عن عمرانَ بنِ حُصَيْنٍ - ﵄ -: أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا لَمْ يُصَلِّ في القَوْمِ، فقالَ: "يا فُلانُ! ما مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ في القَوْمِ؟ "، فقال: يا رَسُولَ الله! أصَابَتْني جَنَابَةٌ، ولا ماءَ، قال: "عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ؛ فَإنَّه يَكْفِيكَ" (١).
أمَّا عمرانُ بنُ حُصين: فهو صحابيٌّ ابنُ صحابي، وكنيتُه: أبو نُجيد -بضم النون-؛ وهو عمرانْ بنِ الحصينِ بنِ عبيدِ بنِ خلفِ بنِ عبدِ فهم بنِ سالمِ بنِ عاصرةَ بنِ سلولَ بنِ حبسيةَ بنِ سلولِ بنِ كعبِ بنِ عَمْرِو بنِ ربيعةَ؛ وهو لُحَيُّ بنُ حارثةَ بنِ عمرِو بنِ عامرِ بنِ حارثةَ بنِ امرئ القيسِ بنِ ثعلبةَ بنِ مازنِ بنِ الأزدِ بنِ الغوثِ بنِ ثبتِ بنِ مالكِ بنِ زيدِ بنِ هلالِ الخزاعيُّ.
وممن ذكر صحبةَ أبيهِ: أبو حاتمِ بنُ حِبَّان، وقال فيه: حُصينُ بن عبيد الخزاعيُّ: والدُ عمرانَ، له صحبة.
أسلم أبو هريرة، وعمرانُ عامَ خيبر.
وكان لعمرانَ ابنٌ اسمه نُجيد، كُنِّي به.
_________________
(١) رواه البخاري (٣٤١)، كتاب: التيمم، باب: التيمم ضربة، ومسلم (٦٨٢)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: قضاء الصلاة الفائتة، وهذا لفظ البخاري.
[ ١ / ٢٣٧ ]
رُوي له عن رسول الله - ﷺ -: مئةُ حديثٍ، وثمانون حديثًا؛ اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بتسعة.
روى عنه: جماعة من التابعين، وروى له: أصحاب السنن والمساند.
ونزل البصرة، وكان قاضيًا بها؛ استقضاه عبد الله بنُ عامرٍ، فأقامَ أيامًا، ثم استعفاه فأعفاه.
وكان الحسن البصري يحلِفُ بالله ما قَدِمَهَا -يعني: البصرة- رَاكبٌ، أنفعُ لهم؛ من عمران بن حصين.
ومات بها سنة اثنتين وخمسين (١).
واعلم أنَّ آية التيمم نزلت في شعبان، سنة خمسٍ من الهجرة، في غزوة المريسيع:
قصد رسول الله - ﷺ - بني المصطلق من خزاعة على مائهم، قريب من الفرع؛ فقتل منهم رجالهم، وسبا نساءهم، وكان فيمن سبى؛ جويريةُ بنتُ الحارثِ بنِ أبي ضِرارٍ، تزوجها رسول الله - ﷺ -، وجعل صَداقَها أربعين أسيرًا من قومها.
وفي هذه الغزاة سقط عقد عائشة؛ فأقام رسول الله - ﷺ - بالناس على التِماسِهِ، وليسوا على ماء؛ فنزلت آية التيمم.
أمَّا التيمُّم لغةً، فهو: القصد.
قال الإمام أبو منصور الأزهري: التيمم في كلام العرب: القصد، يقال: تَيَمَّمْتُ فلانًا، ويَمَّمْتُهُ، وتأَمَّمْتُهُ؛ وأَمَّمْتُهُ؛ أي: قصدتُه (٢).
ثم إن التيمُّمَ خَصيصة خص الله تعالى به هذه الأمة -زادها الله شرفًا-.
_________________
(١) وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٧/ ٩)، و"التاريخ الكبير" للبخاري (٦/ ٤٠٨)، و"الثقات" لابن حبان (٣/ ٢٨٧)، و"المستدرك" للحاكم (٣/ ٥٣٤)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (٣/ ١٢٠٨)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (٤/ ٢٦٩)، و"تهذيب الكمال" للمزي (٢٢/ ٣١٩)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٢/ ٥٠٨)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (٤/ ٧٠٥)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا (٨/ ١١١).
(٢) انظر: "الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي" للأزهري (ص: ٥٢).
[ ١ / ٢٣٨ ]
وهو ثابت بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.
وأمَّا الصَّعيد، فالمراد به: التراب، وهو مذهب الأكثرين.
وقيل: هو جميع ما صَعِدَ على الأرض.
واعلم أن: اعتزالَ الرجل -المذكور في الحديث- الناسَ، وتركَ الصلاة فيهم، لا يخلو؛ إمَّا أن يكون في المسجد؛ وهو الظاهر، أو خارجه:
فإن كان خارجه، فيكون الرجل قد لزمَ الأدب والسنة في ترك جلوسه عند المصلين إذ لم يصلِّ معهم.
وإن كان في المسجد، فقد قال رسول الله - ﷺ - لمن رآه جالسًا في المسجد، والناس يصلون: "ما مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ النَّاسِ، أَلَسْتَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ؟! " (١)؛ وهذا الإنكار؛ لشدة قبح الصورة في ترك الصلاة جالسًا، والناس يصلون.
أمَّا أن يترك الصلاةَ جنبًا، لابثًا في المسجد، عالمًا بتحريمه، مع تقرير عليه من غير إنكار، وتبيين الحكم له؛ فلا يجوز ذلك على مذهب جماهير العلماء؛ استدلالًا بقوله - ﷺ -: "لا أُحِلَّ المسجِدَ لجُنُبٍ، ولا حَائِضٍ" (٢).
وجوز أحمد: المكثَ فيه للجنب، وضعَّف هذا الحديثَ؛ لجهالة رواته، وبه قال المزني.
لكنه مخالف لظاهر القرآن العزيز، في قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]؛ بمعنى: لا تقربوا الصلاة، ولا مواضعَها المعدَّةَ لها، إلا عابري سبيل مجتازين، غيرَ لابثين، للخروج من المساجد؛ إذا كنتم جنبًا، فقد أبيح العبور فيها من غير لُبْث.
_________________
(١) رواه الإمام مالك في "الموطأ" (١/ ١٣٢)، ومن طريقه الإمام الشافعي في "مسنده" (ص: ٢١٤)، والإمام أحمد في "المسند" (٤/ ٣٤)، والنسائي (٨٥٧)، كتاب: الإمامة، باب: إعادة الصلاة مع الجماعة بعد صلاة الرجل لنفسه، عن محجن الديلي - ﵁ -.
(٢) رواه أبو داود (٢٣٢)، كتاب: الطهارة، باب: في الجنب يدخل المسجد، وابن خزيمة في "صحيحه" (١٣٢٧)، وإسحاق بن راهويه في "مسنده" (١٧٨٣)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٢/ ٤٤٢)، عن عائشة - ﵂ -.
[ ١ / ٢٣٩ ]
وهو قول الحسن، ومالك، والشافعي، ومنع العبور فيها مطلقًا أبو حنيفة، وأصحابه، وقال بعض أصحابه: يتيمم للمرور فيها.
وأمَّا الصلاة: فلم يبحْ أحدٌ الدخولَ فيها جنبًا للقادر على الماء، أو التراب، وعند عدمهما يجوز الدخول فيها؛ للضرورة.
فعلى قول الجمهور يكون معنى الحديث: أنَّ الرجل اعتزلَ المصلَّى، والصلاة، في غيرِ سفر:
فلو كان في حضر؛ بأن كان في قرية انقطع ماؤها، فإنه يتيمم، ويصلي، ولا إعادة عليه عند مالك، والأوزاعي، ويعيد عند الشَّافعي؛ إذا قدر على الماء في الوقت، ويقضي خارجه؛ لندرة إعواز الماء في الحضر، وعند أبي حنيفة: يؤخر الصلاة حتى يجد الماء.
وهذا الحديث حجة عليه، وعلى من أوجب الإعادة؛ لإطلاقه كفاية التيمم من غير إعادة، فإنها لا تجب إلَّا بأمر محدد، ولا أمر؛ فإنه - ﷺ - لا يجوز له تأخير البيان عن وقت الحاجة.
كيف! وهو متأخر عن الأمر بالتيمم؛ فإنه في سنة خمس، وهذا بعد إسلام عمران بن الحصين - ﵄ -، وهو بعد عام خيبر، سنة سبع، والله أعلم.
وقوله: "أَصابتني جَنابةٌ، ولا ماءَ"؛ يحتمل أنه لم يعلم مشروعية التيمم، ويحتمل أنه علمه، لكن اعتقد أَنَّ الجنبَ لا يتيمم، ورجح هذا الاحتمال؛ لسبق مشروعية التيمم على إسلام عمران راوي الحديث.
وقوله: "ولا ماءَ"؛ نفيٌ لوجود الماء بالكلية؛ بحيث لا يوجد بسبب، ولا سعي؛ ليكون أبلغ في النفي، وإقامة العذر.
وقد أنكر بعض المتكلمين على النحاة، تقديرهم في قوله: لا إله إلا الله؛ لنا، أو في الوجود، وقال: نفي الحقيقة مطلقةً أعمُّ من نفيها مقيدةً؛ لأنَّ إبقاءها مقيدة؛ دليلٌ على سلب الماهية مقيدة.
[ ١ / ٢٤٠ ]
وانتفاؤها غيرَ مقيدة دليلٌ على نفي الحقيقة، فتنتفي مع كلِّ قيد، وإذا انتفت مع كل القيد؛ لا يلزم نفيُها مع قيد آخر، والله أعلم.
وفي الحديث: دليل على: أن العالم إذا رأى أمرًا يخالف الشرع، أن يسأل عنه المخالفَ قصدًا؛ لتعليمه ما جهله.
وفيه دليل على: وجوب تبيين الحكم والصواب على الفور من غير تأخير.
وفيه دليل على: أن التيمم قائمٌ مقامَ الغسل عند عدم الماء، والله أعلم.
* * *