عن عَائشِةَ - ﵂ - قالَتْ: دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبي بَكْرٍ - ﵄ - عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَنَا مُسْنِدَتُهُ إلَى صدْرِي، وَمَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سِوَاكٌ رَطْبٌ، يَسْتَنُّ بِه؛ فَأَبَدَّهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - نَظَرَهُ؛ فَأَخَذْتُ السِّوَاكَ، فَقَضَمْتُهُ، وَطَيَّبْتُهُ، ثم دَفَعْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَاسْتَنَّ بِهِ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - اسْتَنَّ اسْتِنَانًا أَحْسَنَ مِنْهُ، فَمَا عَدَا أَنْ فَرَغَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَفَعَ يَدَهُ، أَوْ إصْبَعَهُ، ثُمَّ قالَ: "في الرَّفِيقِ الأَعْلَى"، ثَلاثًا، ثُمَّ قَضَى، وكانَتْ تَقُولُ: مَاتَ بين حَاقِنَتِي وذَاقِنَتِي" (٢).
وفي لفظ: فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إلَيْه، وَعَرَفْتُ أنَّه يُحِبُّ السِّوَاك، فَقُلْتُ: آخُذُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ؛ أَنْ: نَعَمْ. هَذَا لَفْظُ البُخَارِيُّ، وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ (٣).
أَمَّا عائِشَةُ - ﵂ -: فتقدَّم ذكرُها.
وأمَّا عبد الرحمن بن أبي بكر، فهو أخوها لأبويها، وهو: أسَنُّ أولادِ الصديق - ﵄ -، كنيته: أبو عبد الله، وقيل: أبو محمَّد.
وشهد بدرًا، وأُحُدًا مع الكفار، ثُمَّ أسلم في هُدْنة الحديبية، وحَسُن إسلامه، وهاجر إلى المدينة، وصحب النبي - ﷺ - هو وفتية من قريش.
وكان اسمه: عبد الكعبة، فغيره رسول الله - ﷺ - وسماه: عبد الرحمن.
وكان من أشجعِ رجالِ قريشٍ، وأرماهم لسهمٍ، وحضر اليمامةَ مع خالد بن
_________________
(١) قلت: ليس عند البخاري ومسلم لفظ: "كان إذا استيقظ من النوم"، وإنما لفظهما: "كان إذا قام من الليل". والله أعلم.
(٢) رواه البخاري (٤١٧٤)، كتاب: المغازي، باب: مرض النبي - ﷺ - ووفاته.
(٣) رواه البخاري (٤١٨٤)، كتاب: المغازي، باب: مرض النبي - ﷺ - ووفاته، ولم أره في "صحيح مسلم"، والله أعلم.
[ ١ / ١٥٥ ]
الوليد، فقتلَ سبعةً من كبارهم، وهو الَّذي قتلَ محكم اليمامة ابن طفيل؛ رماه بسهمٍ في نَحْرِه، فقتله.
رُوِيَ له عن رسول الله - ﷺ - ثمانيةُ أحاديثَ، اتفقا على ثلاثة، روى عنه جماعةٌ من التابعين، وروى له جماعةٌ من أصحاب السُّنَن، والمساند.
مات بـ "الحبشي"؛ وهو: جبل بينه وبين مكة ستة أميال، وقيل: نحو عشرة أميال، ثُمَّ حُمل على رقاب الرجال إلى مكة، وقال أبو حاتم بن حبان: مات بالحبشة، وهو غلط.
وكانت وفاته سنةَ: ثلاثٍ وخمسين، وهو الأكثر، وقيل: خمسٍ وخمسين، وقال أبو حاتم: سنة ثمان وخمسين، قبلَ عائشة، قال أبو عمر بن عبد البر: يقال: إنَّه توفي في نومة نامها، فلما اتصل موته بأخته عائشة أم المؤمنين - ﵄ - ظعنت من المدينة حاجَّة، حتى وقفت على قبره، وكانت شقيقته، فبكت عليه وتمثَّلَت:
وكُنَّا كَنُدْمَاني جذيمةَ حِقْبَةً مِنَ الدَّهرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يتَصَدَّعَا
فَلَمَّا تَفَرَّقْنا كأَنِّي ومَالِكًا لِطُولِ اجْتِماعٍ لَمْ نبَتْ لَيْلَةً مَعَا
أما واللهِ لو حضرتُك لدفنتُكَ حيثُ مِتَّ مكانَك، ولو حضرتُك ما بكيتُك، والله أعلم (١).
وأمَّا ألفاظه:
فقولها: "إِنَّهُ كَانَ يَسْتَنُّ بِسِوَاكٍ"؛ أي: بعودٍ من أَرَاكٍ.
والاسْتِنَان: استعمالُ السواك، وهو افتعالٌ من الأسنان؛ أي: يمره عليها.
وكان مسواكُ رسول الله - ﷺ - تارةً من أَراك، وتارة من جَريد النخل.
_________________
(١) وانظر ترجمته في: "التاريخ الكبير" للبخاري (٥/ ٢٤٢)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (٢/ ٨٢٤)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (٣/ ٤٦٢)، و"تهذيب الكمال" للمزي (١١/ ٣١١)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٢/ ٤٧١)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (٤/ ٣٢٥)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا (٦/ ١٣٣).
[ ١ / ١٥٦ ]
قولها: "فَأَبَدَّهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - نَظَرَهُ"؛ أي: نظر إليه طويلًا.
يقال: أَبَدْتُ فلانًا النَّظر؛ إذا طولته إليه، فكأن أصله من معنى التَّبْديد، الَّذي هو التفريق؛ وكأنَّه - ﷺ - أعطاه مدَّته من النظر؛ أيْ: حظَّه (١).
وقولُها: "فَقَضَمْتُهُ وطَيَّبْتُهُ"؛ أَيْ: مضغتهُ بأَسَناني وَلَيَّنْتُهُ.
وقولها: "بَيْنَ حاقِنَتي، وذَاقِنتي"؛ الحاقِنَةُ: الوَهْدَة المنخفضة بين الترقوتين من الحلق.
والذاقنة: الذقنُ، وقيل: طرفُ الحلقوم، وقيل: ما ينالُه الذقنُ من الصدر.
والحواقنُ: جمع حاقنة؛ وهي: أسافلُ البطنِ أيضًا، وقيل في الذاقنة: أعالي البطن؛ فكان المراد: بحقن الطعامِ؛ أَيْ: يجمعه (٢)، ومنه المِحْقنة -بكسر الميم-: التي يحتقن بها، ومن كلام العرب: لأجمعنَّ بين حواقنِك، وذواقنِك (٣).
وقوله - ﷺ -: "في الرَّفيقِ الأَعْلى": يجوزُ أَنْ يكونَ إشارةً منه - ﷺ - إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]؛ فيكون معناه: الأعلى من نوع البشر.
وقد صنَّفَ السهيلي صاحبُ "الرَّوْضِ الأُنُف" كتابًا في مبهمات القرآن، وذكر أنَّ المُنْعَمَ عليهم؛ الَّذين أُمرنا بسؤال أنْ نهدى صراطهم، في الفاتحة؛ هم: في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩]، الآية في سورة النساء (٤).
_________________
(١) انظر: "غريب الحديث" للحربي (٣/ ١١٣٦)، و"لسان العرب" لابن منظور (٣/ ٣٩٨)، و"مختار الصحاح" لأبي بكر الرازي (ص: ٢٥٨)، (مادة: بدد).
(٢) في "ح": "جمعه".
(٣) انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد (٤/ ٣٢٢)، و"لسان العرب" لابن منظور (١٣/ ١٧٣)، و"القاموس المحيط" للفيروز أبادي (ص: ١٥٣٧).
(٤) انظر: "التعريف والإعلام فيما أبهم من الأسماء والأعلام في القرآن" للسهيلي (ص: ١٧).
[ ١ / ١٥٧ ]
وقال شيخُنا القاضي أبو الفتح -﵀-: ويجوزُ أَنْ يكونَ الأعلى من الصفات اللازمة؛ التي ليس لها مفهوم يخالف المنطوق؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون:١١٧]؛ وليس ثمَّ داعٍ (١) إلهًا آخر له به برهان (٢).
وكذلك ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١]؛ ولا يكونُ قتلُ النبيين، إلَّا بغيرِ الحقِّ.
فيكونُ الرفيقُ لم يطلقْ الأعلى؛ إلا على الَّذي اختصَّ الرفيقُ به، ويقوِّي هذا ما ورد في بعض الروايات: "وأَلْحِقْني بالرَّفيقِ" (٣)، ولم يصفه بالأعلى؛ وذلك دليل: أنَّه المراد بلفظة الرفيق، ويحتمل أن يعم الأعلى، وغيره.
ثم ذلك على وجهين:
أحدهما: أَنْ يُخَصَّ الفريقان معًا، بالمقربين المرضيِّين، ولا شكَّ أَنَّ مراتبَهم متفاوتةٌ؛ فيكون - ﷺ - طَلَبَ أَنْ يكونَ في أعلى مراتب الرفيق؛ وإِنْ كانَ الكلُّ من السعداءِ المرضيِّين.
الثَّاني: أنَّه يُطْلَقُ الرفيقُ، بالمعنى الوضعي؛ الَّذي يعمُّ كلَّ رفيق، ثمَّ يخص منه الأعلى بالطلب؛ وهو مطلق المرضيين؛ ويكونُ الأَعْلَى بمعنى: العَالِي، ويخرج عنه غيرهم، وإن كانَ اسمُ الرفيقِ منطلقًا عليهم.
ويُروَى أنَّ عُمَر بنَ عبدِ العزيزِ - ﵁ - لمَّا حَضَرتْه الوفاةُ، قال: أجلسوني، فأجْلَسُوه، فقال: أنا الَّذي أَمرْتَني فَقَصَّرْتُ، ونَهَيْتَني فَعَصيْتُ، ولكن لا إلهَ إلَّا الله، ثمَّ رَفَعَ رأسَه، فأمدَّ النَّظَرَ، ثمَّ قال: إِنِّي لأَرَى حضرةً ما هم بإنسٍ، ولا جنٍّ، ثمَّ قُبِضَ (٤).
_________________
(١) في "ح": "مُدَّعٍ".
(٢) انظر: "شرح عَمدة الأحكام" لابن دقيق (١/ ٦٩).
(٣) رواه البخاري (٤١٧٦)، كتاب: المغازي، باب: مرض النبي - ﷺ - ووفاته، ومسلم (٢٤٤٤)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: في فضل عائشة - ﵄ -.
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في "المحتضرين" (٩٠)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٥/ ٣٣٥)، =
[ ١ / ١٥٨ ]
قلت: وما ذكر من المجوزات في الرفيق الأعلى، هو إذا لم يكن فيه بيان منه - ﷺ -؛ وقد ثبت البيان فيه من حديثِ عائشةَ - ﵂ -، قالت: أُغْمِيَ على رسولِ الله - ﷺ -، ورَأْسُه في حِجْرِي، فَجَعَلْتُ أَمْسَحُه، وأدعُو له بالشفاءِ، فلمَّا أفاقَ، قال - ﷺ -: "لا، بل أسألُ اللهَ الرفيقَ الأَعلَى، مع جبريلَ، وميكائيلَ، وإسرافيلَ"، رواه أبو حاتم بنُ حِبَّان في "تقاسيمه وأنواعه" بإسناد الصحيح (١)، والله أعلم.
وفي الحديث:
دخول أقارب الزوجة على الزوج في مرضه، وغيره.
وفيه: استياك بالسواك الرطب، وقال بعض الفقهاء: إن الأخضرَ لغير الصائمِ أحسنُ، وإِنْ كانَ يابسًا؛ استحب أَنْ يكونَ قد نُدِّيَ بالماء.
وفيه: إصلاحُ السواك، وتهيئتُه للاستياك.
وفيه: الاستياكُ بسواك الغير.
وفيه: العملُ بما يفهم من الإشارة، والحركات.
وفيه: جوازُ أَنْ يكونَ الَّذي قربت وفاته جالسًا مستندًا إلى زوجته، ونحوها ممن يعز عليه، ولا يشترط أن يوجه إلى القبلة على جنبه الأيمن، أو على قفاه على العادة.
وفيه: نقل أحواله - ﷺ - إلى أمته كلها؛ لتتبع، والله - ﷾ - أعلم.
* * *
_________________
(١) = وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٥/ ٢٥٤).
(٢) رواه ابن حبان في "صحيحه" (٦٥٩١)، والإمام أحمد في (المسند) (٦/ ١٢٠)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٢/ ٢٣٠)، والنسائي في "السنن الكبرى" (٧١٠٤)، وفي "عمل اليوم والليلة" (١٠٩٧).
[ ١ / ١٥٩ ]