عن أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ الأَسَدِيَّةِ - ﵂ -: أَنَّهَا أَتَتْ بابنٍ لها صَغيرٍ؛ لم يأكلِ الطعامَ، إلى رسولِ الله - ﷺ -، فَأَجْلَسَهُ رسولُ الله - ﷺ - في حِجْرِهِ، فَبَالَ على ثَوْبِه؛ فنَضَحَهُ بماءٍ، ولم يَغْسِلْهُ (١).
وعن عائشةَ أُمِّ المؤمنينَ - ﵂ -، قالتْ: أُتِيَ رسولُ الله - ﷺ - بصبيٍّ، فَبَالَ على ثَوْبِهِ؛ فَدَعَا بماءٍ، فَأَتبَعَهُ إِيَّاهُ (٢).
ولمسلمٍ: فَأَتْبَعَهُ بَوْلَهُ، ولم يَغْسِلْهُ (٣).
أمَّا أُمُّ قيسٍ: فلا اسمَ لها غيرُ كنيتها، وهي: أختُ عُكَّاشَةَ بْنِ محصنِ ابنِ حرثانَ بنِ قيسِ بنِ مرةَ بنِ كثيرِ بنِ غنمِ بن دُودانَ بنِ أسدِ بنِ خزيمةَ.
أسلمت قديمًا بمكة، وهاجرت إلى المدينة، وكانت من المبايعات.
رُوِيَ لها عن رسول الله - ﷺ -: أربعةٌ وعشرون حديثًا؛ اتفقا منها على حديثين.
رَوَى عنها من الصحابة: وابِصَةُ بنُ مَعْبَدٍ، وجماعةٌ من التابعين، وروى لها أصحاب السنن، والمساند (٤).
وأما قوله: "الأَسَدِيَّةُ"، -بفتح الهمزة، والسين المهملة- فنسبة إلى أسد ابنِ خزيمةَ، وهي نسبة -أيضًا- إلى أسدٍ في قريش: أسدِ بنِ عبد العزى بن قصيِّ بنِ
_________________
(١) رواه البخاري (٢٢١)، كتاب: الوضوء، باب: بول الصبيان، ومسلم (٢٨٧)، كتاب: الطهارة، باب: حكم بول الطفل الرضيع وكيفية غسله، وهذا لفظ البخاري.
(٢) رواه البخاري (٢٢٠)، كتاب: الوضوء، باب: بول الصبيان.
(٣) رواه مسلم (٢٨٦)، باب: الطهارة، باب: حكم بول الطفل الرضيع وكيفية غسله.
(٤) وانظر ترجمتها في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٨/ ٢٤٢)، و"الثقات" لابن حبان (٣/ ٤٥٩)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (٤/ ١٩٥١)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (٧/ ٣٦٨)، و"تهذيب الكمال" للمزي (٣٥/ ٣٧٩)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (٨/ ٢٨٠)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا (١٢/ ٥٠٢).
[ ١ / ١٨٤ ]
مالك، وأسدٍ في مَذْحِجٍ: أسدِ بنِ مسلمةَ بنِ عامرٍ، وأسدِ بنِ عبدِ مناةَ بنِ عائذِ الله بنِ سعدِ العشيرةِ، وفي الأسد -أيضًا-: أسدُ بنو أسدِ بنِ حرب بن عتيك.
وتشتبه هذه النسبة بالأَسْدي -بسكون السين، مبدَلَةٍ من الزاي- نسبة إلى أَزْد شنوءة؛ كذا قاله السمعانيُّ، وحكى عن ابنِ السِّكِّيتِ، وغيره؛ أنَّه يُقال فيه: الأَزْدُ -بالزاي، والسين- لغتان، منهم من الصحابة: ابن بحينة، وابنُ اللُّتْبِيَّة.
وأمَّا ألفاظه:
فقولها: "في حَجْرِهِ": هو بفتح الحاء المهملة، وكسرها؛ لغتان مشهورتان.
وأما حقيقة النَّضْحِ: فهو أَنْ يُغْمَرَ الشيءُ الَّذي أصابه البولُ بالماء؛ كسائر النجاسات؛ بحيثُ لو عُصر لا يعصر، قاله أبو محمد الجوينيُّ، والقاضي حسين، والبغويُّ.
والذي قاله إمام الحرمين، والمحققون: إنَّ النضحَ أَنْ يُغْمَرَ، ويُكَاثَرَ بالماء مكَاثَرَةً لا تبلغُ جريانَ الماء، وتردُّدَه، وتقاطره، بخلاف المكاثرة في غيره؛ فإنه يُشترط فيها: أن يكونَ بحيثُ يجري بعضُ الماء، ويتقاطرُ من المحلِّ، إن لم يشترط عصره (١).
ويدل عليه قولُها: "فَنَضَحَهُ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ"، وقولُها في رواية في "صحيح مسلم": "فَدَعا بِماءٍ، فَرَشَّهُ" (٢).
أمَّا أحكامه ومعانيه:
فلا شكَّ أن بولَ الصبيِّ الَّذي لم يَطْعَمْ نجسٌ، وقد نقل بعض أصحاب الشَّافعي الإجماعَ على نجاسته.
وقال: لم يخالف فيه إلَّا داودُ الظاهريُّ، ومن جوَّزَ نضحَه؛ فللتخفيف في
_________________
(١) انظر: "غريب الحديث" لابن قتيبة (٢/ ٦٠٢)، و"النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (٥/ ٦٨ - ٦٩)، و"لسان العرب" لابن منظور (٢/ ٦١٨)، (مادة: نضح).
(٢) رواه مسلم (٢٨٧)، كتاب: الطهارة، باب: حكم بول الطفل الرضيع وكيفية غسله.
[ ١ / ١٨٥ ]
إزالته، لا لكونه ليس بنجسٍ، وحكاية ابن بطال، ثم القاضي عياض، عن الشَّافعي وغيره أنهم قالوا: هو طاهر ويُنَضحُ باطلة قطعًا.
ولا خلاف في مذهب الشافعي في جواز نضحه؛ وهو قول علي بن أبي طالب - ﵁ -، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وابن وهب من أصحاب مالك، وروي عن أبي حنيفة؛ عملًا بهذا الحديث.
والفرق بينه وبين الصبية في الحديث الآخر: "يُغْسَلُ بَوْلُ الجارِيَةِ، ويُنْضَحُ بَوْلُ الغُلامِ؛ ما لَمْ يَطْعَمْ" رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، من رواية علي - ﵁ - مرفوعًا، وقال الترمذي: حديث حسن (١).
وقد حكى صاحب "التتمة" (٢) من أصحاب الشافعي، ثلاثةَ أوجه فيهما:
أحدها: يُغسل منهما.
والثاني: يُنضح منهما.
والثالث: التفرقةُ بينهما؛ وهو الصحيح، والوجهان الأولان شاذان ضعيفان.
وممن قال بوجوب الغسل منهما: مالك، وأبو حنيفة -في المشهور عنهما-، وأهل الكوفة، وكأنهم اتبعوا القياس على سائر النجاسات، ولم يبلغهم الحديث، أو بلغهم، وأوَّلوا الحديث في قوله: "ولم يغسله" على أنَّه: لم يغسله غسلًا مبالَغًا فيه كغيره، فسمِّي الأبلغُ: غسلًا، والأخفُّ: نضحًا؛ وهو خلافُ الظاهر، يحتاج إلى دليل يقاوم هذا الظاهرَ، ويبعده التفرقة بين النضح والغسل في الحديث المذكور؛ وهي تقتضي المغايرة، واعتلَّ بعضهم في هذا: بأنَّ بولَ الصبي يقع في محل واحد، وبول الصبية يقع منتشرًا؛ فيحتاج من صبِّ الماء في
_________________
(١) رواه أبو داود (٣٧٧)، كتاب: الطهارة، باب: بول الصبي يصيب الثوب، والترمذي (٦١٠)، كتاب: الطهارة، باب: ما ذكر في نضح بول الغلام الرضيع، وابن ماجه (٥٢٥)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في بول الصبي الَّذي لم يطعم.
(٢) تقدم ذكر كتاب "التتمة" للمتولّي، والتعريف به.
[ ١ / ١٨٦ ]
مواضع متعددة ما لا يحتاج إليه في بول الصبي.
وربما حمل بعضهم لفظَ النضح في بول الصبي على الغسل، وهو ضعيف؛ لنفي الغسل، والتفرقة بينهما في الحديثين.
والمعنى في التفرقة بينهما: أنَّ النفوسَ أعلقُ بالذكور من الإناث؛ فيكثر حمل الذكر؛ فناسب التخفيف بالاكتفاء بالنضح، ودفعًا للعسر والحرج، بخلاف الإناث.
وقيل غير ذلك؛ وهو ركيك؛ من حيث إنَّ كثافة النجاسة ورقتها لا أثر لها في عدم الوجوب، ولا التخفيف في الشرع؛ وإنما المعتبر في ذلك: عمومُ الابتلاء به، وعدمُه، والله أعلم.
وفي الحديث دليل على: استحباب حمل الأطفال إلى الصالحين؛ ليحنِّكوهم، ويبرِّكوهم، ويدعوا لهم؛ ولا فرق في استحباب حمله إليهم حالَ الولادة، وبعدَها.
وفيه: الندبُ إلى اللين، وحسن المعاملة، والمعاشرة، والتواضع، والرفق مع الصغار، والضعفاء.
وفيه: التبرُّكُ بأهل الصلاح والفضل (١).
وفيه: وجوبُ غسل بول الصبيِّ إذا طَعِم؛ وهذا لا خلاف فيه.
وفيه: الندب إلى حمل الأذى، وما يعرض له منه.
وفيه: جبرُ قلوب الكبار؛ بإكرامِ أطفالهم، وإجلاسِهم في الحِجْر، وعلى الركبة، ونحو ذلك.
وفيه: طلب الماء إذا عرض له حاجة به، والله أعلم.
* * *
_________________
(١) قلت: إنما يكون التبرك بعلمهم وهدايتهم للناس، لا بذواتهم وآثارهم.
[ ١ / ١٨٧ ]