عن أبي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، واسمُه: سعدُ بنُ إِياسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي صاحبُ هذهِ الدَّارِ -وأَشَارَ بيدِهِ إلى دَارِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ-، قَالَ: سَأَلْتُ النبيَّ - ﷺ -: أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إلى اللهِ تعالى؟ قَالَ: "الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا"، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "بِرُّ الوَالِدَيْنِ"، قُلْتُ: ثُمَّ أَي؟ قَالَ: "الجِهَادُ في سَبِيلِ الله"، حَدَّثَنِي بِهِنَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ، لَزَادَني (١).
أما أبو عمرٍو الشَّيباني: فقد ذكر اسمه وكنيته.
وأما الشَّيبانيُّ: فهو بالشين المعجمة، نسبةً إلى شيبانَ بنِ ثعلبةَ بن عكابةَ.
أدرك سعدٌ زمانَ النَّبيِّ - ﷺ -، ولم يَره، وقال: بُعِثَ النبيُّ - ﷺ -، وأنا أرعى إبلًا لأهلي بكاظم (٢)، فهو تابعيٌّ مخضرمٌ.
وقد عدَّ مسلم - ﵀ - التابعين المخضرمين عشرين نفسًا، وهم أكثر من ذلك، وممن لم يذكره منهم: أبو مسلم الخولاني، والأحنف بن قيس.
_________________
(١) رواه البخاري (٥٠٤)، كتاب: مواقيت الصلاة، باب: فضل الصلاة لوقتها، ومسلم (٨٥)، كتاب: الإيمان، باب: بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال.
(٢) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٦/ ١٠٤)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (٤/ ٤٧)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٥٥٣٢).
[ ١ / ٢٧٧ ]
سمعَ عليَّ بنَ أبي طالب، وابنَ مسعودٍ، وحذيفةَ، وأبا مسعودٍ البدريَّ، وغيرَهم من الصحابة.
روى عنه: جماعة من التابعين، وهو مجمَع على ثقته، وروى له: البخاري، ومسلم (١).
وتشتبه نسبته بالسيباني -بالسين المهملة-، وهو أبو عمرو زرعة والد يحيى أبي زرعة، عدادُه في الشاميين، تابعي يروي عن: عقبةَ بن عامر، وابنُه يحيى متفق على توثيقه.
قال محمد بن حبيب: كلُّ شيءٍ من العرب: شيبان، إلا في حِمْيَر؛ فإن فيها: سيبان؛ يعني: -بالسين المهملة- بنَ الغوثِ بنِ سعدِ بنِ عوفِ بنِ مالكِ ابنِ زيدِ بنِ سهلِ بنِ عمرِو بنِ قيسِ بنِ معاويةَ بنِ جشمَ بنِ عبدِ شمسِ بنِ الغوثِ بنِ قطنِ بنِ عرنب بنِ زهيرِ بنِ أيمن بنِ الهميسعِ بنِ حِمْيَرٍ (٢)، والله أعلم.
وأما عبدُ الله بنُ مسعود:
فكنيته: أبو عبد الرحمن، واسمُ جدِّه أبي أَبيه: غافل -بالغين المعجمة والفاء- بنُ حبيبِ بنِ شمخِ بنِ مخزومٍ، ويقال: شمخُ بنُ فارس بنِ مخزومِ بنِ صاهلةَ بنِ كاهلِ بنِ الحارث بنِ تميمِ بنِ سعدِ بنِ هذيلِ بنِ مُدْركةَ بنِ إلياسَ ابنِ مضرَ، الهذليُّ، حليفُ بني زُهْرَة.
كان أبوه مسعودُ بنُ غافلٍ قد -حالفَ في الجاهلية- عَبْدَ الحارثِ بنَ زهرةَ.
أمُّه: أمُّ عَبْدٍ بنتُ عَبْد ودِّ بنِ سواءَ بنِ هُذيل -أيضًا-.
أسلم عبدُ الله بمكة قديمًا، وهاجر إلى الحبشة، ثم هاجر إلى المدينة، وشهد
_________________
(١) وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (١/ ٦٨)، و"التاريخ الكبير" للبخاري (٤/ ٤٧)، و"الثقات" لابن حبان (٤/ ٢٧٣)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (٢/ ٥٨٣)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (٢/ ٤٢١)، و"تهذيب الكمال" للمزي (١٠/ ٢٥٨)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٤/ ١٧٣)، و"تهذيب التهذيب" لابن حجر (٣/ ٤٠٦)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" له أيضًا (٣/ ٢٥٤).
(٢) انظر: "تاريخ دمشق" لابن عساكر (٦٤/ ١٦٤).
[ ١ / ٢٧٨ ]
بدرًا والمشاهد مع رسول الله - ﷺ -، وهو صاحب نَعْل رسول الله - ﷺ -، كان يُلبسه إياها إذا قام، فإذا جلسَ، أدخلَها في ذراعه، وكان كثيرَ الولوج على رسول الله - ﷺ -، وقال له رسول الله - ﷺ -: "آذَنُكَ عَلَيَّ أن تَرْفَعَ الحِجَابَ، وتَسْمَعَ سوادي، حَتى أنْهاكَ" (١)، والسواد -بكسر السين-: السرار.
روى الطبراني بإسناده إلى عبد الله بن مسعود - ﵁ - أنه قال: لَقَدْ رَأَيْتُنِي سَادِسَ ستةٍ، ما على الأرضِ مسلمٌ غيرُنا (٢).
وشهد له رسولُ الله - ﷺ - بالجنة مع العشرة في حديث حسن، رواه أبو عمرَ بنُ عبد البر، في "استيعابه" بإسناده إلى سعيد بن زيد أحد العشرة، قال: كنا مع النبي - ﷺ - حِراء، فذكرَ العشرةَ، وعبدَ الله بنَ مسعود (٣)، وكان ممن صلى للقبلتين.
وقال - ﷺ -: "رَضِيتُ لأُمَّتي ما رَضِيَ لها ابنُ أُمِّ عَبْدٍ، وسَخِطْتُ لأُمَّتي ما سَخِطَ لها ابنُ أمِّ عَبْدٍ" (٤)، وقال - ﷺ -: "اهْدُوا هَدْيَ عَمَّارٍ، وتَمَسَّكُوا بِعَهْدِ ابنِ أُمِّ عبدٍ" (٥)، وقال - ﷺ -: "رِجْلُ -أَوْ رِجْلَا- عبدِ اللهِ في الميزانِ أَثقَلُ مِنْ أُحُدٍ" (٦).
_________________
(١) رواه مسلم (٢١٦٩)، كتاب: السلام، باب: جواز جعل الأذن رفع حجاب أو نحوه من العلامات.
(٢) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٨٤٠٦)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٣٨٨٠)، وابن حبان في "صحيحه" (٧٠٦٢)، والحاكم في "المستدرك" (٥٣٦٨)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ١٢٦)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٣/ ٥٦).
(٣) رواه ابن عبد البر في "الاستيعاب" (٣/ ٩٨٨)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٣/ ٩٣).
(٤) رواه البزار في "مسنده" (١٩٨٦)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (٦٨٧٩)، والحاكم في "المستدرك" (٥٣٨٧)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٣/ ١٢٠)، عن ابن مسعود - ﵁ -.
(٥) رواه الترمذي (٣٨٠٥)، كتاب: المناقب، باب: مناقب عبد الله بن مسعود - ﵁ -، وقال: حسن، والحاكم في "المستدرك" (٤٤٥٦)، من حديث ابن مسعود - ﵁ -. وفي الباب: عن حذيفة - ﵁ -.
(٦) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١/ ٤٢٠)، والبزار في "مسنده" (١٨٢٧)، والطبراني في=
[ ١ / ٢٧٩ ]
وهو ممن جمع القرآن على عهد رسول الله - ﷺ -، وأحد الأربعة الذين أمر رسول الله - ﷺ - بأخذ القرآن منهم: ابنُ أُمِّ عبد، ومُعاذٌ، وأُبَيٌّ، وسالمٌ مولى أبي حُذيفةَ، وقال - ﷺ -: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ القُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ، فَلْيَقْرَأْ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ" (١).
وكان - ﵁ - رجلًا قصيرًا نحيفًا يكاد طُوالُ الرجالِ يوازيه جلوسًا وهو قائم، وكان شعره يبلغُ شحمةَ أذنيه، وكان لا يغير شيبه، وقَتَل أبا جهلٍ يومَ بدر بسيفه، فنفَّله رسولُ الله - ﷺ - إياه.
وقال حذيفةُ وهو يحلف بالله: ما أعلمُ أحدًا أشبَه دلًّا وهَدْيًا برسول الله - ﷺ -، من حينِ يَخْرُجُ من بيته إلى أَنْ يرجعَ إليه، من عبدِ الله بنِ مسعود، ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد - ﷺ -: أنَّه من أقربهم وسيلةً إلى الله يوم القيامة (٢).
وقال ابن مسعود - ﵁ -: إني لأعلمُهم بكتاب الله، وما أنا بخيرهم، وما في كتاب الله سورةٌ، ولا آية، إلا وأنا أعلمُ فيما نزلت، ومتى نزلت (٣)، ولم ينكر هذا القولَ عليه أحد.
رُوي له عن رسول الله - ﷺ -: ثمان مئة حديثٍ وثمانية وأربعون حديثًا، اتفقا منه على: أربعة وستين، وانفرد البخاري بأحدٍ وعشرين، ومسلمٌ بخمسةٍ وثلاثين.
_________________
(١) = "المعجم الكبير" (٨٤٥٢)، وابن حبان في "صحيحه" (٧٠٦٩)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ١٢٧)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (١/ ١٤٨)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٣/ ١١٠)، عن ابن مسعود - ﵁ -.
(٢) رواه ابن ماجه (١٣٨)، في المقدمة، باب: فضل عبد الله بن مسعود - ﵁ -، والإمام أحمد في "المسند" (١/ ٧)، وابن حبان في "صحيحه" (٧٠٦٦)، وأبو يعلى في "مسنده" (٥٠٥٨)، وغيرهم من حديث ابن مسعود - ﵁ -.
(٣) رواه البخاري (٥٧٤٦)، كتاب: الأدب، باب: في الهدي الصالح، والطبراني في "المعجم الكبير" (٨٤٨٨)، وهذا لفظ الطبراني.
(٤) رواه البخاري (٤٧١٤) و(٤٧١٦)، كتاب: فضائل القرآن، باب: القراء من أصحاب النبي - ﷺ -.
[ ١ / ٢٨٠ ]
روى عنه جماعة من الصحابة، منهم: أنس بن مالك، وأبو رافع مولى رسول الله - ﷺ -، وأبو موسى الأشعري، وعمرُو بنُ حُريث، وغيرُهم، ومن التابعين خلقٌ كثير، وروى له: أصحابُ السنن والمساند.
ولما مات، قال أبو الدرداء: ما ترك بعده مثله.
مات سنة اثنتين، وقيل: ثلاث وثلاثين؛ ابنَ بضعٍ وستين سنةً، والأكثرون على: أنه مات بالمدينة، ودفن بالبقيع، وصلَّى عليه عثمان، وقيل: عمار، وقيل: الزبير؛ وكان آخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين الزبير، وكان أوصى إليه، وأوصى أن يدفن بجنب عثمان بن مظعون، وقيل: مات بالكوفة، والله أعلم (١).
وأما قوله: "حَدَّثني صاحبُ هذهِ الدارِ -وأشارَ إلى دارِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ-":
لا شك أنَّ الإشارةَ إلى الشيء قد تكون أبلغَ في التفهيم من التصريح باسمه، وذكره؛ لما فيه من نفي أنواع المجاز، وحينئذ يجوز للراوي التحديثُ من غير ذكر اسم المرويِّ عنه إذا كان السامعُ عارفًا به بإشارة، أو علمٍ سابق به يقع التمييز به من غير اشتباه.
وقوله: "سألتُ النبيَّ - ﷺ -: أَيُّ العملِ أحبُّ إلى اللهِ؟ ":
اعلم أن العبد مأمور بتنزيلِ الأشياء منازلَهَا، فيقدم الأفضلَ على الفاضل، فيعمل عليه، ويسأل عنه طلبًا للدرجة العليا، وتحريضًا على تأكيد القصد إليه، والمحافظة؛ فإن المخالفة في الشرع تقع بارتكاب المحرم، وترك الأفضل.
ولا شكَّ أَنَّ العمل يطلق على: عمل القلب، والجوارح؛ والمراد في هذا
_________________
(١) وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٣/ ١٥٠)، و"الثقات" لابن حبان (٣/ ٢٠٨)، و"حلية الأولياء" لأبي نعيم (١/ ١٢٤)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (٣/ ٩٨٧)، و"تاريخ بغداد" للخطيب (١/ ١٤٧)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (٣٣/ ٥٤)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (٣/ ٣٨١)، و"تهذيب الكمال" للمزي (١٦/ ١٢١)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (١/ ٤٦١)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (٤/ ٢٣٣)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا =
[ ١ / ٢٨١ ]
الحديث: عمل البدن والجوارح؛ حيث وقع الجواب: بالصلاة على وقتها، وتكون النيةُ مطلوبةً فيه باللازم، لا بمراد الحديث، وفي أعمال القلوب: فاضلٌ، وأفضلُ؛ كالإيمان، وهو ثابت في الأحاديث الصحيحة، فثبت أن الأعمال في الشرع يُرادُ بها عمل الجوارح والقلوب، والله أعلم.
وقوله - ﷺ -: "الصَّلاةُ على وَقْتِها":
ليس فيه ما يقتضي الصلاة أول الوقت، أو آخره، وكأنَّ المقصودَ به: الاحترازُ عن إخراج الصلاة عن وقتها المشروع؛ لئلا تصيرَ قضاءً، لكِنَّه قد ثَبَتَ في بعض روايات هذا الحديث: "الصلاةُ لوقتها".
وروى أبو داود في "سننه" من حديث أُمِّ فروةَ أختِ أبي بكرٍ الصديقِ لأبيه - ﵄ - قالت: سُئِلَ رسولُ الله - ﷺ -: أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قال: "الصلاةُ في أَوَّلِ وَقْتِها" ولم يتكلمْ عليه بشيء؛ فهو حسن عنده.
وأخرجه الترمذي، وقال: حديث أم فروة لا يُروى إِلَّا من حديث عبد الله بن عمر العمريِّ، وليس بالقوي عند أهل الحديث، واضطربوا في هذا الحديث.
ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" من رواية ابن مسعود، قال: سَأَلْتُ رسولَ الله - ﷺ -، بلفظِ حديثِ أم فروة.
ورواه الحاكم في "مستدركه" كذلك من طريقين، ثم قال: فقد تقوى لفظه: "الصلاةُ في أَوَّلِ وقتِها" باتفاق الثبتين: بندارِ بنِ بشار، والحسنِ بن مكرم على روايتهما عن عثمان بن عمرو، وهو صحيح، على شرط الشيخين، ولم يخْرِجَاه، وله شواهدُ في هذا الباب (١) -.
فحينئذ؛ يُحمل حديث الكتاب، ويستدلُّ به على: تقدم الصلاة في أول
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٢٦)، كتاب: الصلاة، باب: في المحافظة على وقت الصلاة، والترمذي (١٧٠)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الوقت الأول من الفضل، والحاكم في "المستدرك" (٦٨٠)، عن أم فروة - ﵂ -. ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" (٣٢٧)، والحاكم في "المستدرك" (٦٧٥)، عن ابن مسعود ﵁.
[ ١ / ٢٨٢ ]
الوقت من لفظه ببيان رواية أبي داود، والترمذي، وابن خزيمة، والحاكم، والله أعلم.
واعلمْ أَنَّ الأحاديثَ قد اختلفت في أفضل الأعمال، وتقديم بعضها على بعض، والذي قيل في الجمع بينها: أَنَّها أجوبةٌ مخصوصةٌ، لسائلٍ مخصوصٍ بالنسبة إلى حاله، أو وقته، أو بالنسبة إلى عموم ذلك الحال والوقت، أو بالنسبة إلى المخاطبين بذلك، أو من هو في مثل حالهم.
ولو خُوطِبَ بذلك الشجاعُ الباسلُ المتأهلُ للنفعِ الأكبرِ في القتال لقيل له: الجهاد.
ولو خُوطِبَ صاحبُ المالِ ذو الثروة، لقيل له: الصدقة.
وهذا في حق جميع أحوال الناس، قد يكون الأفضلُ في حقِّ قوم، أو شخص، مخالفًا للأفضل في حق آخرين؛ بحسب المصلحة اللائقة بالوقت، أو الحال، أو الشخص.
وقد تقدم -في هذا الحديث- بِرُّ الوالدبن على الجهاد، وهو دليل على تعظيم بِرِّهما، ولا شكَّ أنَّ أذاهما بغير موجب محرمٌ، وممنوع منه، وأما ما يجب من البر، ففي ضبطه إشكال، وكلام طويل.
والجهادُ ينقسم إلى: فرضِ عينٍ، وفرضِ كفايةٍ؛ فالعينُ: مقدَّمٌ على حق الوالدين، والكفايةُ: لا يجوز إلا بإذنهما إذا تعطلت مصلحتُهما الواجبة به، وكل حق متعين وكفاية كذلك حكمه بالنسبة إليهما، والله أعلم.
وبِرُّهما: الإحسانُ إليهما، وفعلُ الجميل معهما، وفعلُ ما يسرُّهما، ويدخل فيه: الإحسانُ إلى صديقِهما؛ كما ثبت في الصحيح: "إنَّ مِنْ أَبَرَّ البرَّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ" (١).
قال أهلُ اللغة: يُقالُ: بَرِرْتُ والدي، أَبَرُّهُ -بكسر الراء في الماضي،
_________________
(١) رواه مسلم (٢٥٥٢)، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: فضل صلة أصدقاء الأب والأم ونحوهما، عن ابن عمر - ﵄ -.
[ ١ / ٢٨٣ ]
وبضمها مع فتح الباء في المضارع- برًّا، وأنا بَرٌّ به -بفتح الباء-، وبَارٌّ، وجمع البَر: الأبْرَار، وجمع البارَّ: البَرَرَةُ (١).
وقد ذكر في حديث أبي هريرة: الأفضل الإيمان، ثم الجهاد، ثم الحج (٢).
وفي حديث أبي ذر: الإيمان، والجهاد (٣).
وفي حديث ابن مسعود هذا: الصلاة، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد؛ كما ترى.
وفي حديث عبد الله بن عمرو: أيٌّ الإسلامِ خيرٌ؟ قال: "تُطعمُ الطعامَ، وتقرأُ السلامَ على من عَرَفْتَ، ومَنْ لم تعرفْ" (٤).
وفي حديث أبي موسى، وعبد الله بن عمرو: أيُّ المسلمين خيرٌ؟ قال: "مَنْ سَلِمَ المسلمون مِنْ لِسَانِهِ، ويَدِهِ" (٥).
وصح في حديث عثمان - ﵁ -: "خَيرُكم مَنْ تَعلَّمَ القُرْآنَ، وعلَّمَه" (٦).
وأمثالُ هذا في الصحيح كثيرةٌ، وقد ذكر الإمام الجليل أبو عبد الله الحليمي الشَّافعي، عن شيخه الإمام العلامة المتقن أبي بكر القفال الشَّاشي الكبير -وهو
_________________
(١) انظر: "شرح صحيح مسلم" (٢/ ٧٦)، و"لسان العرب" لابن منظور (٤/ ٥٣).
(٢) رواه البخاري (٢٦)، كتاب: الإيمان، باب: من قال: إن الإيمان هو العمل، ومسلم (٨٣)، كتاب: الإيمان، باب: بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال.
(٣) رواه البخاري (٢٣٨٢)، كتاب: العتق، باب: أي الرقاب أفضل؟ ومسلم (٨٤)، كتاب: الإيمان، باب: بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال.
(٤) رواه البخاري (١٢)، كتاب: الإيمان، باب: إطعام الطعام من الإسلام، ومسلم (٣٩)، كتاب: الإيمان، باب: بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل.
(٥) رواه البخاري (١١)، كتاب: الإيمان، باب: أي الإسلام أفضل؟ ومسلم (٤٢)، كتاب: الإيمان، باب: بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل، عن أبي موسى - ﵁ -. ورواه مسلم (٤٠)، كتاب: الإيمان، باب: بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل، عن عبد الله بن عمرو - ﵄ -.
(٦) رواه البخاري (٤٧٣٩)، كتاب: فضائل القرآن، باب: خيركم من تعلم القرآن وعلّمه.
[ ١ / ٢٨٤ ]
غير القفال الصغير المروزي المتكرر في كتب أصحاب الشَّافعي المتأخرين من الخراسانيين-، قال الحليمي: وكان القفال أعلمَ من لقيته من علماء عصره، إنه جمع بين هذه الأحاديث بوجهين:
أحدهما: نحو ما ذكرناه أولًا، قال: فإنه قد يقال: خيرُ الأشياءِ كذا، ولا يراد أنه خير جميع الأشياء من جميع الوجوه، وفي جميع الأحوال، والأشخاص، بل في حال دون حال، ونحو ذلك.
واستشهد في ذلك بأخبار منها: عن ابن عباس - ﵄ -: أن رسول الله - ﷺ -، قال: "حِجَّةٌ لِمَنْ لم يحجَّ أفضلُ من أربعينَ غزوةً، وغزوةٌ لِمَنْ حَجَّ أفضلُ من أربعين حِجَّةً" (١).
الوجه الثاني: أنه يجوز أن يكونَ المرادُ: من أفضل الأعمال كذا، أو: ومن خير هذا، أو: من خيركم من فعل كذا، فحذفت من، وهي مرادة؛ كما يقال: فلان أعقل الناس، وأفضلهم؛ ويراد أنه: من أعقلهم، وأفضلهم.
ومن ذلك قوله - ﷺ -: "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ" (٢)، ومعلوم أنه لا يصير بذلك خيرَ الناس مطلقًا، ومن ذلك قولهم: أَزْهَدُ النَّاس في عالم جيرانُه، وقد يوجد في غيرهم من هو أزهدُ منهم فيه، هذا كلام القفال.
فعلى هذا الوجه: يكون الإيمانُ أفضلَها مطلقًا، والباقياتُ متساويات في كونها من أفضل الأعمال، أو الأحوال، ثم يعرف فضل بعضها على بعض بدلائل عليها، ويختلف باختلاف الأحوال، والأشخاص.
ولا شكَّ أنه جاء في بعض هذه الروايات: أفضلُها كذا، ثم كذا؛ بحرف "ثم"، وهي موضوعة للترتيب، وهي هنا: للترتيب في الذكر؛ كما قال الله
_________________
(١) رواه البزار في "مسنده" (٥/ ٢٧٩) (مجمع الزوائد للهيثمي).
(٢) رواه الترمذي (٣٨٩٥)، كتاب: المناقب، باب: فضل أزواج النبي - ﷺ -، وقال: حسن غريب صحيح، وابن حبان في "صحيحه" (٤١٧٧)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٧/ ٤٦٨)، عن عائشة - ﵂ -. وفي الباب: عن أبي هريرة، وابن عباس، ومعاوية، وغيرهم - رضي الله عهم-.
[ ١ / ٢٨٥ ]
تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد:١٢ - ١٦].
ومعلوم أنه ليس المراد الترتيب في الفعل؛ وكما قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١]، إلى قوله: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤]، وكما قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١]، ونظائر ذلك كثيرة، ومما أنشدوا فيه:
قُلْ لِمَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ ثُمَّ قَدْ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدَّهُ
وحكى القاضي عياض - ﵀ - في الجمع بينهما وجهين:
أحدهما: نحو الوجه الأول، قال: قيل: اختلف الجواب لاختلاف الأحوال، فأعلم كل قوم بما بهم حاجة إليه، أو بما لم يكملوه من دعائم الإسلام، ولا بلغهم علمه.
والثاني: أنه قدم الجهاد على الحج في بعضها؛ لأنه كان أول الإسلام، ومحاربة أعدائه، والجد في إظهاره، وذكر بعضهم: أن "ثم" لا تقتضي ترتيبًا؛ وهو شاذ عند أهل العربية، والأصول، والمراد بالجهاد: الجهاد المتعين وقت الزحف؛ أي: النفير العام؛ فإنه متقدم على الحج؛ لما فيه من المصلحة العامة للمسلمين، والله أعلم (١).
واعلم: أَنَّ العباداتِ على ضربين:
منها: ما هو مقصود بنفسه.
ومنها: ما هو وسيلة إلى غيره، وفضيلة الوسيلة بحسب مقصودها المتوصَّل إليه؛ فحيث يعظمُ [المقصود، تعظم] الوسيلة، فالجهاد وسيلة إلى إعلان الإيمان ونشره، وإخماد الكفر ودَحْضه؛ فعظمُ فضلهِ بفضل مقصوده؛ وهو الإيمان.
_________________
(١) انظر: "شرح صحيح مسلم" للنووي (٢/ ٧٨).
[ ١ / ٢٨٦ ]
وقوله: "حَدَّثَني بِهِنَّ رسولُ اللهِ - ﷺ -، ولو استزَدْتُهُ، لزادَني":
هو تأكيد لثبوت ما أخبر به من العلم؛ فإنه أخذه من في رسول الله - ﷺ - سماعًا من لفظه دون واسطة، وهو أرفع درجات التحمل.
ثم أخبر أَنَّه كان بمرتبة الفهم، ووعى ما سمع، وأن رسول الله - ﷺ - كان منشرحًا لذلك، لو طلبت منه زيادة على ما حدثني، لحدثني، لكني كرهت التطويل عليه؛ لئلا يسأم مني.
وفي الحديث:
السؤالُ عن العلم، ومراتبه في الأفضلية.
وفضلُ الصلاة في الوقت، وأن أوله أفضل، وأن الصلاة أفضلُ العمل.
وفيه: فضلُ بر الوالدين، وأنه أفضلُ من الجهاد بشروطه.
وفيه: فضلُ الجهاد.
وفيه: تقديمُ الأهم فالأهم من الأعمال.
وفيه: تنبيهُ الطالب على تحقيق العلم، وكيفية أخذه.
وفيه: التنبيه على مرتبته عند الشيوخ وأهلِ الفضل؛ ليؤخذ علمه بقبول، وانشراح، وضبط، والله أعلم.
* * *