عن عائشةَ - ﵂ - قالَت: كانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يُعْجِبُه التَّيمُّنُ في تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطَهُورِهِ، وَفي شَأنِهِ كُلِّهِ (١).
أمَّا عائشةُ - ﵂ -، فهي الصِّدِّيقَةُ بنتُ الصِّدِّيقِ، أُمُّ المؤمنين، أُمُّ عبد الله، كُنِّيتْ بابنِ أختِها أسماءَ بِإذنِ النبي - ﷺ -، وقيل: بسقطٍ، ولا يصحُّ،
_________________
(١) رواه البخاري (١٦٦)، كتاب: الوضوء، باب: التيمن في الوضوء والغسل، ومسلم (٢٦٨)، كتاب: الطهارة، باب: التيمن في الطهور وغيره، وهذا لفظ البخاري.
[ ١ / ٩٩ ]
واسمُ أبيها أبي بكرٍ: عبدُ الله بنُ أبي قُحافَةَ عثمانَ بنِ عامرِ بنِ عَمْرِو بنِ كعبِ بنِ سعدِ بنِ تَيْمِ بنِ مُرَّة بنِ كعبٍ، يلتقي مع رسول الله - ﷺ - في مُرَّةَ بنِ كعبٍ.
قال أبو عمرَ بنُ عبدِ البرِّ: لم يختلفوا في اسم أبيها وجدِّها، وأن لقبَ أبي بكر عتيقٌ، وأمَّها أمُّ رومان -بضم الرَّاء-، وحكى ابن عبد البرِّ أنَّهُ يُقال بفتحها أيضًا، واسمُ أمِّ رومان زينبُ بنتُ عامرٍ، وقيل: بنتُ دهمان من بني مالكِ بنِ كِنانةَ.
وعائشةُ وأبوها وأمُّها وجدُّها صحابةٌ، وشاركها في ذلك جماعة من الصَّحابة، لكنَّه قليلٌ، ولا يوجد أربعة من الصَّحابة متوالدون إلا في آل أبي بكر الصِّدِّيق: عبدُ الله بنُ أسماءَ بنتِ أبي بكرِ بن أبي قحافة، ومحمَّدُ بنُ عبد الرَّحمنِ بنِ أبي بكرِ بنِ أبي قحافةَ.
تزوَّجها رسولُ الله - ﷺ - قبلَ الهجرةِ بسنتين، وقيل: بثلاث سنين، وقيل غيرُ ذلك، وهي بنتُ ستِّ سنينَ، وبنى بها بعد الهجرة مُنْصَرَفَهُ من بدرٍ في شوالٍ السَّنة الثَّانية من الهجرة، وتوفِّيَ رسولُ الله - ﷺ - وهي ابنةُ ثماني عشرةَ سنة، رُوي لها عن رسول الله - ﷺ - ألفُ حديثٍ ومئتا حديثٍ وعشرة أحاديث، اتفق البخاريُّ ومسلم على مئةٍ وأربعةٍ وتسعين حديثًا، وانفردَ البخاريُّ بأربعةٍ وخمسين حديثًا، ومسلمٌ بثمانيةٍ وستين حديثًا، روى عنها من الصَّحابة: عبدُ الله بنُ عبَّاس، وعبدُ الله بنُ الزبير، وعبدُ الله بنُ قيسٍ الأشعريُّ، وعبدُ الله بنُ عامرِ بن ربيعةَ، وأبو هريرة، ونيّفٌ وستُّون رجلًا وامرأةً من التابعين في الصَّحيح، توفيت سنةَ سبع، وقيل: ثمان وخمسين، لسبعَ عشرةَ ليلةً خَلَتْ من شهر رمضان، وأَمرتْ أنْ تُدفنَ بالبقيع، وصلَّى عليها أبو هريرة، ونزل قبرها خمسةٌ: عبدُ الله وعروةُ ابنا الزُّبير، والقاسم بن محمَّد، وعبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي بكر (١) - ﵃ -.
ومناقبهُا كثيرة جدًّا؛ سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إلَيْكَ؟ قالَ:
_________________
(١) في "ح": "وعبد الله بن محمد بن أبي بكر".
[ ١ / ١٠٠ ]
"عَائِشَةُ لا، قِيْلَ: مِنَ الرِّجَالَ؟ قالَ:. "أَبُوهَا" رواه مسلمٌ (١).
وعن مسروقٍ قال: رأيتُ مشيخةَ (٢) أصحاب رسول الله - ﷺ - الأكابرَ يسألون عائشةَ عن الفرائض (٣).
وعن عطاءِ بن أبي رباح قال: كانت عائشةُ أفقهَ الناس، وأعلمَ الناس، وأحسنَ الناس رأيًا في العامَّة (٤).
وعن عروة قال: ما رأيتُ أحدًا أعلمَ بفقهٍ ولا بطبٍّ ولا بشعرٍ من عائشة - ﵂ - (٥).
وعن القاسمِ بنِ محمَّدٍ قال: كانت عائشةُ قد استقلَّتْ بالفتوى في خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وهلمَّ جرًّا، إلى أن ماتت (٦).
واعلمْ أن رسولَ الله - ﷺ - مات عن تسع من أزواجه، وعائشةُ أفضلهنَّ بلا خلاف.
وهل هي أفضلُ من خديجةَ بنتِ خويلد؟ وجهان حكاهما صاحب "التتمة" (٧)، وادعى الثعلبي الإجماع على أن خديجةَ أولُ الناس إسلامًا، وهذا يقتضي ترجيحَ تفضيلِها على عائشة -﵅-.
_________________
(١) رواه البخاري (٤١٠٠)، كتاب: المغازي، باب: غزوة ذات السلاسل، ومسلم (٢٣٨٤)، كتاب: فضائل الصحابة -﵃-، باب: من فضائل أبي بكر الصديق -﵁-، من حديث عمرو بن العاص - ﵁ -.
(٢) في "ح" "بمشيخة".
(٣) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣١٠٣٧)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٢/ ٣٧٥)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٣/ ١٨١)، والحاكم في "المستدرك" (٤/ ١٢).
(٤) رواه الحاكم في "المستدرك" (٦٧٤٨)، واللالكائي في "اعتقاد أهل السنة" (٢٧٦٢).
(٥) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٣/ ١٨٢)، واللالكائي في "اعتقاد أهل السنة" (٢٧٥٩).
(٦) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٢/ ٣٧٥)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٩/ ١٦٥).
(٧) وهو للإمام أبي سعد عبد الرحمن مأمون المتولّي النيسابوري الشافعي، المتوفى سنة (٤٧٨ هـ)، أتمّ فيه كتاب "الإبانة" للإمام الفوارني، وقد كتبها إلى كتاب "الحدود"، وشرحها، وفرع عليها، وجمع فيها نوادر المسائل وغرائبها لا تكاد توجد في غيرها. انظر: "تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (٢/ ٥٥٥)، "وكشف الظنون" (١/ ١).
[ ١ / ١٠١ ]
واختصَّت عائشةُ بفضائل لم يشركْها أحدٌ من أزواج النبي - ﷺ - فيها:
الأولى: أنه - ﷺ - تزوجها بِكْرًا دون غيرها.
الثانية: أنها خُيِّرَتْ فاختارتِ اللهَ ورسولَه على الفور، وكُنَّ تبعًا لها في ذلك.
الثالثةُ: نزول آية التَّيَمُّم بسبب عِقْدِها حين حبسَ رسولُ الله - ﷺ - النَّاس، وقال أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرِ: ما هيَ بأولِ بركتِكم [يا] آلَ أبي بكر (١).
الرَّابعةُ: نزولُ براءتها من السَّماء.
الخامسة: جَعْلُها قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة.
السادسةُ: تَتَبُّعُ الناس بهداياهم يومَها؛ لما علموا من حبِّه - ﷺ - لها.
السابعة: اختيارُه - ﷺ - أن يُمَرَّضَ في بيتها.
الثامنةُ: وفاته - ﷺ - بين سَحْرِها ونحرِها.
التاسعة: وفاته في يومها.
العاشرةُ: وفاته - ﷺ - في بيتها.
الحاديةَ عشرةَ: دفنُه - ﷺ - في بيتِها.
الثانية عشرة: [بيتها] بقعة هي أفضلُ بقاع الأرض مطلقًا، وهي مدفنه - ﷺ -، وادعى القاضي عياض الإجماع عليه.
الثالثةَ عشرةَ: أنها رأتْ جبريلَ - ﷺ - في صورة دحيةَ الكلبيِّ، وسلَّم عليها.
الرَّابعةَ عشرةَ: كانت أحبَّ نساء النبي - ﷺ - إليه.
الخامسةَ عشر: اجتماعُ ريقِ رسول الله - ﷺ - وريقِها في آخر أنفاسه.
السَّادسةَ عشرةَ: كانت أكثرَهن علمًا.
السَّابعةَ عشرةَ: كانت أفصحَهن لسانًا.
_________________
(١) رواه البخاري (٣٢٧)، وفي أول كتاب: التيمم، ومسلم (٣٦٧)، كتاب: الحيض، باب: التيمم.
[ ١ / ١٠٢ ]
الثامنةَ عشرةَ: لم ينزلِ الوحيُ على رسول الله - ﷺ - في لِحاف امرأةِ غيرها.
التَّاسعةَ عشرةَ: أن جبريلَ جاء إلى النَّبي - ﷺ - بصورتها قبل أن يتزوَّجها.
العشرون: لم ينكح النبي - ﷺ - امرأة أبواها مُهاجران بلا خلاف سواها.
الحاديةُ والعشرون: كان أبوها أحبَّ الرجال إليه، وأعزهم عليه - ﷺ -.
الثَّانيةُ والعشرونَ: كان لها يومان وليلتان في القَسْم دونهن لمَّا وهبتْها سَوْدَةُ بنتُ زمعةَ يومَها وليلتَها.
الثالثةُ والعشرون: أنَّها كانت تغضب، فيترضَّاها - ﷺ -، ولم يثبت ذلك لغيرها.
الرَّابعةُ والعشرون: لم ينزلْ بها أمر إلا جعل الله لها منه مخرجا، وللمسلمين بركة.
الخامسةُ والعشرون: لم يَرْوِ عن النبي - ﷺ - امرأةٌ حديثًا أكثرَ منها.
السَّادسةُ والعشرون: أنّه - ﷺ - كان يتتبع رضاها في المباحات؛ كضرب الجواري إليها، وجعل ذقنها على عاتقه، ووقوفه لتنظر إلى الحَبَشَةِ يلعبون (١).
وأمَّا ألفاظُه:
فالتَّنَعُّلُ: لُبْسُ النَّعْل، والتَّرَجُّلُ: تسريح الشَّعر، يقال: شعر مرجَّلٌ؛ أي: مسرَّح، وشعرٌ رَجِلٌ ورَجْلٌ، ورجلَه صاحبُه: إذا سرَّحه ودهنه (٢).
_________________
(١) وانظر ترجمتها في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٨/ ٥٨)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (٤/ ١٨٨١)، و"طبقات الفقهاء" للشيرازي (ص: ٢٩)، و"صفة الصفوة" لابن الجوزي (٢/ ١٥)، و"المنتظم" له أيضًا (٥/ ٣٠٢)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (٧/ ١٨٦)، و"تهذيب الكمال" للمزي (٣٥/ ٢٢٧)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٢/ ١٣٥)، و"الوافي بالوفيات" للصفدي (١٦/ ٣٤١)، و"وفيات الأعيان" لابن خلكان (٣/ ١٦)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (٨/ ١٦)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا (١٢/ ٤٦١)، و"شذرات الذهب" لابن العماد (١/ ٦١).
(٢) انظر: "غريب الحديث" لابن قتيبة (٢/ ٢٤١)، و"المُغرب" للمطرزي (١/ ٣٢٣)، و"النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (٢/ ٢٠٣).
[ ١ / ١٠٣ ]
والتَّيَمُّنُ في التنعل: البدأةُ باليمنى، وفي التَّرَجُّل: البدأَة بالشق الأيمن من الرَّأس في تسريحه ودهنه، وفي الطهور، البدأَة بالشقّ الأيمن في الغسل، وباليد اليمنى والرِّجْل اليمنى في الوضوء، وأما الخدَّان والعينان والأذنان والمنخران والكفان، فلا يشْرعُ التَّيمُّن فيهما كما تقدَّم إلَّا أنْ يكونَ أقطعَ ونحوَه، فتقدم اليمين (١).
وقولها: "وفي شَأنِهِ كُلِّهِ": عامٌّ في كل شيء، خُصَّ منه دخولُ الخلاء، والخروجُ من المسجد، والامتخاطُ، والاستنجاءُ وما شابه ذلك.
والطُّهورُ في هذا الحديث -بضم الطّاء-، والمراد به فعل الطَّهارة، وبفتح الطَّاء: الماء الَّذي يُتطهَّر به، وقال سيبويه: الطَّهور -بالفتح- يقع على الماء والمصدر معًا (٢).
والضَّابط في معنى هذا الحديث: أن ما كان من باب التَّكريم والرُّتبة (٣) كان لليمين، وما كان بخلافه، فلليسار.
وحكم البدأة باليمنى الاستحبابُ عند مالك والشّافعيِّ، وإن كان الشَّافعيُّ يقول بوجوب التَّرتيب في أعضاء الوضوء؛ فإنَّ اليدين والرّجلين كالعضو الواحد؛ حيثُ جُمعا في لفظ القرآن العزيز؛ حيث قال: ﴿أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٤]، وهو مجمع عليه، ويدخل في عموم قولها: وفي شأنه كُلِّه: حالة اللِّباس، والأكل، والشرب، والأخذ، والعطاء، والاكتحال والسِّواك، وتقليم الأظفار، وقصّ الشَّاربِ، ونتف الإبطِ، وحلق الرأس، والمصافحة، واستلام الحَجَرِ، وما أشبهَ ذلك.
فلو تعارض الانتعالُ والخروجُ من المسجد، خرجَ منه بيسارِه، ووضعَها على
_________________
(١) في "ح": "اليسر".
(٢) انظر: "لسان العرب" لابن منظور (٤/ ٥٠٤)، و"مختار الصحاح" (ص: ١٦٧)، و"القاموس المحيط" اللفيروز أبادي (ص: ٥٥٤)، (مادة: طهر).
(٣) في "ح": "التكرم والزنية".
[ ١ / ١٠٤ ]
نعلِه اليسرى من غير لبس، ثمَّ خرج باليمنى، ولبسَها، ثم لبس اليسرى -والله أعلم-.
واعلمْ أن تقديمَ اليمين على اليسار من اليدين والرجلين في الوضوء سنَّة، لو خالفه، صح الوضوءُ، وفاته الفضيلةُ، وقالت الشِّيعةُ: هو واجب، ولا اعتدادَ بخلافهم، لكن قال الشَّافعي: الابتداءُ باليسارِ مكروهٌ -نص عليه في "الأم"- (١).
وقد روى أبو داودَ والتّرمذي بأسانيدَ جيدةٍ عن أبي هريرة - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذَا لَبِسْتُمْ وَإِذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَؤُوا بِأيَامِنِكُمْ" (٢) ظاهرُ الأمرِ فيه للوجوب، فمخالفته محرَّمةٌ، لكن انعقد الإجماع على عدم التَّحريم، فثبتتِ الكراهة -والله أعلم-.
* * *