الضدين في المعنى؛ كالقربِ والبعد، ولأنَّ مخالطتَها يلزم منها حصولُ الجنابة، أو مؤدِّية إليها، التي معناها البعدُ (٢).
وأما المدينة: فهي مدينةُ النبي - ﷺ -.
_________________
(١) رواه البخاري (٢٧٩)، كتاب: الغسل، باب: عرق الجنب، وأن المسلم لا ينجس، ومسلم (٣٧١)، كتاب: الحيض، باب: الدليل على أن المسلم لا ينجس.
(٢) انظر: "لسان العرب" لابن منظور (١/ ٢٧٩)، و"القاموس" للفيروزأبادي (ص: ٨٩)، (مادة: جنب).
[ ١ / ١٩٨ ]
ولها أسماء: المدينةُ، والدار؛ لأَمْنِهَا والاستقرار بها.
وطَيْبَة، وطَابةُ؛ من الطِّيب؛ وهي الرائحةُ الحسنة، والطابُ، والطيبُ: لغتان.
وقيل: من الطيب، وهو الطاهر؛ لخلوصها من الشرك، وطهارتها.
وقيل: من طيب العيش بها.
وفي "صحيح مسلم": أنَّ النبي - ﷺ - قال: "إِنَّ اللهَ تعالى سَمَّى المدينةَ طابة" (١).
ويقال لها: يَثْرِبُ، والعذراءُ، وجابرةُ، والمجبورةُ، والمحبةُ، والمحبوبةُ، والقاصمةُ؛ لأنها قصمتِ الجبابرةَ، ولم تزلْ عزيزةً في الجاهلية، تمنَّعت على الملوك السالفة، وغيرهم، أعزَّها الله تعالى برسوله - ﷺ -، وقيل: لم يُعْبَد بها صنم قط.
ثم اعلم: أَنَّ كثرةَ الأسماءِ تدل على شرف المسمَّى؛ ولهذا كثرت أسماء الله تعالى، وأسماء رسوله - ﷺ -.
واعلم أنَّ الأصوليين اختلفوا في أنَّ: الاسمَ غيرُ المسمى، أو هو هو، وذلك في غير اسم الله تعالى، وأمَّا الله - ﷾ -، فلا يجوز إطلاقُ ذلك عليه؛ بل هو -سبحانه- واحدٌ في ذاته، وصفاته، ومخلوقاته، وذاته.
وأسماؤه قديمة، لا يقال: هذا هذا، ولا هذا غير هذا؛ بل نطلقه كما أطلقه سبحانه، لا إله إلا هو، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا.
وقوله: "فَانْخَنَسْتُ"؛ أي: انقبضتُ راجعًا.
والانْخِنَاسُ: الانقباضُ، والرجوعُ، يقال: خَنَسَ، لازمًا ومتعديًا، فمن
_________________
(١) رواه مسلم (١٣٨٥)، كتاب: الحج، باب: المدينة تنفي شرارها، من حديث جابر بن سمرة - ﵁ -.
[ ١ / ١٩٩ ]
اللازم: ما جاء في الحديث في ذكر الشيطان: "فإذا ذُكِرَ اللهُ خَنَسَ" (١)، ومن المتعدي: ما جاء في الحديث أيضًا: "وخَنَسَ إِبْهَامَه" (٢)؛ أي: قبضها.
وقيل: يقال: أَخْنَسَه في المتعدِّي، ذكره صاحب "مجمع البحرين" (٣).
ورُويت هذه اللفظة: "فانْبَجَسْتُ" (٤)؛ من الانبجاس -بالجيم-: وهو الاندفاع؛ أي: اندفعتُ عنه، ويؤيده ما جاء في حديث آخر، وهو قوله: "فانْسَلَلْتُ مِنْهُ" (٥).
وروي -أيضًا-: "فانبَخَسْتُ" (٦) -بالخاء-؛ من البَخْس، وهو: النقص؛ كأنه - ﵁ - اعتقدَ نقصانَ نفسه بجنابته، عن مجالسة رسول الله - ﷺ -، أو مصاحبته؛ لاعتقاد نجاسة نفسه.
وفي لفظ البخاري: "فانسَلْتُ" (٧)، وفي لفظ مسلم: "فانْسَلَّ" (٨).
وروي: "فانْبَجَسْتُ" -بالجيم، والشين المعجمة-، وهو: الإسراع (٩).
وقوله: "كُنْتُ جُنُبًا"؛ أي: ذا جنابة.
وهذه اللفظة تقع على الواحد المذكر، والمؤنث، والاثنين، والجمع بلفظ
_________________
(١) رواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده" (٤٣٠١)، وابن عدي في "الكامل في الضعفاء" (٣/ ١٨٦)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/ ٢٦٨)، من حديث أنس بن مالك - ﵁ -. وفي الباب: عن ابن عباس - ﵄ -.
(٢) رواه الدارقطني في "سننه" (٢/ ١٦٣)، عن رافع بن خديج - ﵁ -.
(٣) كتاب: "مجمع البحرين" في اللغة، للإمام حسن بن محمد الصغاني، المتوفى سنة (٦٥٠ هـ)، في اثني عشر مجلدًا، جمعه من كتب في اللغة كثيرة. وانظر: "كشف الظنون" (٢/ ١٥٩٩).
(٤) وهي من رواية المستملي عن البخاري، كما ذكر الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (١/ ٣٩٠).
(٥) رواه ابن حبان في "صحيحه" (١٢٥٩).
(٦) وهي من رواية الأُصيلي وأبي الحسن القابسي والنسفي والمستملي، كما ذكر القاضي عياض في "مشارق الأنوار" (١/ ٧٨).
(٧) رواه البخاري (٢٨١)، كتاب الغسل، باب: الجنب يخرج ويمشي في السوق وغيره.
(٨) تقدم من رواية مسلم برقم (٣٧١) في "صحيحه".
(٩) انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (٥/ ٢١).
[ ١ / ٢٠٠ ]
واحد، قال تعالى في الجمع: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، وقال بعض أزواج النبي - ﷺ -: "إنِّي كُنْتُ جُنُبًا" (١).
وقد يقال: جُنُبَان، وجُنُبُون، وأَجْنَاب.
قوله: "فَكَرِهْتُ أَنْ أُجالِسَكَ، وَأَنا عَلَى غَيْرِ طَهارَةٍ"، إنما كره ذلك؛ لاعتقاده نجاسةَ الجُنُبِ؛ ولهذا قال له النبي - ﷺ -: "سُبْحانَ اللهِ! إنَّ المُؤْمِنَ لا يَنْجُسُ"؛ تعجبًا من اعتقاده، وإعلامه بالحكم في عدم نجاسة الجنب، وإِنْ كان المستحبُّ أن يكونَ الإنسانُ على طهارة في ملابسة الأمور المعظمة، لكنَّ اعتقادَ النَّجَاسة أعظمُ مفسدةً من مراعاة لمصلحةٍ مستحبةٍ.
وقوله - ﷺ -: "سبحانَ اللهِ"؛ تنزيهٌ لله تعالى، منصوب نصب المصدر، أريد به هنا، وأمثاله: التعجبُ.
وقوله - ﷺ -: "إنَّ المسلمَ لا يَنْجُسُ"؛ هو -بضم الجيم، وفتحِها- لغتان، فيقال في الماضي: نَجِسَ، و[نَجُسَ]-بكسر الجيم، وضمها-، فمن كسرها في الماضي، فتحها في المضارع، ومن ضمها في الماضي، ضمها في المضارع -أيضًا-؛ وهو قياس يطرد عند أهل العربية، إلَّا أحرفًا مستثناة، من ذلك (٢).
وأمَّا الأحكام:
ففيه: دليل على طهارة المسلم حيًّا، أو ميْتًا:
وأمَّا الحي: فهو طاهر بإجماع المسلمين.
حتى الجنينُ إذا ألقته أمُّه، وعليه رطوبةُ فرجِها، قال بعض أصحاب الشَّافعي: هو طاهرٌ بإجماع المسلمين، قال: ولا يجيء فيه الخلاف المعروف
_________________
(١) رواه أبو داود (٦٨)، كتاب: الطهارة، باب: الماء لا يجنب، والترمذي (٦٥)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في الرخصة في ذلك، وابن ماجه (٣٧٠)، كتاب: الطهارة، باب: الرخصة بفضل وضوء المرأة، وابن حبان في "صحيحه" (١٢٤٨)، من حديث ابن عباس - ﵄ -.
(٢) انظر: "شرح صحيح مسلم" للنووي (٤/ ٦٧)، و"لسان العرب" لابن منظور (٦/ ٢٢٦)، (مادة: نجس).
[ ١ / ٢٠١ ]
في نجاسة رطوبة فرح المرأة، والخلاف في كتب الشَّافعية في نَجَاسةِ بيضِ الدَّجاج، ونحوه؛ فإنَّ فيه وجهين؛ بناء على رطوبة الفرج.
وأمَّا الميْتُ المسلم: فاختلف العلماء فيه، وللشَّافعي قولان؛ الصحيح: أنَّه طاهر، ولهذا غسل؛ ولقوله - ﷺ -: "إنَّ المسلمَ لا يَنْجُسُ".
ذكره البخاري في "صحيحه"، عن ابن عباس - ﵄ - تعليقًا: "المسلمُ لا يَنْجُسُ حَيًّا، ولا مَيْتًا" (١).
وأمَّا الآدميُّ الكافرُ: فحكمُه في الطهارة والنجاسة حكمُ المسلم، وهو مذهب جمهور العلماء.
وبعض أهل الظاهر يرى: أنَّ المشركَ نَجِسٌ في حال حياته؛ أخذًا بظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨].
ويقال للشيء: نجَسٌ؛ بمعنى أنَّ: عينَه نجس، ويقال: نجس: بإضافة النجاسة له، ويجب حمله على المعنى الأول؛ هو: أنَّ عينه لا تصير نَجِسَة؛ لإمكان نجاسته بإصابة النجاسة.
ويجاب عن الآية الكريمة: بأنَّ المرادَ نجاسةُ الاعتقاد، والاستقذار؛ لا أنَّ أعضاءهم نجسة؛ كنجاسة البول والغائط، ونحوهما.
فإذا ثبت طهارةُ الآدمي، مسلمًا كان أو كافرًا، فعرقه، ولعابه، ودمعه طاهرات، سواء كان: محدِثًا، أو جُنبًا، أو حائِضًا ونفساءَ؛ وهذا كلُّه بإجماع المسلمين، كما تقدم.
وكذلك الصبيان: أبدانُهم، وثيابُهم، ولعابُهم؛ محمولةٌ على الطهارة، حتى
_________________
(١) رواه البخاري في "صحيحه" (١/ ٤٢٢)، معلقًا بصيغة الجزم، ورواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١١١٣٤) موصولًا عن ابن عباس موقوفًا عليه من قوله. ورواه الدارقطني في "سننه" (٢/ ٧٠)، والحاكم في "المستدرك" (١٤٢٢)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٣٠٦)، عن ابن عباس مرفوعًا.
[ ١ / ٢٠٢ ]
تتيقن النجاسة، فتجوز الصلاةُ في ثيابهم، والأكلُ معهم من المائع إذا غمسوا أيديهم فيه، والله أعلم.
وفيه: دليل على احترام أهل الفضل، وتوقيرهم في مجالستهم، ومصاحبتهم، وأن يكون على أكمل الهيئات، وأحسن الصفات.
ويُستَحبُّ لطالب العلم: أَنْ يحسِّنَ حالَه مع شيخه في المجالسة؛ بأن يكون متطهرًا، متنظفًا بإزالة الشعور المأمور بإزالتها، وقص الأظافر، وإزالة الروائح الكريهة، والملابس المكروهة، وغير ذلك؛ فإنَّ ذلك من إجلال العلم والعلماء.
وفيه: أنَّ العالم إذا رأى مِنْ تابعِه أمرًا يخالف الشرع؛ من قول، أو فعل، أو اعتقاد؛ أَنْ يرشِدَه إليه، ويبينَ له الصواب.
وفيه: جواز التعجب، بسبحان الله! وأنَّ ذلك لا يعدُّ سوءَ أدب مع التنزيه؛ وكأنَّه في المعنى: تذكيرٌ لمن يعجب من فعلِه المخالفِ؛ بالرجوع إلى الله تعالى، وتنزيهه، والله تعالى أعلم.
* * *