عن أبي جعفرٍ محمدِ بنِ عليِّ بنِ الحسينِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالب - ﵃ -: أنه كان هو وأبوه عند جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، وعندَه قومُه؛ فسألوه عن الغُسلِ؛ فقال: يَكْفِيكَ صَاعٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: ما يَكْفِيني، فَقَالَ جابِرٌ: كَانَ يَكْفِي مَنْ هُوَ أَوْفَى مِنْكَ شَعَرًا، وخَيْرًا مِنْكَ - يريدُ: النبيَّ - ﷺ -، ثُمَّ أَمَّنا في ثَوْبٍ (١).
_________________
(١) رواه البخاري (٢٤٩)، كتاب: الغسل، باب: الغسل بالصاع ونحوه.
[ ١ / ٢٢٩ ]
وفي لفظٍ: كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يُفْرِغُ على رَأسِه ثَلاثًا (١).
الرجل الذي قال: ما يكفيني؛ هو: الحسنُ بنُ محمدِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، أبوه هو ابنُ الحنفية.
أمَّا أبو جعفرٍ محمدُ بنُ عليٍّ: فهو: قرشيٌّ، هاشميٌّ، مدنيٌّ، تابعيٌّ جليل، يعرف بالباقر.
قال الواقدي: سُمِّي به؛ لأنه بَقَرَ العلمَ، وعرفَ أصلَه؛ أي: شقَّه، وفتحَه.
وكان - ﵀ - خيرَ محمدٍ على وجه الأرض في زمنه؛ متفق على إمامته، وجلالته، وتوثيقه.
روى له الأئمة، منهم: البخاري، ومسلم (٢).
وأمَّا أبوه عليُّ بنُ الحسينِ: فكنيته: أبو الحسين، ويقال: أبو الحسن، ويقال: أبو محمد؛ تابعيٌّ جليل، يعرف بزين العابدين، وكان ثقةً، مأمونًا، كثيرَ الحديث، عاليًا، رفيعًا.
قال يحيى بنُ سعيد: كان أفضلَ هاشميٍّ أدركته؛ يقول: يا أيها الناس! أَحِبُّونا حُبَّ الإسلام؛ فما بَرِحَ حُبُّكم حتى صار علينا عارًا!
وقال شيبةُ بنُ نعامةَ: كان عليُّ بنُ الحسين يُبَخَّلُ؛ فلما مات، وجدوه يقوت مئةَ أهلِ بيتٍ بالمدينة في السرِّ.
مات سنةَ أربعٍ وتسعين بالمدينة، وكان يقال لهذه السنة: سنة الفقهاء؛ لكثرة من مات فيها منهم.
روى له: الأئمة، والبخاري، ومسلم (٣).
_________________
(١) رواه البخاري (٢٥٢)، كتاب: الغسل، باب: من أفاض على رأسه ثلاثًا، ومسلم (٣٢٩)، كتاب الحيض، باب: استحباب إفاضة الماء على الرأس وغيره ثلاثًا، واللفظان للبخاري.
(٢) وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٥/ ٣٢٠)، و"حلية الأولياء" لأبي نعيم (٣/ ١٨٠)، و"تهذيب الكمال" للمزي (٢٦/ ١٣٦)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٤/ ٤٠١)، و"تهذيب التهذيب" لابن حجر (٩/ ٣١١)، و"تقريب التهذيب" له أيضًا (تر: ٦١٥١).
(٣) وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٥/ ٢١١)، و"حلية الأولياء" لأبي نعيم =
[ ١ / ٢٣٠ ]
وأمَّا الحسين: فكنيته: أبو عبد الله، وهو سبطُ رسول الله - ﷺ -، ورَيحانتهُ.
روى عن رسول الله - ﷺ -: ثمانيةَ أحاديثٍ؛ رويا له عن أبيه.
وَوُلِدَ لخمسٍ خَلَوْنَ من شعبان، سنة أربعٍ، وقيل: ثلاث.
وقُتِلَ يومَ عاشوراءَ يوم السبت، وقيل: يوم الجمعة بكربلاء من أرض العراق، سنة إحدى وستين؛ وهو ابنُ ثمانٍ وخمسين سنةً، وقيل غيره؛ قتَلَه: سِنَانُ بنُ أنس النَّخَعِي.
قال أبو حاتم بنُ حِبَّان - ﵀ -: وجثَّته بكربلاء، واختلف في موضع رأسه:
فمنهم من زعم: أنَّ رأسهَ على رأس عمود في مسجد جامع دمشق على يمين القبلة؛ وقد رأيت ذلك العمود.
ومنهم من زعم: أَنَّ رأسَه في البرج الثالث من السور على باب الفراديس بدمشق.
ومنهم من زعم: أَنَّ رأسه في قبر معاوية؛ وذلك أَنَّ يزيدَ دفن رأسه في قبر أبيه، وقال: أحصنه بعد الممات، هذا آخر كلامه.
وأمَّا ما يقوله أهل مصر: إنَّه بها مدفون؛ فباطل، لا أصل له، ولا خلاف في بطلانه عند العلماء، والله أعلم (١).
وكان بينه وبين الحسن طُهْرٌ واحد.
_________________
(١) = (٣/ ١٣٣)، و"تاريخ دمشق" (٤١/ ٣٦٠)، و"تهذيب الكمال" للمزي (٢٠/ ٣٨٢)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٤/ ٣٨٦)، و"تهذيب التهذيب" لابن حجر (٧/ ٢٦٨).
(٢) وانظر ترجمته في: "التاريخ الكبير" للبخاري (٢/ ٣٨١)، و"حلية الأولياء" لأبي نعيم (٢/ ٣٩)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (١/ ٣٩٢)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (١٤/ ١١١)، و"تهذيب الكمال" للمزي (٦/ ٣٩٦)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٢/ ٢٨٠)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (٢/ ٢٤)، و"البداية والنهاية" لابن كثير (٨/ ١١)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (٢/ ٧٦)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا (٢/ ٢٩٩).
[ ١ / ٢٣١ ]
وأمُّهما: فاطمة الزهراء بنة رسول الله - ﷺ -، وكان النبيُّ - ﷺ - يقول: "اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهما؛ فَأَحِبَّهما" (١).
وقال - ﷺ -: "حُسَيْنٌ مِنِّي، وأَنا من حُسَيْنٍ، أَحَبَّ اللهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَينًا؛ حسينٌ سِبْطٌ مِنَ الأَسْبَاط" (٢).
وقال - ﷺ -: "ابْنايَ هذان سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ، إلَّا ابْنَيِ الخَالَةِ؛ عيسى، ويحيى" (٣).
وأما الرجل الذي قال: ما يكفيني:
فكنيته: أبو محمدٍ الحسنُ بنُ محمدِ بنِ الحنفيَّةِ؛ وهو أخو عبد الله بنِ محمد بنِ الحنفيَّة، وكان الحسنُ هذا يقدَّمُ على أخيه في الفضل.
وهو: تابعيٌّ، مدنيٌّ، ثقةٌ من أوثق الناس، كان الزهري يُعَدُّ من غِلمانه؛ يعني: في العلم.
مات سنة مئة، أو تسع وتسعين.
روى له الأئمة، منهم: البخاري، ومسلم (٤).
وأمَّا أبوه محمدُ بنُ عليِّ بن أبي طالب:
فكنيته: أبو القاسم، ويقال: أبو عبد الله، يُعرف: بابن الحنفية؛ واسمها:
_________________
(١) رواه الترمذي (٣٧٦٩)، كتاب: المناقب، باب: مناقب الحسن والحسين، وابن حبان في "صحيحه" (٦٩٦٧)، عن أسامة بن زيد - ﵁ -.
(٢) رواه الترمذي (٣٧٧٥)، كتاب: المناقب، باب: مناقب الحسن والحسين - ﵄ -، وقال: حسن، وابن ماجه (١٤٤) في المقدمة، والإمام أحمد في "المسند" (٤/ ١٧٢)، وابن حبان في "صحيحه" (٦٩٧١)، والحاكم في "المستدرك" (٤٨٢٠)، عن يعلى بن مرة - ﵁ -.
(٣) رواه النسائي في "السنن الكبرى" (٨١٦٩)، وابن حبان في "صحيحه" (٦٩٥٩)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٦٠٣)، والحاكم في "المستدرك" (٤٧٧٨)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٨/ ٧١)، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -.
(٤) وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٥/ ٣٢٨)، و"التاريخ الكبير" للبخاري (٢/ ٣٠٥)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (١٣/ ٣٧٣)، و"تهذيب الكمال" للمزي (٦/ ٣١٦)، و"سير أعلام النبلاء" (٤/ ١٣٠)، و"تهذيب التهذيب" لابن حجر (٢/ ٢٧٦).
[ ١ / ٢٣٢ ]
خَوْلَةُ بنتُ جعفرِ بنِ قيسِ بنِ مسلمِ بنِ ثعلبةَ بنِ يربوعِ بنِ ثعلبةَ بنِ الدؤلِ بنِ حنيفةَ؛ كانت من سبي اليمامة.
وروت عن أبيه علي بن أبي طالب - ﵁ -، قال: قلت للنبيِّ - ﷺ -: إِنْ وُلدَ لي بَعْدك ولد، أُسميه باسمك، وأُكَنِّيه بكنيتك؟ قال: "نعم" (١).
وقال إبراهيمُ بنُ عبدِ الله بنِ الجنيدِ الخَتْلِيُّ: لا نعلم أحدًا أسندَ عن علي عن النبي - ﷺ - أكثرَ، ولا أصحَّ، مما أَسندَ محمدُ بن الحنفية.
روى له: البخاري، ومسلم، وغيرهما من الأئمة.
قال أبو نعيم، وعمرو بن علي: مات سنةَ أربعَ عشرةَ ومئة، وقال البخاري: قال أبو نعيم: مات سنة ثمانين، وقال يحيى بن بكير: مات سنة إحدى وثمانين (٢).
وأما جابرُ بنُ عبد الله:
فكنيته: أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد، أنصاريٌّ؛ خزرجيٌّ، سُلَمي، مدنيٌّ.
وهو: ابنُ عبدِ الله بنِ عمرِو بن حَرامِ بنِ عمرِو بنِ سَوادِ بنِ سلمةَ، وهو من بني جُشمِ بنِ الخزرج.
وهو من أكثر الصحابة حديثًا؛ رُوي له عن رسول الله - ﷺ -: ألفُ حديث، وخمسُ مئة حديث، وأربعون حديثًا.
أخرج له البخاري، ومسلم منها: مئتين وعشرة أحاديث؛ اتفقا على: ثمانية
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٩٦٧)، كتاب: الأدب، باب: في الرخصة في الجمع بينهما، والإمام أحمد في "المسند" (١/ ٩٥)، والبخاري في "الأدب المفرد" (٨٤٢)، والحاكم في "المستدرك" (٧٧٣٧).
(٢) وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٥/ ٩١)، و"حلية الأولياء" لأبي نعيم (٣/ ١٧٤)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (٥٤/ ٣١٨)، و"صفة الصفوة" لابن الجوزي (٢/ ٧٧)، و"تهذيب الكمال" للمزي (٢٦/ ١٤٧)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٤/ ١١٠)، و"تهذيب التهذيب" لابن حجر (٩/ ٣١٥).
[ ١ / ٢٣٣ ]
وخمسين، وانفرد البخاري: بستة وعشرين، ومسلم: بمئة وستة وعشرين.
وروى -أيضًا- عن: أبي بكر، وعمر، وعلي، وجماعة من الصحابة.
روى عنه: خلقٌ من التابعين.
وغزا رسولُ الله - ﷺ - بنفسه: إحدى وعشرين غزوة؛ شهد جابرٌ منها معه: تسعَ عشرةَ.
استغفر له رسول الله - ﷺ - خمسةً وعشرين مرةً ليلةَ العقبة.
مات سنةَ ثمانٍ، أو تسعٍ وسبعين؛ بعد أن عَمِي، وكان يخطب بالجمرة، وسنه يوم مات: أربع وتسعون سنة، وصلى عليه: أَبَانُ بنُ عثمانَ؛ وهو والي المدينة يومئذٍ.
وروى له: أصحاب المساند والسنن (١).
أمَّا لفظه:
فالصَّاعُ: مكيال معروف -يُذَكَّر، ويؤنث-، ويقال فيه أيضًا: صوع، وصُواع؛ ثلاثُ لغات؛ وهو: أربعةُ أمدادٍ بِمُدِّ النبيِّ - ﷺ -؛ وهو هنا: خمسةُ أرطال وثلثٌ بغدادية؛ كما في الفطرة، وفدية الحج، وغيرها، وقيل: ثمانية أرطال.
والمدُّ: ربعُ صاع؛ وهو رطلٌ وثلثٌ، وهو معتبر على التقريب، لا على التحديد؛ هذا هو الصواب المشهور، وذكر بعض أصحابنا وجهًا: أنَّ المدَّ رِطْلان (٢).
_________________
(١) وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (١/ ٦٤٨)، و"التاريخ الكبير" للبخاري (٢/ ٢٠٧)، و"الثقات" لابن حبان (٣/ ٥١)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (١/ ٢١٩)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (١١/ ٢٠٨)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (١/ ٤٩٢)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (١/ ١٤٩)، و"تهذيب الكمال" للمزي (٤/ ٤٤٣)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٣/ ١٨٩)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (١/ ٤٣٤)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا (٢/ ٣٧).
(٢) انظر: "تحرير ألفاظ التنبيه" للنووي (ص: ١١٠)، و"النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (٣/ ٦٠)، و"لسان العرب" لابن منظور (٣/ ٤٠٠).
[ ١ / ٢٣٤ ]
وأمَّا حكمُ الحديث:
فاعلم أنه: ليس الصاع؛ مذكورًا لبيان أقل ما يكفي من الماء في الغسل. وقد أجمع العلماء على أن الماء المجرى في الوضوء، والغسل، غير مقدر؛ بل يكفي فيه القليل، والكثير؛ ممَّا يسمى غسلًا، ووضوءًا، إذا وجد الإسباغ بجريانِ الماء على الأعضاء؛ فمتى حصل ذلك، تأدَّى الواجب؛ وإن لم يَبُلُّ الثرى.
قال الشَّافعي - ﵀ -: وقد يُرْفَق بالقليل؛ فيكفي، ويُخْرَق بالكثير؛ فلا يكفي (١).
لكن قال العلماء: والمستحبُّ ألا يَنْقُصَ ماءُ الغسلِ عن صاعٍ، ولا ماءُ الوضوء عن مُدٍّ، وقد تقدم مقدارهما، والاختلاف فيه.
وهذا الحديث أحدُ ما يدلُّ على الصاع، وقد دلت الأحاديث في "سنن أبي داود"، وغيره على مقادير مختلفة، وذلك - والله أعلم -؛ لاختلاف الأوقات، والحالات؛ وهو دليل على عدم التحديد فيه.
وأجمع العلماء على النهي عن الإسراف في الماء؛ لو كان على شاطئ البحر، وهل النهي للتحريم، أو لكراهة التنزيه؟ وجهان لأصحاب الشافعي، أظهرهما: للتنزيه، والثاني: للتحريم، والله أعلم.
وفي الحديث:
بيان ما كان عليه الصحابة، وغيرُهم من العلماء من رجوعهم إلى أقوال النبي - ﷺ -، وأفعاله، وحالاته؛ فإنَّ جابرًا - ﵁ - لما كان عنده آلُ عليِّ بن أبي طالب، وسألوه عن الغسل، وأجابهم بالصاع؛ فأجابه أحدهم بعدم الكفاية، فردَّ عليه جابر بفعل النبي - ﷺ -، وحاله، [وأنه - ﷺأوفى منه شعرًا، فأفحمه، ورجع إليه.
_________________
(١) انظر: "الأم" للإمام الشافعي (١/ ٢٨).
[ ١ / ٢٣٥ ]
وفيه: جواز الصلاة] (١) في ثوب واحد؛ وإن كان المصلي إمامًا.
وفيه: المباحثة في العلم، والسؤال عنه؛ وإن كان السائل أشرف نسبًا.
وفيه: جواز الرد بعنف؛ إذا كان حقًّا وصوابًا في إبلاغ الحق، وإيصاله إلى المردود عليه.
وفيه: وجوب الوقوف عند الحق من غير ممانعة، وجدال، والله أعلم.
° ° °
_________________
(١) ما بين معكوفين ساقط من "ش".
[ ١ / ٢٣٦ ]