عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ - ﵀ - قَالَ: اسْتَقْبَلْنَا أَنَسًا حِينَ قَدِمَ مِنَ الشَّامِ، فَلَقِينَاهُ بِعَينِ التَّمْرِ، فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ، وَوَجْهُهُ مِنَ ذا الجَانِبِ -يَعْنِي: عَنْ يَسَارِ القِبْلَةِ-، فَقُلْتُ: رَأَيْتُكَ تُصَلِّي لِغَيْرَ القِبْلَةِ، فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَفْعَلُهُ، مَا فَعَلْتُهُ (١).
أما أنسُ بنُ سيرين:
فهو تابعيٌّ بصريٌّ ثقة، روى له: البخاري، ومسلم، وغيرهما من أصحاب السنن والمساند.
وهو أخو محمد بن سيرين، التابعيِّ المشهورِ.
_________________
(١) رواه البخاري (١٠٤٩)، كتاب: تقصير الصلاة، باب: صلاة التطوع على الحمار، ومسلم (٧٠٢)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت.
[ ١ / ٤٠٣ ]
أنس هذا كنيتُهُ: أبو موسى، وقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو حمزة، ويقال في نسبته: الأنصاري؛ لأنه لما ولد، حمل إلى أنس بن مالك؛ فسماه أنسًا، وكناه: أبا حمزةَ، وكان أبوه سيرين يكنى: أبا عمرة، وكان مولى أنس ابن مالك، وابن المولى له حكمُ أبيه؛ في كونه مولًى في النسبة؛ فهو أنصاري، مولاهم.
وكان أولادُ سيرينَ ستةً: معبد، ويحيى، ومحمد، وأنس، وحفصة، وكريمة، وذكر بعضهم: خالدًا بدلَ كريمة، وأكبرُهم: معبدٌ، وأصغرهم: أنسٌ. وقال ابنُ معين: ولدُ سيرينَ أثبتُهم: محمد، وأنس: دونه، ولا بأس به، ومعبد: يعرف، وينكر، ويحيى: ضعيف الحديث، وكريمة: كذلك، وحفصة: أثبتُ منهما.
وقال غيره: روى محمد، عن يحيى، عن أخيه أنس، عن أنس بن مالك، حديثًا؛ وهذا لطيفة غريبة، ثلاثة إخوة بعضهم عن بعض.
وُلد أنس بن سيرين لستة بقيت من خلافة عثمان، وسمع جماعة من الصحابة، والتابعين، ومات سنة عشرين ومئة (١).
وأما ألفاظه:
فتقدم ذكر الشام، في الطهارة.
وأما عين التمر: فهو موضع كانت به وقعة زمنَ عمر بن الخطاب - ﵁ -، في أول خلافته؛ استُشهد بها جماعة من الصحابة - ﵃ - (٢).
وأما الحمار: فهو اسم للذكر من الحمر، والأنثى: أتان.
_________________
(١) وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٧/ ٢٠٧)، و"التاريخ الكبير" للبخاري (٢/ ٣٢)، و"الثقات" لابن حبان (٤/ ٤٨)، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (٢/ ٢٨٧)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (٩/ ٣١٤)، و"تهذيب الكمال" للمزي (٣/ ٣٤٦)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٤/ ٦٢٢)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا (١/ ٣٢٨).
(٢) انظر: "معجم البدان" لياقوت (٤/ ١٧٦)، و"الطبقات الكبرى" لابن سعد (٧/ ٣٩٦) وما بعدها.
[ ١ / ٤٠٤ ]
وأما استقبالهم لأنس حين قدم من الشام؛ فلأنهم كانوا مقيمين بالبصرة، خرجوا منها، ليتلقوه في مجيئه إلى البصرة؛ فصادفوه في استلقائه، مستقبلين له بعين التمر.
ووقع في "صحيح مسلم"، قال: "تلقينا أنس بن مالك، حين قدم الشام" (١)، في جميع رواياته؛ من غير اختلاف من رواته، قال القاضي عياض: وقد قيل: إنه وهم، وصوابه: قدم من الشام؛ كما في "صحيح البخاري" (٢).
قال شيخنا أبو زكريا النووي - ﵀ -: ورواية مسلم صحيحة، ومعناها: تلقيناه في رجوعه، حين قدم الشام؛ وإنما حذف ذكر رجوعه، للعلم به، والله أعلم (٣).
وقوله: "رأيتك تصلِّي إلى غير القِبلة، فقال: لولا أَني رأيتُ رسولَ الله - ﷺ - يفعله، لم أفعلْه"؛ هذا السؤال لأنس بن مالك، إنما هو عن عدم استقبال القبلة فقط، لا عن غير ذلك؛ من هيئة، ونحوها، والله أعلم.
وفيه فوائد:
منها: الصلاة على الدابة، إلى غير القبلة، إذا كانت نافلة؛ كما تقدم في حديث ابن عمر.
ومنها: جواز صلاة النافلة في السفر على الحمار.
ومنها: أنه قد يؤخذ منه طهارة الحمار؛ لأن ملامسته مع التحرز منه متعذر، لا سيما إذا طال الزمن في ركوبه؛ فاحتمل العرق، وإن كان يحتمل أن يكون على حائل بينه وبينه.
ومنها: الرجوع إلى أفعاله - ﷺ -؛ كأقواله، والوقوف عندها.
_________________
(١) تقدم تخريجه في حديث الباب.
(٢) انظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (٢/ ٤٠١)، و"شرح صحيح مسلم" للنووي (٥/ ٢١٢).
(٣) انظر: "شرح صحيح مسلم" للنووي (٥/ ٢١٢).
[ ١ / ٤٠٥ ]
ومنها: تلقي المسافر، وسؤاله عن مستند عمله المخالفِ للعادة.
ومنها: أن التابع إذا رأى من متبوعه ما يجهله، يسأله عنه.
ومنها: الجواب عن السؤال بالدليل، وفعل الصحابي، وقوله حجة ما لم يخالف، والله أعلم.
* * *
[ ١ / ٤٠٦ ]