عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: "أُمِرَ بِلالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَيُوترَ الإقَامَةَ (١).
أما أنس، فتقدم في أول باب الاستطابة.
وأما بلال:
فهو مؤذن رسول الله - ﷺ -، وقد كان لرسول الله - ﷺ - مؤذنون أربعة: مؤذنان بالمدينة؛ كما سيأتي: بلال، وابنُ أُمِّ مكتومٍ؛ وكانا في وقت واحد، وكان أبو مَحْذُورةَ مؤذنًا له - ﷺ - بمكة، وسعد القرط؛ أذن لرسول الله - ﷺ - بقباء مرات.
وبلال هو ابن رباح، قرشيٌّ تيميٌّ مولاهم، مولى أبي بكر الصديق -﵁-؛ اشتراه بسبع أواقي، وقيل: بخمس، وأعتقه، وكان يرثه، ولأبي بكر ولاؤه، وكان يعذَّب في الله تعالى، وأمه: حمامة؛ وهو مشهور بالانتساب إليها، وكانت مولاة لبعض بني جمح.
وكان قديم الإسلام، صادقًا فيه، طاهر القلب، متقدم الهجرة، وقيل: إنه أول من أسلم مطلقًا؛ وهو من أول من أظهر الإسلام، وكان ممن هانت عليه
_________________
(١) رواه البخاري (٥٨٠)، كتاب: الأذان، باب: الأذان مثنى مثنى، ومسلم (٣٧٨)، كتاب: الصلاة، باب: الأمر بشفع الأذان وإيتار الإقامة.
[ ١ / ٣٧٠ ]
نفسه في الله تعالى، وهان عليه قومه؛ فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة؛ وهو يقول: أَحَدٌ أَحَد.
وقال السمعاني، في "أنسابه" (١): الحبشيُّ: نسبة إلى الحبشة؛ بلاد معروفة، وقد ملكها النجاشي؛ الذي أسلم بالنبي - ﷺ -، وهاجر إليه أصحابه، حتى هاجر النبي - ﷺ - إلى المدينة؛ فالتحقوهم من الحبشة إلى المدينة، وسميت الحبشة بحبشة؛ لأبيه ابن حام، وقيل: الزنج، والحبشة، والنوبة، وزعاوة، وقران؛ هم ولد رغبا بن كوش بن حام؛ ومنها: بلال الحبشي؛ مؤذن رسول الله - ﷺ -؛ هذا كلام السمعاني.
واختلف في كنية بلال؛ فالمشهور: أبو عبد الله، ويقال: أبو عمرو، ويقال: أبو عبد الكريم، ويقال: أبو عبد الرحمن، شهد بدرًا وأحدًا، والمشاهد كلها؛ مع رسول الله - ﷺ -.
وهو أول من أذن لرسول الله - ﷺ -، ولم يؤذن لأحد بعده - ﷺ -؛ فيما روي، إلا مرة واحدة، في قَدْمة قدمَها المدينة؛ لزيارة قبر رسول الله - ﷺ -، طلب إليه الصحابة ذلك؛ فأذن، ولم يُتِمَّ الأذان، وقيل: إنه أذن لأبي بكر خلافته.
روي عن بلال - ﵁ -: أنه قال لأبي بكر بعد موت النبي - ﷺ -: إن كنتَ أعتقَتني لله؛ فدعْني أذهب حيثُ شئتُ، وإن كنتَ أعتقتني لنفسكَ فاحبسني، قال أبو بكر: اذهبْ حيثُ شئتَ (٢)؛ فذهب إلى الشام، فسكنها مُؤثِرًا للجهاد على الأذان إلى أن مات.
وكان خازنَ رسول الله - ﷺ - على بيت ماله.
روي له عن رسول الله - ﷺ -: أربعة وأربعون حديثًا؛ اتفقا على: حديث واحد، وانفرد البخاري: بحديثين غير مسندين، ومسلم: بحديث مسند.
_________________
(١) انظر: "الأنساب" للسمعاني (٢/ ١٦٧).
(٢) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (٢٠٤١٢)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٣/ ٢٣٦)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ١٥٠)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٤١٩).
[ ١ / ٣٧١ ]
روى عنه: أبو بكر، وعمر، وابنه عبد الله، وأسامةُ بن زيد، وغيرهم من الصحابة، وكبار التابعين، وروى له: أصحابُ السنن والمساند.
مات بدمشق سنة عشرين، وقيل: إحدى وعشرين، وقيل: سنة ثماني عشرة؛ وهو ابن بضع وستين، وقيل: ابن ثلاث وستين، وقيل: ابن سبعين.
واختلف في موضع مدفنه؛ فالمشهور الذي عليه الأكثرون: أنه بباب الصغير، وقيل: بباب كيسان، وقيل: مات بداريا، وحُمل على رقاب الرجال، ودُفن بباب كيسان، وقيل: مات بحلب، ودُفن على باب الأربعين، وقال أبو حاتم بن حبان: وسمعت أهل فلسطين يقولون: قبره بِعَمْواس، وقيل: إن قبره بداريَّا.
وامرأة بلال: هند الخولانية، وقال أبو عمر بنُ عبد البر: وله أخ يسمى: خالدًا، وأخت تسمى: عفرة.
وكان شديد الأدمة، نحيفًا، طُوالًا، أجنى (١)، خفيفَ العارضين، والله أعلم (٢).
وأما قوله: "أُمر" -بضم الهمزة- فهو راجع عند الأصوليين إلى أمر النبي - ﷺ -؛ على المختار عندهم؛ وهو الراجح عند جمهور الفقهاء، والمحدثين، وحكمه: حكمُ المرفوع.
وشذَّ بعضهم فقال: هذا اللفظ، وشبهه موقوفٌ؛ لاحتمال أن يكون الآمر
_________________
(١) أجنى: أي: صار له جنى. انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد (٣/ ٨٦).
(٢) وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٣/ ٢٣٢)، و"التاريخ الكبير" للبخاري (٢/ ١٠٦)، و"الثقات" لابن حبان (٣/ ٢٨)، و"المستدرك" للحاكم (٣/ ٣١٨)، و"حلية الأولياء" لأبي نعيم (١/ ١٤٧)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (١/ ١٧٨)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (١٠/ ٤٢٩)، و"صفة الصفوة" لابن الجوزي (١/ ٤٣٤)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (١/ ٤١٥)، و"الكامل في التاريخ" له أيضًا (١/ ٥٨٨)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (١/ ١٤٤)، و"تهذيب الكمال" للمزي (٤/ ٢٨٨)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (١/ ٣٤٧)، و"البداية والنهاية" لابن كثير (٥/ ٣٣٣)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (١/ ٣٢٦)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا (١/ ٤٤١).
[ ١ / ٣٧٢ ]
غيرَ النبي - ﷺ -، وهو خطأ؛ لأن إطلاق الأمر والنهي إنما ينصرف إلى صاحبه، وهو رسول الله - ﷺ -.
وهكذا الحكم في قول الصحابي: أُمرنا بكذا، ونُهينا عن كذا؛ سواء أضافه إلى حياته - ﷺ -، أم أضافه إلى بعد وفاته؛ كلُّه مرفوع، والخلاف جارٍ فيه.
وحكى الخطابي: أن بعضهم شذَّ، فقال: الآمرُ لبلال بذلك: أبو بكر، وعمر، قال: وهو فاسد؛ لأن بلالًا لحق بالشام بعد موت النبي - ﷺ -، واستخلف سعد القرظ على الأذان، في مسجد رسول الله - ﷺ - (١).
قلت: وهذا كله لم يثبت التصريح برفعه من جهة أخرى؛ فأما إذا ثبت رفعه، فلا وجه للاحتمال، ولا شك أن الآمر في هذا الحديث؛ هو رسول الله - ﷺ -، وقد رواه النسائي، والدارقطني، والحاكم بأسانيد صحيحة.
وقال الحاكم: وهو صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه، من رواية أبي قلابة، عن أنس: "أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - أَمر بلالًا أن يشفعَ الأذانَ، ويُوترَ الإقامة" (٢).
فارتفعَ الخلاف فيه، والاحتمال.
ولا شك أن شفعَ الأذان، وإيتارَ الإقامة هو من باب العبادات، والتقديرات، وذلك لا يؤخذ إلا بتوقيف منه - ﷺ -، والله أعلم.
وقوله: "يَشْفَعَ الأَذانَ"؛ هو -بفتح الياء، والفاء-، وأصله: الضم، ومنه: الشفعة بضم الحصص؛ إذا أبيعت إلى حصته بالشفعة؛ ومعناها هنا: الإتيانُ بكلماته مثنى؛ فكأنه ضم كل كلمة إلى مثلها؛ وهذا مجمَع عليه اليوم، وحُكي عن بعض السلف في إفراده خلاف (٣).
وقوله: "ويُوترَ الإقامةَ"؛ أي: يأتي بكلماتها وترًا، ولا يُثنيها، بخلاف
_________________
(١) انظر: "معالم السنن" للخطابي (١/ ٢٧٩).
(٢) رواه النسائي (٦٢٧)، كتاب: الأذان، باب: تثنية الأذان، والدارقطني في "سننه" (١/ ٢٤٠)، والحاكم في "المستدرك" (٧١٠)، وابن حبان في "صحيحه" (١٦٧٦)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٤١٣).
(٣) انظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (٢/ ٢٥٦)، و"شرح صحيح مسلم" للنووي (٤/ ٧٨).
[ ١ / ٣٧٣ ]
الأذان، ويخرج عنه: التكبير الأول، والأخير؛ فإنه مثنى، وكذلك لفظ الإقامة؛ فإنه مثنى، وقد ثبت في "صحيح مسلم": "ويوتر الإقامة" (١).
وخالف أبو حنيفة، فقال: الإقامة مثنى؛ كالأذان.
وخالف مالك الشافعي في لفظ الإقامة، قال: إنه مفرد؛ عملًا بهذا الحديث.
وتمسك الشافعي بالاستثناء في الإقامة في "صحيح مسلم".
وأيد مالكٌ مذهبه في ذلك وغيره بعمل أهل المدينة، ونقلِهم، وجعله أقوى؛ لأن طريقه النقل، والعادة في مثله يقتضي شيوع العمل، وأنه لو كان تغير، لعمل به.
وقد اختلف أصحاب مالك في أن إجماع المدينة حجة مطلقًا؛ في مسائل الاجتهاد، أو يختص ذلك بما طريقه النقل والانتشار؛ كالأذان، والإقامة، والصاع، والمُدِّ، والأوقات، وعدم أخذ الزكاة من الخضراوات.
وقال بعض المتأخرين من المالكية: والصحيح عندنا جزمًا: أنه لا فرق في مسائل الاجتهاد بينهم وبين غيرهم من العلماء، ولم يقم دليل على عصمة بعض الأئمة.
نعم؛ ما طريقه النقل، إذا عدم اتصاله، وعدم تغييره، واقتضته العادة من صاحب الشرع، ولو بالتقرير عليه؛ فالاستدلال به قوي، يرجع إلى أمر عادي به؛ كحكمه في إفراده الإقامة، وتثنية الأذان: أن الأذان لإعلام العامة؛ فيثنى؛ ليكون أبلغ في إعلامهم، والإقامة للحاضرين؛ فلا حاجة إلى تكرارها.
ولهذا قال العلماء: يكون رفع الصوت في الإقامة دون الأذان، وإنما كرر لفظ الإقامة خاصة؛ لأنه مقصودها، فإن قيل: إن المختار: الإقامة إحدى عشرةَ كلمة، منها: الله أكبر، الله أكبر؛ أولًا، وآخرًا، وهذا تثنية؛ كما مر ذكره؟!
_________________
(١) رواه مسلم (٣٧٨)، كتاب: الصلاة، باب: الأمر بشفع الأذان وإيتار الإقامة، والبخاري أيضًا (٥٨٠)، كتاب: الأذان، باب: الأذان مثنى مثنى.
[ ١ / ٣٧٤ ]
فالجواب: أنه وإن كان صورة تثنية؛ فهو بالنسبة إلى الأذان إفراد؛ ولهذا قال أصحاب الشافعي: يستحب للمؤذن أن يقول كل تكبيرتين بنفس واحد؛ فيقولهما في أوله، وفي آخره، كل منهما بنفس واحد، والله أعلم.
وفي حديث أنس هذا فوائد:
منها: قد يُستدل به على وجوب الأذان؛ من حيث إنه إذا أمر بالوصف، لزم أن يكون الأصل مأمورًا به؛ فظاهر الأمر للوجوب؛ وهذه مسألة اختلف فيها: والمشهور: أن الأذان والإقامة سنتان.
وقيل: فرضان على الكفاية؛ وهو قول الإِصطخري من أصحاب الشافعي، وقد يكون له متمسك بهذا الحديث.
وفيه: أن الأذان يُشفع؛ لكن اختلف العلماء، في كيفية كونه شفعًا:
فقال الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وجمهور العلماء: بالتربيع في التكبير فيه.
وقال مالك: بالتثنية.
ولا شك أن التربيع ثابت في "صحيح مسلم"؛ من حديث أبي محذورة (١)، مع اختلاف فيه بين التثنية والتربيع، وكذلك اختلف فيهما عن عبد الله بن زيد، لكن المشهور فيه التربيع عنه؛ وهي زيادة من الثقة، وهي مقبولة؛ وبها عمل أهل مكة في المواسم؛ وهو مجمع المسلمين، ولم ينكرها أحد من الصحابة، وغيرهم.
وقيل لأحمد بن حنبل -وكان يأخذ بأذان بلال-: أليس أذانُ أبي محذورة بعدَ أذان بلال؟ فقال: أليس لما عاد النبي - ﷺ - إلى المدينة، أقر أذان بلال على حاله! والله أعلم (٢).
وفيه: أن الإقامة وتر، واختلف العلماء في كيفيتها:
_________________
(١) رواه مسلم (٣٧٩)، كتاب: الصلاة، باب: صفة الأذان.
(٢) انظر: "معالم السنن" للخطابي (١/ ٢٧٦).
[ ١ / ٣٧٥ ]
فالمشهور من نصوص الشافعي، وبه قال أحمد: أنها إحدى عشرة كلمة؛ بتثنية الإقامة والتكبير مرتين.
وقال مالك في المشهور عنه: هي عشر كلمات؛ لإفراده لفظ الإقامة.
وللشافعي قول شاذ: أنها ثماني كلمات؛ التكبير الأول، والأخير، والإقامة مرة في كل واحد منها، والصواب: الأول.
وقال أبو حنيفة: الإقامة سبع عشرة كلمة؛ فيثنيها كلها؛ وهو شاذ عند العلماء.
قال الخطابي: مذهب جمهور العلماء الذي جرى عليه العمل في الحرمين، والحجاز، والشام، واليمن، ومصر، والمغرب، إلى أقصى بلاد الإسلام: أن الإقامة فرادى، إلا لفظ الإقامة؛ فإنها مثنى، والمشهور عن مالك: أنه لا يثنيها، والله أعلم (١).
* * *