عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَثْقَلُ الصَّلاةِ عَلَى المُنَافِقيِن؛ صَلاَةُ العِشَاءِ، وصَلاَةُ الفَجْرِ، وَلو يَعْلَمُونَ مَا فيهِمَا؛ لأتوْهُمَا، وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلاةِ، فَتُقَامَ، ثُم آمرَ رَجُلًا، فَيُصَلِّيَ بِالنَّاس، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعي بِرِجالٍ، مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ، إلَى قَوْمٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ؛ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيوتَهُمْ بِالنَّارِ" (١).
أما قوله - ﷺ -: "أثقلُ الصَّلاةِ على المنَافِقينَ؛ صلاةُ العِشاءِ، وصلاةُ الفَجْرِ":
أما كونُهما أثقلَ من غيرهما من الصلوات عليهم؛ فللمشقة اللاحقة لهم في فعلِهما جماعة في المساجد؛ وإنما كان الثقلُ في فعلهما في المساجد جماعة؛ دون تركهما، وإن كان غير مذكور في اللفظ؛ لدلالة السياق عليه؛ وهو قوله - ﷺ -: "لأتَوْهُما، ولو حَبْوًا"، وقوله: "ولقدْ هَمَمْتُ -إلى قوله:- لا يشهدون"؛ فكل ذلك مشعر بأن المراد: حضورُهم إلى جماعة المسجد.
_________________
(١) رواه البخاري (٦٢٦)، كتاب: الجماعة والإمامة، باب: فضل العشاء في الجماعة، ومسلم (٦٥١)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاة الجماعة.
[ ١ / ٣٤٨ ]
وتخصيص هاتين الصلاتين بكونهما أثقلَ؛ لقوة الداعي إلى ترك الجماعة، والصارف عن الحضور:
أَما العِشاءُ: فلأنها وقتُ الإيواء إلى البيوت، والاجتماعُ مع الأهل، واجتماعُ ظلمةِ الليل، مع طلب الراحة من متاعب السعي بالنهار.
وأما الصبحُ: فلأنها وقتُ لذةِ النوم، خصوصًا في شدة البرد؛ لبعد العهد بالشمس؛ لطول الليل، أو في زمن الحر؛ فهو وقت البرد، والراحة من أثر حر الشمس؛ لبعد العهد بها.
فلما قوي الصارف، ثقلت على المنافقين، وأما المؤمن الكامل الإيمان؛ فهو عالم بزيادة الأجر؛ لزيادة المشقة، فيكون ذلك داعيًا له إلى الفعل؛ كما كان صارفًا للمنافقين، ولهذا قال - ﷺ -: "لو يعلمونَ ما فيهما"؛ أي: من الأجر والثواب، "لأتوْهما، ولو حَبْوًا"؛ فالمؤمن: رجا ثواب الله، وتيقنه، وخاف عقابَ الله، واتقاه، والمنافق: كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ الآية [النساء: ١٤٢].
وقال الحسن البصري: من النفاق؛ اختلاف اللسان والقلب، واختلاف السر والعلانية، واختلاف الدخول والخروج (١).
وقال الأوزاعي: المؤمن يقول قليلًا، ويعمل كثيرًا، والمنافق يقول كثيرًا، ويعمل قليلًا (٢).
وقوله - ﷺ -: "ولو يَعْلَمونَ ما فيهما؛ لأتوهما، ولو حَبْوًا"؛ أي: لو يعلمون ما في فعلهما جماعةً في المسجد؛ من الأجر والثواب، وفي تركهما؛ من العقاب، لأتوهما؛ أي: لجاؤوا إليهما، ولو حبوًا؛ أي: محتبين، يزحفون على إلياتهم، من مرضٍ أو آفةٍ، أو حبوًا: كحبوِ الصغير على يديه ورجليه.
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٥٦٤٢).
(٢) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/ ١٤٢)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٥/ ٢٠٦).
[ ١ / ٣٤٩ ]
وقوله - ﷺ -: "ولقد هَمَمْتُ أن آمرَ بالصلاةِ، فَتُقامَ، ثم آمُرَ رجلًا بصلِّي بالناس" إلى آخره؛ الهمُّ بالشيء، غيرُ فعله.
واختلف في الألف واللام، في "الصلاة"؛ هل هي لمعهودِ صلاةٍ، أو للجنسِ؟
فمن قال: للعهد، اختلف فيها؛ ففي رواية: أنها العشاء، وفي رواية: أنها الجمعة.
ومن قال: للجنس؛ حملَه على جميع الصلوات، مطلقًا؛ وكلُّه صحيح لا منافاة فيه.
ثم اختلف في هؤلاء القوم؛ المتخلفين عن الصلاة:
فقيل: كانوا منافقين، وسياقُ الحديث يقتضيه؛ فإنه لا يظن ذلك بالمؤمنين من الصحابة؛ من تركهم الصلاةَ مع رسول الله - ﷺ -، وفي مسجده.
وقيل: يحتمل أن ذلك التهديد لقوم مؤمنين، صلوا في بيوتهم؛ لأمر توهموه مانعًا، ولم يكن كذلك، ويؤيد هذا التأويل؛ ما رواه أبو داود زيادة على هذا الحديث، فقال: "لقد هَمَمْتُ أن آمرَ فِتْيتي، فَيَجْمَعوا حُزَمًا من حَطَبٍ، ثم آتيَ قَوْمًا يُصَلُّونَ في بُيوتهم؛ ليستْ بهم عِلَّة؛ فَأُحَرِّقَها عَلَيْهِمْ" (١)، والمنافقون لا يصلُّون في بيوتهم؛ إنما يصلُّون في الجماعة؛ رياءً وسمعة، وأما إذا خَلَوا؛ فكما وصفَهم الله: من الكفر، والاستهزاء.
وعلى هذا التأويل تكون هذه الجماعةُ المهدَّدُ على التخلُّف عنها: هي الجمعة؛ كما نصَّ عليه في حديث عبد الله بن مسعود؛ فيُحمل المطلقُ منها، على المقيد.
وهَمُّهُ - ﷺ - بإتيانهم بعدَ إقامة الصلاة، برجلٍ يصلِّي بالناس؛ لتتحقق مخالفتُهم، وتخلفهم؛ فيتوجَّهَ اللومُ عليهم.
_________________
(١) رواه أبو داود (٥٤٩)، كتاب: الصلاة، باب: في التشديد في ترك الجماعة، ومن طريقة البيهقي في "السنن الكبرى" (٣/ ٥٦).
[ ١ / ٣٥٠ ]
وفي هذا الحديث فوائد:
منها: الدليلُ لمن قال: إن الجماعة فرضُ عين؛ ولا شك أنها كذلك في الجمعة، واختلف العلماء فيما عداها؛ من الصلوات الخمس:
فقال عطاءٌ، والأوزاعيُّ، وأحمدُ، وأبو ثورٍ، وابنُ المنذر، وابنُ خزيمة، وداودُ: الجماعةُ فرض عين، لكن اختلفتِ الرواية عن أحمدَ، وداودَ: هل هي فرض؛ بمعنى الشرط للصلاة، أم لا؟ والأظهرُ عن أحمد: أنها فرضُ عين، ليس بشرط.
وقال الأكثرون: هي سنة.
وقيل: فرض كفاية؛ وهو قول في مذهب الشافعي، ومالكٍ، وهو المختار عند جماعة من محققي أصحاب الشافعي.
وجه الدليل لمن قال: إنها فرض عين: هذا الحديث؛ فإنه إن قيل: إنها فرض كفاية؛ فهو كان قائمًا بفعل رسول الله - ﷺ -، ومن معه، وإن قيل: إنها سنة؛ فلا تحريقَ، ولا قتلَ على تاركها؛ فتعين أنها: فرضُ على الأعيان.
وأجاب القائلون بأنها سنة، أو فرضُ كفاية: بأن التهديد على تركها؛ إنما كان لصفة النفاق، مع ترك الجماعة، لا لتركها فقط، ويشهد لذلك ما ثبت في "الصحيح": أنه - ﷺ - قال: "ولو علمَ أحدُهم أنه يجدُ عظمًا سَمينًا، لشهدَها"؛ يعني: العشاء (١).
ومعلوم أن ذلك؛ ليس صفة للمؤمنين، لا سيما أكابر الصحابة، وإذا كان ذلك للمنافقين؛ كان التحريقُ للنفاق، لا لتركِ الجماعة؛ فلا يتمُّ الدليل، مع أن الترتيب على وصفين لا يجوز أن يترتب على أحدهما.
وقال القاضي عياض: وقيل هذا في المؤمنين، وأما المنافقون؛ فكان النبي - ﷺ - معرِضًا عنهم غالبًا، ولهذا لم يعاقبْهم في التخلف معاقبةَ كعبٍ
_________________
(١) رواه مسلم (٦٥١)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاة الجماعة.
[ ١ / ٣٥١ ]
وأصحابِه، ولا عارضَهم معارضةَ غيرِهم من المؤمنين (١).
قال شيخنا أبو الفتح الحافظ -﵀-: وهذا إنما يلزم، على أن ترك معاقبة المنافقين كانَ واجبًا عليه - ﷺ -؛ فتمتنع معاقبتهم بهذا التحريق؛ فيكون ذلك في المؤمنين.
فأما إذا كان تركه مباحًا له - ﷺ -، مخيرًا فيه، فلا يلزم ذلك، بل يجوز أن يكون في المنافقين؛ بجواز معاقبته لهم، وليس في إعراضه - ﷺ - عنهم بمجرده، ما يدل على وجوبه عليه.
ولعل في قوله - ﷺ -، وتركه ما طلب منه فيهم؛ لئلا يتحدث الناس: أن محمدًا يقتل أصحابه؛ طلبًا للتأليف، وعدم التنفير عن الإسلام: ما يشعر بتخييره - ﷺ - فيهم؛ لأنه لو كان يجب عليه ترك قتلهم، لكان الجواب بصريح المنع الشرعي، وهو أنه لا يحل قتلهم، ومما يشهد أن ذلك في المنافقين عندي: سياق الحديث من أوله: "أثقلُ صلاةٍ على المنافقين".
قال: ووجه آخر، وهو أن هَمَّهُ - ﷺ - بالتحريق يدلُّ على جوازه، وتركه التحريقَ يدلُّ على جواز تركه؛ وإذا اجتمعَ الجوازُ والترك في حقِّ هؤلاء، لا يلزم أن يكون هذا المجموع في المؤمنين؛ هذا ملخص كلامه -﵀ - (٢).
ثم لو سلم أن التحريق كان لترك الجماعة، لما كان فيه دليل على أنها فرض عين؛ لأنه لم يحرق، وهَمَّ به، ثم تركَه، ولم يخبرهم أن من تركَ الجماعة: أَنَّ صلاته غير مجزية؛ وهو موضع البيان.
وضعف ذلك، على تقدير أن يكون المراد بالحديث المؤمنين؛ لأنه - ﷺ - لا يجوز أن يهم إلا بما يجوزُ له فعلُه لو فعله، وإنما كونه لم يخبرهم، إلى آخره؛ فلأن البيان لم يتعين أن يكون بالتنصيص، بل يكون بالدلالة، ولما قال - ﷺ -: "ولقد هممتُ، إلى آخره"؛ دلَّ على وجوب الحضور عليهم لصلاة الجماعة.
_________________
(١) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (٢/ ١٢٧).
(٢) انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (١/ ١٦٤ - ١٦٥).
[ ١ / ٣٥٢ ]
فإذا دل الدليل على أن ما وجب في العبادة كان شرطا فيها غالبا، كان ذكره - ﷺ - هذا لهم دليلًا على: وجوب الحضور، ووجوبه دليلًا على الشرطية؛ فحينئذٍ، يكون ذكر الهم دليلًا على لازم الحضور؛ وهو الاشتراط بالوسيلة المذكورة، فلا يشترط في البيان أن يكون نصًّا، وقد قيل: إن اشتراطه في النصية غالب، ولهذا ينفك الوجوب عن الشرط.
ثم لو سلم ذلك جميعُه، لكان المراد بالتخلف عن الجماعة في الجمعة، لا غيرها، والجماعةُ شرط فيها، وقد ورد مفسَّرًا في بعض الروايات؛ كما قدمناه، لكنه ورد مفسرًا في غيرها؛ فلا يتم أن المراد الجمعة فقط؛ فحينئذٍ، يرجع البحث إلى الأحاديث التي رويت في ذلك؛ هل هي حديث واحد، أو أحاديث مختلفة؟
فإن كانت مختلفة، قيل: لكل واحد من الصلوات المذكورة.
وإن كانت واحدًا، اختلف فيه؛ فيرجع البحث إلى أن عدم ترجيح بعض الروايات على بعض؛ يحتاج إلى بيان مراده - ﷺ -، من إحدى الصلاتين: العشاء، والجمعة.
فإن كان مراده الجمعة؛ فلا يتم الدليل.
وإن كان العشاء؛ توقف الحال بتردد الاستدلال.
ثم لو سلم ما قالوه، إنما يكون ذلك في صلاة معينة؛ وهي: إما الجمعة، وإما العشاء، وإما الفجر، خصوصًا على مذهب الظاهرية؛ فلا يلزم منه وجوب الجماعة في غير هذه الصلوات الثلاثة؛ عملًا بالظاهر، وترك اتباع المعنى.
إلا أن يضم إلى ذلك قوله - ﷺ -: "أَنْ آمرَ بالصلاةِ فتقام" على عمومها، وحينئذٍ يحتاج إلى اعتبار الحديث، وسياقه، وما يدل عليه، فيحمل لفظُ الصلاة عليه، إن أُريدَ التحقيقُ، وطلبُ الحق، والله أعلم.
ومنها: تقديم الوعيدِ والتهديدِ على العقوبة، وسرُّ ذلك أنه إذا أمكن دفعُ المفسدة بالأهون من الزاجر، لم يعدل إلى الأعلى والأصعب منه.
[ ١ / ٣٥٣ ]
وفيه: الحث البليغ على حضور الجماعة في المسجد؛ في العشاء، والفجر.
وفيه: تسمية صلاة الصبح بصلاة الفجر.
وفيه: أن الإمام إذا عرض له شغلٌ، يستخلفُ مَنْ يصلي بالناس؛ لقوله: "آمرَ بالصلاةِ، فَتُقام، ثم آمرَ رجلًا، فيصلِّيَ بالناسِ".
وفيه: جواز الانصراف بعد إقامة الصلاة؛ لعذر.
واستدل به بعضهم على جواز العقوبة بالمال؛ وهو مذهب مالك.
وفي قوله - ﷺ - في بعض طرقه: "ثم يحرقَ بيوتٌ على مَنْ فيها" ما يدل على: أن تارك لصلاة متهاونًا يُقتل.
وفيه: جواز أخذِ أهل الجرائم على غِرَّة.
وفيه: أن الأفضلَ لأهل الأعذار تحمُّلُ المشقةِ في الإتيان إلى الجماعة؛ لقوله - ﷺ -: "لأتَوْهما، ولو حَبْوًا"، ومعلوم أن إتيان الصلاة حبوًا لا يكون إلا من عذر، والله أعلم.
* * *