عن جَابِرِ بنِ عبدِ الله - ﵄ - قال: كَانَ النبيُّ - ﷺ - يُصَلِّي الظُّهْرَ بالهَاجِرَةِ، والعَصْرَ والشَّمْسُ نَقِيَّةٌ، والمَغْرِبَ إذا وَجَبَتْ، والعِشَاءَ أَحْيانًا وأحيانًا؛ إذَا رَآهُمُ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وإذا رَآهُمْ أَبْطَؤُوا أَخَّرَ، والصُّبْحُ كانَ النبيُّ - ﷺ - يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ (١).
أما جابر: فتقدم.
وأما ألفاظه:
فالظهر: مشتقة من الظهور؛ لأنها ظاهرة وسط النهار.
والهاجرة: نصف النهار، قال الخليل: والهجر، الهجير، والهاجرة: نصف النهار، وأهجر القوم، وهَجَّروا: ساروا في الهاجرة، وقال غيره: هي شدة الحر.
والمراد هنا: نصف النهار بعد الزوال.
_________________
(١) رواه البخاري (٥٣٥)، كتاب: مواقيت الصلاة، باب: وقت المغرب، ومسلم (٦٤٦)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها.
[ ١ / ٢٩٠ ]
قيل: سميت هاجرة من الهجر؛ وهو الترك؛ لأن الناس يتركون التصرف حيئنذ لشدة الحر، ويقيلون (١).
والعصر: أصله الزمان، والمراد به هنا: طَرَفُه، ومنه قيل لصلاة الصبح، وصلاة العَصْر: العصران، ويقال للعصرين: الغداة، والعشي.
وجاء في الحديث: "حافظ على العَصْرَين"، قيلَ: وما العصرانِ؟ قال: "صلاةٌ قبلَ طلوعِ الشمسِ، وقبلَ غُروبها" (٢)، سماهما العصرين؛ لأنهما يقعان في طرفي العصرين؛ وهما: الليل، والنهار، والأشبه: أنه غَلَّبَ أحدَ الاسمين على الآخر؛ كالعُمَرين: لأبي بكر وعمر، والقَمَرين للشمس والقمر.
وقوله: "والشمسُ حَيَّةَ"؛ حياتها: صفاءُ لونها قبل أن تصفرَّ، أو تتغير، وهو مثل قوله: "بيضاءُ نقيَّة"، وقيل: حياتها: وجودُ حرها.
وقوله: "والمغربَ إذا وَجَبَتْ"؛ أي: الشمسُ سقطتْ للغروب، والمراد: سقوطُ قُرْصها، ويستدلُّ عليه بطلوع الليل من المشرق، وهو الوقت الذي يفطر فيه الصائم.
وتقدم الغلس في الحديث قبله.
وأما أحكامه:
ففيه دليل على: أوقات الصلاة، وأن أفضلها أولُها، إلا العشاءَ؛ فإن الأفضلَ تأخيرُها لانتظار كثرة الجماعة؛ لهذا الحديث، لكنْ للعلماء قولان؛ في أن الأفضل:
_________________
(١) انظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (٢/ ٢٦٥)، و"النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (٥/ ٢٤٥)، و"مختار الصحاح" للرازي (ص: ٢٨٨).
(٢) رواه أبو داود (٤٢٨)، كتاب: الصلاة، باب: في المحافظة على وقت الصلوات، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٩٣٩)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٨/ ٣١٩)، والحاكم في "المستدرك" (٥١)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٤٦٦)، عن فضالة -﵁-.
[ ١ / ٢٩١ ]
تقديمها: كالصلوات؛ سواء رجاء زيادة الجماعة، أم لا.
أم تأخيرها: إلى ثلث الليل، أو نصفِه؛ لأجل مجرد التأخير لقصد ذلك الوقت.
وعلى هذا اختلفوا: هل يختلف ذلك باختلاف الأزمنة؛ من الصيف لقصر الليل، فيكون التقديم أفضل، أو الشتاء لطوله، فيكون التأخير أفضل؟
وذهب بعض العلماء؛ إلى أَنَّ تأخير الصلوات إلى آخر الوقت أفضل، إلَّا الصبح يومَ النحر بالمزدلفة؛ فإنه يصليها بغلس.
أما الظهر: فتقديمها أفضل؛ لكونه صلاها في الهاجرة؛ وهي شدة الحر وقوته، لكنه معارض بظاهر قوله - ﷺ - في الحديث الآخر: "إذا اشتدَّ الحرُّ، فَأَبْرِدوا" (١).
ويمكن الجمع بينهما: بأَنْ يكونَ أطلق اسمَ الهاجرة على الوقت الذي بعدَ الزوال مطلقًا؛ فإنه قد يكون فيه الهاجرة في وقت، فيُطلق على جميع الوقت بطريق الملازمة، وإن لم يكن وقت الصلاة في حر شديد؛ وفيه بعد.
وقد نقل صاحب "العين" (٢): أن الهجير، والهاجرة: نصفُ النهار، فإن كان مرادُ الحديث هذا؛ كان معناه مطلقًا على الوقت.
وقد اختلف الفقهاء من أصحاب الشَّافعيِّ، وغيرهم: أن الإبراد رخصة، أو عزيمة؛ بمعنى: أنه سنة، وفيه وجهان لأصحاب الشَّافعيِّ:
أصحهما: أنه عزيمة بشروط.
والثاني: أنه أمر إباحة، فيكون تعجيلُها في الهاجرة أخذًا بالأشَقِّ، فيكون التهجير لبيان الجواز، على قول من يرى الإبرادَ سُنَّةً، وفيه بعد؛ لأن قولَ
_________________
(١) رواه البخاري (٥١٢)، كتاب: مواقيت الصلاة، باب: الإبراد بالظهر في شدة الحر، ومسلم (٦١٥)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر، عن أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) انظر: "العين" للخليل (٣/ ٣٨٧).
[ ١ / ٢٩٢ ]
الراوي: كان، يشعر بالكثرة، والملازمة عرفًا، فلا يكون لبيان الجواز.
وأما العصر: فتعجيلُها أفضل؛ لقوله: "والعصرَ والشمسُ نقيةٌ" خلافًا لمن قال: إن أول وقتها ما بعد القامتين، ولا شك أن للعصر خمسة أوقات:
وقت فضيلة: وهو أول وقتها.
ووقت اختيار: وهو إلى أن يصير ظلُّ الشيء مثليه.
ووقت جواز: وهو إلى إصفرار الشمس.
ووقت جواز مع الكراهة: وهو حالة الإصفرار إلى الغروب.
ووقت عذر: وهو في حق من يجمع بين العصر والظهر بسفر، أو مطر.
ويكون العصر في هذه الأوقات أداء، فإذا كانت كلها بغروب الشمس، كانت قضاء.
وأما المغرب: فيدخل وقتها بسقوط قرص الشمس، ويختلف ذلك بالأماكن:
فما كان منها حائلًا بين الرائي، وبين قرصها: لم يكتف بغيبوبته عن العين؛ بل لا بد من رؤية طلوع الليل من المشرق، وقد قال - ﷺ -: "إذا غربت الشمسُ من هاهنا، وطلعَ الليلُ من هاهنا، فقد أفطرَ الصائمُ" (١).
وإن لم يكن حائل: فقد قال بعض المالكية: يدخل وقتها بغيبوبة الشمس، وشعاعها المستولي عليها، ولا وقتَ لها إلا واحد، وهو بمقدار ما يتوضأ، ويستر العورة، ويؤذن ويقيم، وثلاث ركعات، وسنتها، وهو أحد قولي الشافعي المشهور في مذهبه، وله استدامتها إلى غيبوبة الشفق، أما ابتداؤها أداء؛ فلا يجوز بعد ذلك، بل يكون قضاء.
_________________
(١) رواه البخاري (١٨٥٣)، كتاب: الصوم، باب: متى يحل فطر الصائم؛ ومسلم (١١٠٠)، كتاب: الصيام، باب: بيان وقت انقضاء الصوم وخروج النهار، عن عمر بن الخطاب - ﵁ -.
[ ١ / ٢٩٣ ]
والقول الثاني: أَنَّ وقتَها يمتد إلى الشفق، وله فعلُها أداء في كل ذلك الوقت، وهو الصحيح المختار عند المحققين من المتقدمين والمتأخرين من أصحاب الشافعي المحدثين، وغيرهم، ولا يأثم بذلك.
وصلاة المغرب في حديث جبريل في اليومين في وقت واحد؛ كان متقدمًا بمكة، وامتدادُ وقتها إلى غروب الشفق متأخرًا بالمدينة، وأحاديثها أصحُّ إسنادًا، فوجب تقديُمها، والعملُ بها.
أو يكون فعلها في حديث جبريل - ﵇ - بيانًا للأفضل، أو الاختيار، ولم يستوعب وقت الجواز، وذلك جارٍ في أكثر الصلوات، والله أعلم.
وفي قوله: "في العِشاء أَحْيانًا" دليلٌ على أنّ تأخير الصلاة؛ لانتظار الجماعةِ أفضل، وقد تقدم ذكرُ ذلك بالنسبة إلى العشاء، لكنَّ المسألةَ ذكرها العلماء بالنسبة إلى جميع الصلوات التي لم يتضيق وقتها: أن فعلَها في أول الوقت مع الجماعة أفضلُ، فلو تعارضَ الانفرادُ، أو الوقتُ، أو التأخيرُ مع الجماعة، فوجهان:
الصحيح المختار: أن التأخير للجماعة أفضلُ؛ لهذا الحديث.
ولأن التشديد في ترك الجماعة مع إمكان التقديم، والترغيب في فعلها موجودٌ في الأحاديث الصحيحة، وفضيلةُ الصلاة في أول الوقت وردَ على وجه الترغيب في الفضيلة.
وأما جانب التشديد في التأخير عن أول الوقت، فلم يَرِدْ كما ورد في صلاة الجماعة، وكلُّ ذلك دليل على رجحان الصلاة في الجماعة.
نعم إذا صح لفظ: "الصلاةُ في أولِ الوقتِ أفضلُ" (١) كان دليلًا دلالة ظاهرة على خلاف ما ذكرنا من أن التأخير للجماعة أفضل، وقد تقدم ذكرنا لصحته في الحديث الأول من هذا الباب، وإن كان حديث الباب ليس فيه دليل على الصلاة
_________________
(١) تقدم تخريجه.
[ ١ / ٢٩٤ ]
في أول الوقت؛ لأن لفظه: "الصلاةُ على وقتها" و"الصلاةُ لوقتها"، وليس فيهما دليل لأفضلية الصلاة في أول الوقت، والله أعلم.
وأما الصبح: ففعلها في أول الوقت أفضلُ، وحديث: "أَسْفِروا بالفجر؛ فإنَّه أعظمُ للأجر" (١) -بتقدير ثبوته- لا يُعَدُّ معارضًا لأحاديث التبكير بها، مع أنه حمله على التبكير بالصبح، ويكون المراد بالإسفار: تيقنُ طلوعِ الفجر، ووضوحه، لا غلبة الضياء الظلمة.
وهو بعيد من حيث إن فعلها فعل تيقن طلوعه لا يجوز، فلا آخر فيه، ولفظةُ أفعل: تقتضي المشاركة في الأجر بقوله: "أعظم" مع رجحان أحد الطرفين حقيقة، وقد يرد أفعلُ التفضيل من غير اشتراك، وهو قليل، لكنه على وجه المجاز، فيُحمل الحديثُ عليه، ويرجح، وإن كان تأويلًا بفعل رسول الله - ﷺ - في تقديمها مغلِّسًا.
* * *