عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وعائشة - ﵃ - قالوا: قال رسول الله ﷺ: "وَيْلٌ للأعْقَابِ مِنَ النَّارِ" (١).
أَمَّا عبدُ الله بنُ عمرِو بنِ العاص: أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو نصير، قرشيٌّ سهمي، وهو وأبوه صحابيان، أسلم قبل أبيه، وأبوه أكبر منه بإحدى عشرة سَنَةً، واستدل الفقهاء بذلك على صحَّة إسلام الصبي المميز، إذ لم يكن عبدُ الله بالغًا، وإن كان بالغًا، فيدل أَنَ أقل سنِّ البلوغ في
_________________
(١) رواه البخاري (١٦١)، كتاب: الوضوء، باب: غسل الرجلين، ولا يمسح على القدمين، ومسلم (٢٤١)، كتاب: الطهارة، باب: وجوب غسل الرجلين بكمالهما، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -. ورواه البخاري (١٦٣)، كتاب: الوضوء، باب: غسل الأعقاب، ومسلم (٢٤٢)، كتاب: الطهارة، باب: وجوب غسل الرجلين بكمالهما، من حديث أبي هريرة - ﵁ -. ورواه مسلم (٢٤٠)، كتاب: الطهارة، باب: وجوب غسل الرجلين بكمالهما، من حديث عائشة - ﵂ -.
[ ١ / ٥٦ ]
الإسلام باستكمال عشر سنين، وقيل: كان أكبر منه باثنتي عشرة سنةً، وقال ابن حبَّان: ثلاث عشرة سنةً.
وكان غزيرَ العلم، مجتهدًا في العبادة، وكان كثيرَ كتابةِ العلمِ والحديث عن رسول الله ﷺ، وهو أكثرُ أقرانه حملًا عن رسول الله ﷺ، وأبو هريرة أكثر رواية عن رسول الله ﷺ منه، وتقدم في الحديث قبله سبب ذلك.
وكان رسول الله ﷺ يقول: "نِعْمَ أَهْلُ البَيْتِ عَبْدُ اللهِ وأَبُو عَبْدِ الله وَأُمُّ عَبْدِ الله" (١)، وهو ممِنْ حَفِظ القرآن أجمع على عهدِ رسول الله ﷺ، وكان يقرأ كتب الأولين؛ التَّوراة والإنجيل، ومناقبه كثيرة جدًّا، وله حكم ومواعظ.
روي له عن رسول الله ﷺ سبع مئة حديث، اتفقا على سبعة عشر حديثًا، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بعشرين حديثًا؛ وروى عنه جماعة من التَّابعين، وروى له أصحاب الكتب السِّتَةِ، ومات بمكة، وقيل: بالطَّائف، وقيل: بمصر، وقيل: بالشَّام، قال أبو حاتم بن حبَّان: كان يسكن مكة، ثم خرج إلى الشَّام، وأقام بها، ومات بمصر، ويقال: مات بعجلان -قرية من قرى الشّام بالقرب من غَزَّة من بلاد فلسطين- ليالي الحرَّة- في ولاية يزيد بن معاوية، وكانت الحرة سنة ثلاث وستين، وكان له يوم مات اثنتان وسبعون سنةً، وقد قيل: مات سنة خمس وستين، ومنهم من زعم أَنَّه مات سنة تسع وستين، والأول أصحُّ، هذا آخر كلامه (٢).
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١/ ١٦١)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٧٩٨)، وأبو يعلى الموصلي في "مسنده" (٦٤٦)، والشاشي في "مسنده" (١٨)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٦/ ١٣٩)، من حديث طلحة بن عبيد الله - ﵁ -. وفي الباب: عن عقبة بن عامر، وجابر بن عبد الله - ﵄ -.
(٢) انظر: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٤/ ٢٦١)، و"التاريخ الكبير" للبخاري (٥/ ٥)، و"الثقات" لابن حبان (٣/ ٢١٠)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (٣/ ٩٥٦)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (٣١/ ٢٣٨)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (٣/ ٣٤٥)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (١/ ٢٦٤)، و"تهذيب الكمال" للمزي (١٥/ ٣٥٧)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٣/ ٧٩)، و"تذكرة الحفاظ" له أيضًا (١/ ٤١)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر =
[ ١ / ٥٧ ]
وتقدم أبو هريرة، وسيأتي ذكر عائشةَ - ﵂ - إن شاء الله تعالى.
وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم من حديث يوسف بن ماهك بنحوِه عن عبد الله بن عَمرو.
قوله ﷺ: "وَيْلٌ": هو الحزن والهلاك والمشقة من العذاب (١)، ومعناه هنا: هلاك وخيبة، والأَعْقَاب: جمع عَقِب؛ وهي مؤخر القدم، وهي -مؤنثة، وتُسَكَّنُ القافُ وتُكْسَرُ- (٢)، وتخصيصه -ﷺ- الأَعْقَابَ بالعقاب بالنار؛ لأنَّها التي لم تغسل غالبًا، وقيل: أراد صاحب الأعقاب، فحذف المضاف؛ لأَنَّهم كانوا لا يستقصون غسلَ أرجلهم في الوضوء.
وهذا الحديث ورد على سَبب، وهو أنه ﷺ رأى قومًا وأعقابُهم تلوحُ.
الألف واللام في "الأعقاب" يحتمل أَنْ تكونَ للعهد، فيختص الذكر بتلك الأقدام المرئية التي لم يَمسَّها الماء، ويحتمل أَنْ تكونَ للجنس، فلا يختص بها، بل الأعقاب التي هذه صفتها لا تعم بالطهر، ولا يجوز أَنْ تكون للعموم المطلق في كل الأقدام ومسحها، بل يكون العموم المطلق فيها مرادًا بالتضمين بالتنبيه بالأدنى على الأعلى.
وطرق الحديث، وجمع ألفاظه يفسر بعضه بعضًا.
وقد استدل به: على أَنَّ العقب في الرِّجْل محلٌّ للتطهير بالغَسْل؛ للتوعُّد بالنَّار على تركه، عند رؤيته يلوح من غير غسل.
وقال ﷺ في بعض طرقه: "أَسْبِغُوا الوُضُوء" (٣).
وقد أخرج أبو داود وغيره، بأسانيدهم الصَّحيحة؛ من حديث عمرو بن
_________________
(١) = (٤/ ١٩٢)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا (٥/ ٢٩٤).
(٢) انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (٥/ ٢٣٥)، و"القاموس" للفيروز أبادي (ص: ١٣٨٢).
(٣) انظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (٢/ ٩٩)، و"النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (٣/ ٢٦٩)، و"لسان العرب" لابن منظور (١/ ٦١١).
(٤) كما في حديث أبي هريرة - ﵁ - المتقدم تخريجه عند البخاري ومسلم.
[ ١ / ٥٨ ]
شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه: أن رجلًا قال: يا رسولَ الله! كيف الطَّهور؛ فدعا بماء، فغسل كفَّيه ثلاثًا، إلى أَنْ قال: ثمَّ غسل رجليه ثلاثًا، ثمَّ قال: "هَكَذَا الوُضُوُء؛ فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوَ نَقَصَ، فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ" (١).
واستُدلَّ به: على أن المسح لا يجزئُ؛ لأنّه لا يقال في المسح: أسبغوا، ولا: أمرنا بإسباغه فيه، وهذا مجمَع عليه، ولم يقل به أحد من العلماء.
وقالت الشيعة: يجب مسحهما.
وقال محمَّد بن جرير الجُبَّائي (٢) -رأس المعتزلة-: يتخير بين المسح والغسل، وقال بعض أهل الظاهر: يجب الجمع بين المسح والغسل، وكلها مذاهب باطلة.
وقد صنَّف الإمام أبو الفتح سليم الرَّازي - ﵀ - كتابًا ستَّ كراريس بخطه، قرأه عليه الخطيب البغداديُّ، وغيره من الأئمة الأعلام، سماه: "الرِّسالة المنصفة في طهارة الرِّجلين في الوضوء" على كلام الشَّريف المرتضى أبي القاسمِ عليِّ بن الحسين الموسوي، والشَّيخِ أبي محمَدٍ عبدِ الله بن محمَّدِ بنِ النُّعمان المعروفِ بابنِ المعلِّم (٣) في ذلك، واستقصى في الردِّ عليهم، وأتى فيه من الأدلة والعلوم ما يُقر به أعينَ العلماء من أهل السنة، وغيرهم، -فرحمه الله، ورضي عنه-.
وفي الحديث: وجوبُ غسل جميع الأعضاء، حتَّى لو بقي جزء لطيف من
_________________
(١) رواه أبو داود (١٣٥)، كتاب: الطهارة، باب: الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، والنسائي (١٤٠)، كتاب: الطهارة، باب: الاعتداء في الوضوء، وابن ماجه (٤٢٢)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في القصد في الوضوء، وكراهية التعدي فيه، والإمام أحمد في "المسند" (٢/ ١٨٠)، وهذا لفظ أبي داود.
(٢) في حاشية "ح": "محمد بن جرير هذا من الشيعة، وليس هو المشهور، نبه عليه الإسنائي في شرح منهاج النووي".
(٣) هو شيخ الشيعة المفيدُ، ترجمته في "لسان الميزان" لابن حجر.
[ ١ / ٥٩ ]
عضو، لم يصحَّ وضوءه؛ لأنَّه لم يقلْ أحدٌ من العلماء بالفرق بين وضوءِ عضو ووضوء عضو في المغسول.
وفيه: وجوبُ تعليم الجاهلين، والأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر، والله أعلم.
* * *