عَن عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قالَ: شَهِدْتُ عَمْرَو بْنَ أَبِي حُبَيْشٍ، سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ، عَنْ وُضُوءِ رَسُولِ الله ﷺ فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ، فَتَوَضَّأَ لَهُمْ وُضُوءَ النَّبِيِّ ﷺ، فَأَكْفَأَ عَلَى يَدِيْهِ مِنَ التَّوْرِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلاَثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، ثَلاَثًا بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَمَسَحَ رَأْسَهُ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ (١).
وفي رواية: بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إلَى المَكَانِ الَّذي بَدَأَ مِنْهُ (٢).
وفي رواية: أَتانَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً في تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ (٣).
_________________
(١) رواه البخاري (١٨٤)، كتاب: الوضوء، باب: غسل الرجلين إلى الكعبين.
(٢) رواه البخاري (١٨٣)، كتاب: الوضوء، باب: مسح الرأس كله، ومسلم (٢٣٥)، كتاب: الطهارة، باب: في وضوء النبي - ﷺ -.
(٣) رواه البخاري (١٩٤)، كتاب: الوضوء، باب الغسل والوضوء في المخضب والقدح الخشب والحجارة.
[ ١ / ٩٤ ]
قال - ﵁ - (١): التَّوْرُ شِبْهُ الطَّسْتِ.
أمَّا رواتُه، فهم أنصاريُّون مازنيُّون مدنيُّون.
أمَّا عمرُو بنُ يحيى، فهو ثقةٌ رُوِيَ له في "الصَّحيحين" (٢)، واسمُ جَدِّه، عُمارةُ بنُ أبي حسن، واسمُه تميمُ بنُ عبدِ عمرِو بنِ قيسِ بنِ محرث بنِ الحارثِ بنِ ثعلبةَ بنِ مازنِ، وقيل: اسمُه كنيتُه، وهو صحابيٌّ، يقال: شهدَ العقبةَ وبدرًا، وعُمارةُ لا يُعْرَفُ له روايةٌ (٣).
وأمَّا أبوه يحيى، فهو تابعيٌّ سمعَ أبا سعيدٍ الخدريّ.
وعبدُ الله بن زيدِ بنِ عاصم ثقةٌ، رويَا له في "الصَّحيحين" (٤).
ومعنى قوله: قال: شهدت عمرو بن أبي حسن كأنه قال: شهدت ابني عمرًا إلخ شهدتُ، يعني: عَمْرًا، ونسبه إلى جدِّه الصَّحابي؛ تشريفًا له، ولم ينسبه إلى نفسِه أدبًا.
وأمَّا قوله: المازنيّ -بالزاي والنُّون- فهو نسبة إلى مازن: قبائل وبطون، أحدها مازن الأنصار، منهم عبدُ الله بنُ زيدِ بنِ عاصم، وأخوه تميمُ بن زيدٍ، وابن أخيه عبَّاد بن تميم، وجماعةٌ من الصَّحابة والتابعين، وعَمْرٌو هذا وأبوه وجدُّه منهم، وتشتبه هذه النِّسبة بالمأربيِّ -بالهمزة والرَّاء والباء الموحدة- نسبة
_________________
(١) ليست في "ح".
(٢) انظر ترجمته في: "التاريخ الكبير" للبخاري (٦/ ٣٨٢)، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (٦/ ٢٦٩)، و"الثقات" لابن حبان (٧/ ٢١٥)، و"تهذيب الكمال" للمزي (٢٢/ ٢٩٥)، و"تهذيب التهذيب" لابن حجر (٨/ ١٠٤)، و"تقريب التهذيب" له أيضًا (تر: ٥١٣٩).
(٣) وانظر ترجمته في: "الاستيعاب" لابن عبد البر (٣/ ١١٤١)، و"أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير (٤/ ١٣٠)، و"تهذيب الكمال" للمزي (٢١/ ٢٣٧)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (٤/ ٥٨٠)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا (٧/ ٣٦٢)، و"تقريب التهذيب" له أيضًا (تر: ٤٨٤٢).
(٤) وانظر ترجمته في: "التاريخ الكبير" للبخاري (٨/ ٢٩٥)، و"تهذيب الكمال" للمزي (٣١/ ٤٧٤)، و"الكاشف" للذهبي (تر: ٦٢١٨)، و"تهذيب التهذيب" لابن حجر (١١/ ٢٢٧)، و"تقريب التهذيب" له أيضًا (تر: ٧٦١٢).
[ ١ / ٩٥ ]
إلى "مأرب": ناحية بـ "اليمن"، وهي التي استقطع أبيض بن حمال النبيّ - ﷺ - ملحها، وقد يقال في النِّسبة إليها: المآربي -بالمدِّ على الجمع- والله أعلم -.
وأمَّا عبدُ الله بن زيد، فهو ابنُ زيدِ بنِ عاصمِ بنِ كعب بن عمرو بن عوف بنِ مبذولِ بنِ عَمْرِو بنِ غُنَيْمِ بنِ مازنِ بن النَّجَّارِ الأنصاريُّ المازنيُّ المدنيُّ، أمُّه أمُّ عُمارة نَسِيبة -بفتح النُّون وكسر السِّين- بنتُ كعبِ بنِ عَمْرِو بنِ عوفٍ، شهدَ أُحُدًا مع النبي - ﷺهو وأمُّه أُمُّ عُمارة، فرُويَ أنَّ النبي - ﷺ - قال يومئذٍ: "رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ" (١)، وليس هو راوي حديثِ الأذانِ، وإن كان قاله: سفيانُ بنُ عُيينة، فإنّه وَهم، بل راوي حديث الأذانِ عبدُ اللهِ بنُ زيدِ بنِ عبدِ ربِّه بنِ ثعلبةَ بنِ زيدِ بنِ الحارثِ بنِ الخزرجِ، أبو محمَّدٍ الأنصاريُّ الخزرجيُّ، شهد العقبةَ وبدرًا، وكانت رؤياه الأذانَ في السَّنة الأولى من الهجرة بعدَ بناءِ رسول الله - ﷺ - مسجدَه، وقال - ﷺ -: "هَذ رُؤْيا حَقٍّ" (٢)، وأمر فنُودي به على ما رأى، وتوفي بالمدينة سنةَ اثنتين وثلاثين وهو ابنُ أربع وستِّين سنةً، وصلَّى عليه عثمانُ بن عفَّان، قال التِّرمذيُّ: سمعت البخاريَّ يقول: لا يُعرف لعبدِ الله بنِ زيدِ بنِ عبدِ ربِّه إلا حديثُ الأذان (٣).
وأمَّا راوي حديث الوضوء، فروَى له أصحابُ الكتب الستَّة، وروى له البخاريُّ ومسلمٌ ثمانيةَ أحاديثَ، وقُتل يومَ الحرَّة في أواخر ذي الحجَّة سنةَ ثلاثٍ وستين وهو ابنُ سبعينَ سنةً (٤)، قال أبو حاتم بن حِبَّانَ: سُمِّيت هذه الوقعةُ بيوم
_________________
(١) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٨/ ٤١٥)، بلفظ: "بارك الله عليكم من أهل البيت، رحمكم الله أهل البيت".
(٢) رواه أبو داود (٤٩٩)، كتاب: الصلاة، باب: كيف الأذان، والترمذي (١٨٩)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في بدء الأذان، وقال: حسن صحيح، والإمام أحمد في "المسند" (٤/ ٤٢)، وابن خزيمة في "صحيحه" (٣٧٠)، وابن حبان في "صحيحه" (١٦٧٩)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٣٩٠).
(٣) انظر: "سنن الترمذي" (١/ ٣٦١). قال الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" (١/ ١٩٨): وفيه نظر؛ فإن له عند النسائي وغيره حديثًا غير هذا في الصدقة، وعند أحمد آخر في قسمة النبي - ﷺ - شعره وأظفاره وإعطائه لمن لم تحصل له أضحية.
(٤) وانظر ترجمته في: "الثقات" لابن حبان (٣/ ٢٢٣)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (٣/ ٩١٣)،=
[ ١ / ٩٦ ]
الحرَّة؛ لأنَّ يزيدَ بنَ معاوية بعثَ جيشَه يريدُ المدينة، وعليهم صخرُ بنُ أبي الجَهْم، فتُوفِّيَ صخرٌ قبلَ مسيرِ الجيش إليها، فاستعمل يزيدُ عليهم بعده مسلم بن عقبة المزني، فسار بهم حتَّى نزل المدينة، فقاتلهم حتَّى هزمَهم، وأباح المدينةَ ثلاثَةَ أيَّام، فسمِّيت هذه الوقعةُ وقعةَ الحرَّة (١)، فهما متفقان في الاسم واسم الأب والقبيلة، ومفترقان في اسم الجدِّ والبطن من القبيلة.
فالأول: مأربي، والثاني: حارثي، وكلاهما أنصاريان خزرجيان، فيدخلان في نوعِ المتفق المفترق من علوم الحديث - والله أعلم -.
وأمَّا ألفاظه، فقوله: "دعا بتَوْرٍ مِنْ صُفْرِ"، التَّوْرُ: مثلُ الإِجَّانَةِ تشبهُ القِدْرَ، ويكون من حجارةٍ ومن نُحاس (٢).
وقال شيخنا أبو الفتح القاضي: هو الطَّسْتُ (٣).
والصُّفْر -بضم الصاد وكسرها، والضَّمُّ أفصحُ وأشهرُ -هو النُّحاس، وسمِّي النُّحاسُ شَبَهًا -بفتح الشِّين والباء، وبكسر الشِّين وإسكان الباء -سُمِّي به لكونه يشبه لون الذَّهب.
وقوله في الرِّواية الأولى: "فَدَعا بِتَوْرٍ مِنْ ماءٍ"؛ أي: من إناء من ماء، على حذف المضاف، وهو نوع من المجاز، واستعمل الحقيقة في الرِّواية، الرواية الثَّانية في قوله: في تورٍ من صُفْر.
وتقدَّم الكلام على المضمضة والاستنشاق والاستنثار.
قوله: "ثم أَدْخَلَ يَدَهُ"؛ يعني: "في التَّوْرِ"، فأقبل بهما وأدبرَ مرَّة واحدة،
_________________
(١) =و" أسد الغابة" لابن الأثير (٣/ ٢٥٠)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (١/ ٢٥٢)، و"تهذيب الكمال" للمزي (١٤/ ٥٣٨)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٢/ ٣٧٧)، و"الوافي بالوفيات" للصفدي (١٧/ ٩٧)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (٤/ ٩٨)، و"تهذيب التذهيب" له أيضًا (٥/ ١٩٦).
(٢) انظر: "الثقات" لابن حبان (٢/ ٣١٣ - ٣١٤).
(٣) انظر: "لسان العرب" لابن منظور (٤/ ٩٦)، (مادة: تور).
(٤) انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق العيد (١/ ٤٠).
[ ١ / ٩٧ ]
اختلفَ الفقهاءُ في كيفية الإقبال والإدبار، هل هو بالنِّسبة إلى الرَّأس، أو بالنِّسبةِ إلى الشَّعر، أو بالنِّسبة إلى النَّاصية إلى الوجه، ثُمَّ إلى مؤخر الرَّأس، ثُمَّ إلى ما بدأ منه؟ على ثلاثة مذاهب.
وهذا الحديث مطلقٌ في الإقبال والإدبار من غير تحديد ابتداء غايةٍ وانتهائِها في الرَّأس، لكنَّه ذكره في الرِّواية الثانية في قوله: بدأ بمقدَّمِ رأسِه حتَّى ذهب بهما إلى قفاه، ثمَّ ردَّهما حتَّى رجع إلى المكان الَّذي بدأ منه، فهذه الرِّواية ظاهرةٌ في الأول، وهو مذهبُ الشّافعي ومالكٍ - رحمهما الله -، وهو أنَّهما قالا: يبدأ بمقدَّم الرَّأس الَّذي يلي الوجهَ، ويذهبُ إلى القفا، ثُمَّ يردُّهما إلى المكان الَّذي بدأ منه، وهو مبتدأ الشَّعر من حدِّ الوجه، ولو لم تردْ روايةُ التَّحديد بالابتداء والانتهاء، لكانَ للإطلاق في الرواية الأولى جوابا من حيث إنّهم قالوا: الإقبال لا يكون ابتداؤه إلا من مؤخَّر الرَّأس، والإدبار لا يكون ابتداؤه إلا من مقدَّم الرَّأس لو سلم، مع أنَّهم استدلُّوا عليه بروايةٍ وردت في حديث الرُّبَيِّعِ بنْتِ مُعَوِّذٍ - ﵂ - حسنةٍ، رواها عنها أبو داود والتِّرمذيّ وابن ماجَهْ، وحسَّنها الترمذيُّ وقال: حديثُ عبدِ الله بنِ زيدٍ أصحُّ من هذا وأجودُ إسنادًا (١)، وهي أنَّه بدأ بمؤخَّر رأسه، ثُمَّ بمقدَّمه، وهي محمولة على الجواز، لا على الأفضل، أو على حالة أو وقت، فلا يعارض ذلك الرِّواية المفسَّرة عن عبد الله بن زيد، والجوابُ عن رواية الإطلاق في الإقبال والإدبار أن الواو لا تدلُّ على التَّرتيب، ويؤيد عدمه ثبوت التَّقييد بالغاية ابتداءً وانتهاءً في الرِّواية الثانية، ويصحُّ -أيضًا- جعلُ الإقبال من جهة الشَّعر من منابته من جهة القفا، والإدبار إليه على معنى الفرق بين الذَّهاب إليه والوصول، وهو بعيد؛ للبدأة بالرَّأس لا بالشَّعر في رواية الكتاب - والله أعلم -.
وفي هذا الحديث دليلٌ على: جواز الاستعانة بإحضار الماء للطهارة بلا كراهة.
_________________
(١) رواه أبو داود (١٢٦)، كتاب: الطهارة، باب: صفة وضوء النبي - ﷺ -، والترمذي (٣٣)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء أنه يبدأ بمؤخر الرأس، وابن ماجه (٣٩٠)، كتاب: الطهارة، باب: الرجل يستعين على وضوئه فيصب عليه.
[ ١ / ٩٨ ]
وفيه: جواز الوضوء من آنية النحاس وما أشبهه.
وفيه: تعليم المتعلِّمين بالفعل إذا كان الفعل أبلغَ في الفهم من القول.
وفيه: إلقاء الماء على اليد قبل إدخالها في الإناء في ابتداء الطهارة.
وفيه: جواز إدخالها الإناءَ بعد ذلك.
وفيه: أنَّ نيَّة الاغتراف لا تجب؛ لأنّه لو وجبت، لنُقل.
وفيه: أن الفقهَ اللازم عن الذِّهن من غير أصلٍ شرعيٍّ لا يُعمل به، بل يكونُ العملُ به بدعةً، ويكونُ ذكرُه لتشحيذ الذِّهن، لا لحكم شرعيٍّ.
وفيه: جواز التَّثليث في بعض أعضاء الوضوء دون بعض.
وفيه: الفرقُ بين الاستنشاق والاستنثار.
وفيه: غسل الرِّجْلَين.
وفيه: استقبال الرَّأس واستدباره في مسحه إذا كان له شعر، فلو كان محلوقًا قد نبت يسيرًا، فلا بأس به، ولو كان فاسد المنبت، لم يُستحب، ويكون الحديثُ خرج مخرجَ الغالب.
وفيه: إتيان الكبير إلى أتباعه، وابتداؤهم إيّاه بإحضار ماء الوضوء إذا علموا أنَّ به حاجةً إليه.
* * *