عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَباسٍ -﵄- قالَ: شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّون، وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ: أَنَّ رَسولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ، وبَعْدَ العَصْرِ حَتى تَغْرُبَ (١).
عَنْ أَبي سَعيدِ الخُدْرِي -﵁- عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، قال: "لا صَلاَةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حتَّى تَرْتَفعَ الشمْسُ، ولاَ صَلاَةَ بَعْدَ العَصْرِ حتى تَغِيبَ الشمْسُ" (٢).
وفي الباب: عن علي بنِ أبي طالبِ، وعبدِ الله بنِ مسعودِ، وعبدِ الله بنِ عمرَ بنِ الخطاب، وعبدِ الله بنِ عمرِو بنِ العاص، وأبي هريرةَ، وسَمُرَةَ بنِ جندب، وسلمةَ بنِ الأكوعِ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، ومُعاذِ بنِ عفراءَ، وكعبِ بنِ مُرَّةَ، وأبي أمامةَ الباهلي، وعمرِو بنِ عَبَسَةَ السلمي، وعائشةَ، والصُّنابِحِي، ولم يسمع من النبي - ﷺرضي الله عنهم-.
أما ابنُ عباسِ، وعليٌّ، وابنُ مسعودِ، وابنُ عُمَرَ، وابنُ عَمْرِو، وأبو هريرةَ، وعائشةُ؛ فتقدم ذكرهم.
وأما أبو سعيدِ:
فاسمه: سعدُ بنُ مالكِ بنِ سنانَ بنِ عبيدِ بنِ ثعلبةَ بنِ عبيدِ بنِ الأَبْجَر وهو خدرةُ بنُ عوفِ بنِ الحارثِ بنِ الخزرجِ، الأنصاري، وهو وأبوه صحابيان.
استشهد أبوهُ مالك يومَ أُحد، وكان يقال له: سعدُ بنُ الشهيد؛ إشارة إلى جده سنان، استُصْغِر يومَ أُحدٍ فَرُدَّ، وغزا بعدَ ذلك مع رسول الله - ﷺ - اثنتي عشرةَ غزوةً.
_________________
(١) رواه البخاري (٥٥٦)، كتاب: مواقيت الصلاة، باب: الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس، ومسلم (٨٢٦)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، وهذا لفظ البخاري.
(٢) رواه البخاري (٥٦١)، كتاب: مواقيت الصلاة، باب: لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس، ومسلم (٨٢٧)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، وهذا لفظ البخاري.
[ ١ / ٣٢٠ ]
وهو من أكثر الصحابة حديثًا، رُوي له عن رسول الله - ﷺ -: ألف حديثٍ ومئةُ حديثٍ وسبعون حديثًا؛ اتفق البخاري ومسلم على: ستة وأربعين حديثًا، وانفرد البخاري: بستةَ عشرَ حديثًا، ومسلمٌ: باثنين وخمسين حديثًا.
وروى عنه من الصحابة: عبدُ الله بنُ عمر، وجابرُ بنُ عبد الله، وزيدُ بنُ ثابت، وعبدُ الله بنُ عباسٍ، وأبو أمامةَ سهلُ بنُ حُنيفٍ، وخلقٌ كثير من التابعين.
وكان ممن بايع النبي - ﷺ - هو وخمسة على: ألا تأخذهم في الله لومة لائم، منهم: أبو ذر، وسهل بن سعد، وعبادة بن الصامت.
وروى حنظلةُ بنُ أبي سفيانَ الجمحيُّ، عن أشياخه قالوا: لم يكن أحد من أحداث أصحاب رسول الله - ﷺ - أفقهَ من أبي سعيد، وفي رواية: أعلم.
وروى له: أصحاب السنن والمساند.
مات بالمدينة يومَ جمعة، سنةَ أربعٍ وستين، وقيل: وسبعين؛ وهو ضعيف، ابنَ أربعٍ وسبعين سنة، ودفن بالبقيع.
وأما الخُدْرِيُّ -بضم الخاء المعجمة، وسكون الدال المهملة، وبالراء، ثم ياء النسب-، فنسبة: إلى خُدرة جد من أجداده، وخدرة، وخدارة: أخوان بطنان من الأنصار، أبو مسعود الأنصاري: من خدارة، وأبو سعيد: من خدرة؛ وهما: ابنا عوف بن الحارث بن الخزرج.
قال أبو عمر بن عبد البر: كان أبو سعيد من الحفاظ، المكثرين، العلماء، الفضلاء، العقلاء (١).
_________________
(١) وانظر ترجمته في: "التاريخ الكبير" للبخاري (٤/ ٤٤)، و"الثقات" لابن حبان (٣/ ١٥٠)، و"المستدرك" للحاكم (٣/ ٦٥٠)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (٢/ ٦٠٢)، و"تاريخ بغداد" للخطيب (١/ ١٨٠)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (٢٠/ ٣٧٣)، و"صفة الصفوة" لابن الجوزي (١/ ٧١٤)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (٦/ ١٣٨)، و" تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (٢/ ٥١٨)، و"تهذيب الكمال" للمزي (١٠/ ٢٩٤)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٣/ ١٦٨)، و"تذكرة الحفاظ" له أيضًا (١/ ٤٤)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (٣/ ٧٨)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا (٣/ ٤١٦).
[ ١ / ٣٢١ ]
وأما سمرة بن جندب: فاختلف في كنيته؛ فقيل: أبو سعيد، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو سليمان، ويقال: جندب -بضم الجيم، وبضم الدال، وفتحها-. وهو سمرةُ بنُ جندبِ بنِ هلالِ بنِ خديجِ بنِ مُرَّةَ بنِ حزمِ بنِ عمرِو بنِ جابرِ بنِ ذي الرئاستين الفزاري، حليف الأنصار. رُويَ له عن رسول الله - ﷺ -: مئةُ حديثٍ وثلاثةٌ وعشرون حديثًا؛ اتفق البخاري، ومسلم: على حديثين، وانفرد البخاري: بحديثين، ومسلم: بأربعة، روى عنه: عمران بنُ حُصين، وجماعةٌ من التابعين، وروى له: أصحاب السنن والمساند. وكان يسكن البصرة، ومات بها سنة ثمان وخمسين في آخر خلافة معاوية، سقط في قدر مملوءٍ ماءً حارًا؛ كان يتعالج بالقعود عليها من كراز شديد أصابه؛ فسقط في القدر الحارِّ، فمات؛ فكان ذلك تصديقًا لقول رسول الله - ﷺ - له، ولأبي هريرة، وثالثٍ معهما: "آخرُكم موتًا في النار" (١). وقال محمد بن سيرين: كان سمرة -ما علمت- عظيمَ الأمانة، صدوقَ الحديث، يحب الإسلام وأهلَه (٢).
وقال [أبو] عمر بن عبد البر: وكان سمرةُ من الحفاظ المكثرين عن رسول الله - ﷺ -.
وقال سمرة: لقد كنتُ على عهد رسول الله - ﷺ -، وكنتُ أحفظ عنه، وما يمنعني من القول إلا أن هاهنا رجالًا هم أسن مني، ولقد صليت مع
_________________
(١) رواه البخاري في "التاريخ الأوسط" (١/ ١٠٦)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (٦٢٠٦).
(٢) رواه ابن شاهين في "تاريخ أسماء الثقات" (ص: ٢٦٩)، وابن عبد البر في "الاستيعاب" (٢/ ٦٥٣ - ٦٥٤).
[ ١ / ٣٢٢ ]
رسول الله - ﷺ - على امرأة في نفاسها؛ فقام عليها للصلاة وسطَها (١).
وأما سَلَمَةُ بنُ الأكَوَعِ:
فكنيته: أبو إِياس، بابنه إياس؛ وهو الأكثر، وقيل: أبو مسلم؛ وهو مرجَّح عند جماعة، ويقال: أبو عامر.
والأكوع: جدُّه، وهو لقبٌ له، وهو سلمةُ بنُ عمرِو بنِ سنانَ، وهو اسمُ الأكوعِ بنِ عبدِ الله بنِ قشيرِ بنِ خزيمةَ بنِ مالكِ بنِ سَلامان بنِ أفصى بنِ خارجةَ بنِ عمرِو بنِ عامرٍ الأسلمي.
شهد معه الرضوان تحت الشجرة، وبايع رسولَ الله - ﷺ - يومئذٍ ثلاث مرات: في أول الناس، وأوسطهم، وآخرهم، وبايعه يومئذ على الموت.
وقال يزيد بن أبي عبيد: قلت لسلمةَ بنِ الأكوع: على أيِّ شيء بايعتم رسولَ الله - ﷺ - يومَ الحديبية؟ قال: على الموت (٢).
وقال سلمةُ: غزوتُ مع رسول الله - ﷺ - سبعَ غزواتٍ، وخرجت فيما بعث من البعوث سبعَ غزواتٍ.
ويقال: إنه شهد مؤتة، وكانت سبب إسلامه؛ فيما ذكره ابن إسحاق: أنه كلمه الذئب.
قال سلمة: رأيت الذئب أخذَ ظبيًا، فطلبتُه حتى نزعتُه منه، فقال: ويحكَ ما لي ولك؟! عمدت إلى رزق رزقنيه اللهُ ليس من مالك، فنزعته مني، قال: قلتُ: يا عبادَ الله! إن هذا لعجب! ذئبٌ يتكلم! فقال الذئب: أعجبُ من هذا أن
_________________
(١) وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٦/ ٣٤)، و"التاريخ الكبير" للبخاري (٤/ ١٧٦)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (٢/ ٦٥٣)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (٢/ ٥٥٤)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (١/ ٢٢٦)، و"تهذيب الكمال" للمزي (١٢/ ١٣٠)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٣/ ١٨٣)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (٣/ ١٧٨)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا (٤/ ٢٠٧).
(٢) رواه البخاري (٣٩٣٦)، كتاب: المغازي، باب: غزوة الحديبية، ومسلم (١٨٦٠)، كتاب: الإمارة، باب: استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال.
[ ١ / ٣٢٣ ]
النبي - ﷺ - في أصول النخل يدعوكم إلى عبادة الله، وتأبَوْن إلا عبادة الأوثان! قال: فلحقتُ برسول الله - ﷺ -، وأسلمت (١).
وقد كلم الذئب رافع بن عميرة، الصحابي -أيضًا-، والله أعلم.
روى سلمةُ عن رسول الله - ﷺ -: سبعةً وسبعين حديثًا؛ اتفقا على: ستةَ عشرَ، وانفردالبخاري: بخمسةٍ، ومسلم: بتسعةٍ.
روى عنه: ابنه إِياس، ومولاه يزيدُ بنُ أبي عبيد، وأبو سلمةَ بنُ عبد الرحمن، وغيرُهم من التابعين.
سكن الرَّبذة، وكان شجاعًا، راميًا، محسنًا، خيرًا، قال ابنه إياس: ما كذب أبي قطُّ، وروى عن أبيه، عن النبي - ﷺ -: أنه قال: "خَيْرُ رَجَّالَتِنَا: سَلَمَةُ ابنُ الأَكْوَعِ" (٢).
مات - ﵀ - سنةَ أربع وسبعين، بالمدينة، وهو ابنُ ثمانين سنة.
روى له: أصحابُ السنن والمساند (٣).
وأما زيدُ بنُ ثابتٍ:
فكنيته: أبو سعيد، وقيل: أبو خارجة؛ بابنهِ، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن.
وهو زيدُ بنُ ثابتِ بنِ الضحَّاكِ بنِ زيدِ بنِ لوذانَ بنِ عمرِو بنِ عبدِ عوفِ ابنِ غنيمِ بنِ مالكِ بنِ النجَّارِ، أنصاريٌّ نجاريٌّ، وقال ابن حِبان: هو من بني سلمة، أحدِ بني الحارث بن الخزرج؛ وهو أخو يزيدَ بنِ ثابتٍ.
_________________
(١) ذكره ابن عبد البر في "الاستيعاب" (٢/ ٦٣٩).
(٢) رواه مسلم (١٨٠٧)، كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة الأحزاب وهي الخندق.
(٣) وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبري" لابن سعد (٤/ ٣٠٥)، و"التاريخ الكبير" للبخاري (٤/ ٦٩)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (٢/ ٦٣٩)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (٢٢/ ٨٣)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (٢/ ٥١٧)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (١/ ٢٢٠)، و"تهذيب الكمال" للمزي (١١/ ٣٠١)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٣/ ٣٢٦)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (٣/ ١٥١)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا (٤/ ١٣٣).
[ ١ / ٣٢٤ ]
قدم إلى رسول الله - ﷺ - المدينة، وهو ابنُ إحدى عشرةَ سنةً، وكان يكتب الوحي للنبي - ﷺ -، وكان -أيضًا-كاتبًا لأبي بكر الصديق، وعمرَ بنِ الخطاب.
وكان عمرُ يستخلفه إذا حجَّ، استخلفه ثلاثَ مراتٍ: مرتين في حجتين، ومرةً في خروجه إلى الشام، وكتب إليه من الشام: إلى زيد بن ثابت، من عمر بن الخطاب، وكان معه لمَّا قَدِمَ من الشام، وخطب بالجابية عند خروجه لفتح بيت المقدس.
وهو الذي تولى قسمةَ غنائم اليرموك، وقُتل أبوه ثابت، يومَ بُعاث: وقعةٍ كانت بين الأوس والخزرج، وعمرُه يومئذٍ ستُّ سنين، وكانت قبل هجرة رسول الله - ﷺ - بخمسِ سنين، وأُتي به إلى رسول الله - ﷺ - وهو غلام قد قرأ ستَّ عشرةَ سورةً.
ولم يجزْهُ رسول الله - ﷺ - في بدر، ولا أحد، وأُجيز في الخندق، وكان ينقل الترابَ يومئذٍ مع المسلمين، وقال أبو عمر بنُ عبد البر: ردَّ رسولُ الله - ﷺ - يومَ بدر جماعةً، منهم: زيدُ بن ثابت، ثم شهدَ أُحدًا، وما بعدها من المشاهد، ورُمِيَ يومَ اليمامة بسهم؛ فلم يضرَّه.
وكان أحد فقهاء الصحابة الجِلَّةِ الفُراضِ، قال رسول الله - ﷺ -: "أَفْرَضُ أُمَّتِي: زَيْدُ بنُ ثابِتٍ" (١).
وكان أبو بكر الصديق - ﵁ - قد أمره بجمع القرآن في الصحف، فكتبه فيها، فلما اختلف الناس في القراءة زمنَ عثمان، واتفق رأيه ورأي الصحابة أن يردَّ القرآن إلى حرف واحد، وقع اختيارهُ على حرف زيد، فأمره أن يُملَّ المصحف على قوم من قريش جمعهم إليه، فكتبوه على ما هو عليه اليوم بأيدي الناس، والأخبارُ بذلك متواترة المعنى، وإن اختلفت ألفاظها.
وكانوا يقولون: غلبَ زيدُ بن ثابت الناسَ على اثنين: القرآنِ، والفرائضِ.
_________________
(١) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٢/ ٣٥٩)، والحاكم في "المستدرك" (٧٩٦٢)، عن أنس بن مالك - ﵁ -.
[ ١ / ٣٢٥ ]
وقال مسروق: قدمتُ المدينة، فوجدت زيدَ بن ثابت من الراسخين في العلم (١).
وقال مالكُ بنُ أنس: كان إمامَ الناس عندنا بعدَ عمرَ بنِ الخطاب: زيدُ بن ثابت؛ يعني: بالمدينة (٢).
قال أبو عمر بن عبد البر: كان عثمانُ يحب زيدَ بن ثابت، وكانَ زيدٌ عثمانيًّا، ولم يكن فيمن شهدَ شيئًا من مشاهد علي مع الأنصار، وكان مع ذلك يفضِّل عليًّا، ويظهر حبَّهُ.
رَويَ له عن رسول الله - ﷺ -: اثنان وسبعون حديثًا؛ اتفقا منها على: خمسةِ أحاديثَ، وانفرد البخاري: بأربعة، ومسلم: بحديث.
ورَوى عنه من الصحابة: عبدُ الله بن عمر، وأنسٌ، وأبو هريرةَ، وعبدُ الله ابن يزيدَ الخطمي، وسهل بنُ أبي خثمةَ، وسهلُ بنُ سعدِ الساعدي، وسهل ابن حُنيفٍ، وأبو سعيدِ الخدري، وخلقٌ من التابعين، وروى له: أصحابُ السنن والمساند.
ومات بالمدينة سنةَ أربعٍ وخمسين، وقيل: ست، وقيلَ: خمسٍ، وقيل: إحدى، أو اثنتين وخمسين، وقيل: سنةَ خمسٍ وأربعين، وقيل: ثلاثٍ، وقيل: اثنتين وأربعين، وقيل: ابنَ ستٍّ وخمسين، وقيل: أربع وخمسين، وصَلَّى عليه مروان؛ وله بالمدينة عقب، وقُتل يومَ الحرة سبعةٌ من الأَولاد من صلبه (٣).
_________________
(١) رواه سعيد بن منصور في "سننه" (١/ ٥٦)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٢/ ٣٦٠)، والدارمي في "سننه" (٢٨٩١).
(٢) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣١/ ١٦٥).
(٣) وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٢/ ٣٥٨)، و"التاريخ الكبير" للبخاري (٣/ ٣٨٠)، و"الثقات" لابن حبان (٣/ ١٣٥)، و"المستدرك" للحاكم (٣/ ٤٧٥)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (٢/ ٥٣٧)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (١٩/ ٢٩٥)، و"صفة الصفوة" لابن الجوزي (١/ ٧٠٤)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (٢/ ٣٤٦)، و"تهذيب الكمال" للمزي (١٠/ ٢٤)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٢/ ٤٢٦)، و"تذكرة الحفاظ" له أيضًا (١/ ٣٠)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (٢/ ٥٩٢)، و"تهذيب الهذيب" له أيضًا (٣/ ٣٤٤). =
[ ١ / ٣٢٦ ]
وأما مُعاذُ بن عَفراءَ:
فهو منسوب إلى أُمه عفراءَ بِنْتِ عبيدِ بنِ ثعلبةَ بنِ عبيد بن ثعلبة بنِ غنم بن مالك بن النجار.
وهو معاذ بنُ الحارث بن رفاعةَ بن الحارث بن سواد بن مالكِ بنِ غنمِ ابن النجار، الأنصاري؛ وهو داخل في نوع المنسوبينَ إلى غير آبائهم.
شهد بدرًا، والمشاهدَ كلها، ويقال: إنه جرح يوم بدر، فمات منها بالمدينة، وشهد أخواه: معوذ، وعوذ، -ويقال: عوف- بدرًا، وقُتلا شهيدين، وكلهم بنو عفراء، وأبوهم الحارثُ، وقال أبو إسحاق إبراهيمُ بن محمد بنِ الحارثِ الفزاري: يقال: إنه أولُ من أسلم من الأنصار هو ورافع بن مالك الزرقي.
قال الواقدي: وآخى رسولُ الله - ﷺ - بين معاذ بن الحارث ومعمر بن الحارث، ومعاذ وأخوه هما ضربا أبا جهل ببدر حتى برد، وأجهز عليه ابنُ مسعود - ﵁ - بسيفه؛ يعني: سيفَ أبي جهل، فنفَّلَه رسولُ الله - ﷺ - إياه، ولمعاذ بن عفراء.
قال أبو حاتم بن حِبَّان: قُتل معاذ بالحرَّة، سنةَ ثلاث وستين، وقيل: قُتل مع علي بن أبي طالب.
وقال الواقدي: توفي معاذ بعد قتل عثمان أيامَ حرب علي، ومعاوية، وهو معنى قول ابن عبد البر: مات معاذ في خلافة علي.
روى له من أصحاب السنن: النسائي (١).
_________________
(١) وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٣/ ٤٩١)، و"التاريخ الكبير" للبخاري (٧/ ٣٦٠)، و"الثقات" لابن حبان (٣/ ٣٧٠)، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (٨/ ٢٤٥)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (٣/ ١٤٠٨)، و"صفوة الصفوة" لابن الجوزي (١/ ٤٢٧)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (٥/ ١٩٠)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (٢/ ٤٠٥)، و"تهذيب الكمال" للمزي (٢٨/ ١١٥)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (٦/ ١٤٠)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا (١٠/ ١٤٠).
[ ١ / ٣٢٧ ]
وأما كعبُ بنُ مُرَّةَ:
فهو السلمي البهزيُّ، والأكثرون على أنه: كعب بن مرة، وقيل: مرةُ ابن كعب؛ وهو من بهز بن الحارث بن سليم بن منصور، نزل البصرة، ثم سكن الأردن من الشام.
روى عنه: جماعة من التابعين، وروى له: جماعة من أصحاب السنن والمساند.
ومات بالأردن سنةَ سبعٍ، وقيل: سنة تسعٍ وخمسين (١).
وأما أبو أُمامَةَ البَاهِليُّ:
فاسمه صُدَيُّ بنُ عَجلان، ويقال فيه: الصُّدَيُّ -بالألف واللام؛ كالعباس، وعباس-، ولم يذكر الحاكم أبو أحمد في كتابه "الكنى" غيره.
وهو صديُّ بن عجلانَ بنِ والبةَ بنِ رباحِ بنِ الحارثِ بنِ معنِ بنِ مالكِ ابنِ أعصر بنِ سعدِ بن قيسٍ عيلان بن مضر، وقيل في نسبه غير هذا.
وأما الباهلي: فنسبه إلى باهلة، واسمه: مالك بن يعصر بن سعد بن قيس عيلان بن مضر، واتفقوا على أن نسبته باهليٌّ؛ والأكثر على أنه منسوب إلى مالك بن يعصر كما ذكرنا، وقال بعضهم: نسبة إلى باهلة في بني سهم.
سكن أبو أمامة مصر، ثم انتقل إلى حمص، وكان من المكثرين في الرواية عن رسول الله - ﷺ -، وأكثر حديثه عند الشاميين.
رُوي له عن رسول الله - ﷺ -: مئتا حديثٍ وخمسون حديثًا؛ روى له البخاريُّ: خمسةَ أحاديثٍ، ومسلم: ثلاثةً.
روى عنه: جماعة من التابعين الشاميين، وروى له: أصحاب السنن والمساند.
_________________
(١) انظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٧/ ٤١٤)، و"التاريخ الكبير" للبخاري (٨/ ٥)، و"الثقات" لابن حبان (٣/ ٣٥٣)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (٣/ ١٣٢٦)، و"تهذيب الكمال" للمزي (٢٤/ ١٩٦)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (٤/ ٤٦٢)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (٥/ ٦١٢)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا (٨/ ٣٩٥).
[ ١ / ٣٢٨ ]
ومات بحمصَ من الشام: سنة إحدى وثمانين، وقال أبو حاتم بن حِبَّان: سنة ست وثمانين؛ وهو ابنُ إحدى وتسعين سنة، وكان يُصَفِّرُ لحيته، وكان مع عليٍّ بصفِّين.
قال أبو عمر النمري: وأكثرُ حديثه عندَ الشاميين، وهو آخرُ من مات بالشام من أصحاب رسول الله - ﷺ - قول بعضهم (١).
وأما عَمْرُو بن عَبَسَةَ السلميُّ:
فكنيته: أبو نجيح في قول الأكثرين، ويقال: أبو شعيب، وينسبونه: عمرو بن عَبَسَةَ بن عامر بن خالد بن عاصرة بن عتاب بن امرئ القيس بن بُهْثة -بضم الباء، وسكون الهاء، وبالثاء المثلثة- بن سليم بن منصور بن عكرمةَ ابن حفصةَ بن قيس بن عيلانَ بنِ مضرَ.
وقال أبو حاتم بن حِبَّان: عمرو بن عبسة بن خالد بن حذيفة بن عمرو ابن خلف بن مازن بن عامر.
أسلم قديمًا في أول الإسلام، قدم على النبي - ﷺ -، ثم قدم المدينة مهاجرًا، وكان رابع أربعة في الإسلام: النبي - ﷺ -، وأبي بكر، وبلال؛ وهو، وقصته في "الصحيح" مشهورة، وأنه قال للنبي - ﷺ -: من معك على هذا؟ يعني: ما ذُكر له من توحيد الله تعالى، وأن لا يشرك به شيء، وتكسير الأوثان، وحقن الدماء قال - ﷺ -: "حرٌّ وعبدٌ"؛ يعني: أبا بكر، وبلالًا، قلت: ابسطْ يَدَك، أُبايِعك؛ فبايعتُه على الإسلام، قال: فلقد رأيتني، وأنا ربعُ الإسلام (٢).
_________________
(١) انظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٧/ ٤١١)، و"التاريخ الكبير" للبخاري (٤/ ٣٢٦)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (٢/ ٧٣٦)، و"المستدرك" للحاكم (٣/ ٧٤٣)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (٢٤/ ٥٠)، و"صفة الصفوة" لابن الجوزي (١/ ٧٣٣)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (٣/ ١٥)، و"تهذيب الكمال" للمزي (١٣/ ١٥٨)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٣/ ٣٥٩)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (٢/ ٤٦٨)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (٣/ ٤٢٠).
(٢) رواه مسلم (٨٣٢)، كتاب: صلاة المسافر وقصرها، باب: إسلام عمرو بن عبسة - ﵁ -.
[ ١ / ٣٢٩ ]
واستأذن النبي - ﷺ - في المكث معه، أو اللحوق بقومه، فأذن له في الرجوع إلى قومه، فخرج، ثم أتى النبي - ﷺ - قبل فتح مكة، فسكن الشام، وقدم على رسول الله - ﷺ - بعد الحديبية، وكان يسكن صُفَّتَه من أرض بني سليم.
وهو أخو أبي ذر الغفاري لأمه، وأمُّهما: رملةُ بنتُ الوقيعة بن حَرام بن غفار.
رُوي له عن رسول الله - ﷺ -: ثمانية وثلاثون حديثًا، روى له مسلم: حديثًا واحدًا، وروى عنه: جماعة من الصحابة، منهم: عبد الله بن مسعود، وأبو أمامة الباهلي، وسهلُ بن سعد الساعديُّ، وأبو الظبية الكلاعيُّ -بالظاء المعجمة-، وغيرُهم من الصحابة والتابعين.
نزل الشام، ثم سكن حمص إلى أن مات، روى له: أصحاب السنن والمساند.
وأما السُّلَمي: -بضمِّ السين المهملة، وفتح اللام- فهي نسبة إلى سُلَيم، قبيلة؛ وهي سليم بن منصور بن عكرمة، المذكور في نسبه منهم: عمرو بن عبسة، وجماعة من الصحابة، والتابعين، وغيرهم (١).
وأما الصُّنابحيُّ:
-بضم الصاد المهملة، وفتح النون، ثم ألف، ثم باء موحدة، ثم حاء مهملة، ثم ياء النسب- فنسبة إلى الصُّنابحِ: بطنٍ من مراد، واشتُهر بها دون الاسم: عبد الرحمن بن عسيلةَ بن عسل بن عسال، أبو عبد الله الصنابحي المرادي؛ تابعي جليل، إمامٌ مخضرمٌ؛ رحل إلى النبي - ﷺ -، فُقبض النبي - ﷺ -
_________________
(١) وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٤/ ٢١٤)، و"الثقات" لابن حبان (٣/ ٢٦٩)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (٣/ ١١٩٢)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (٤٦/ ٢٤٩)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (٤/ ٢٣٩)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (٢/ ٣٤٧)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٢/ ٤٥٦)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (٤/ ٦٥٨)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا (٨/ ٦١).
[ ١ / ٣٣٠ ]
وهو في الطريق بالجحفة قبل أن يصل لخمسٍ، أو ستٍّ.
ثم نزل بالشام، وسمع أبا بكر الصديق، وعبادةَ بن الصامت، وبلالَ بن رباح، ومعاذَ بن جبل، وشدادَ بنَ أوس، وعمرَو بن عبسة، وعائشةَ أمَّ المؤمنين.
وروى عنه: جماعة كثيرة من تابعي أهل الشام، وغيرهم.
وثَّقه ابنُ سعيد، وقال: قليلُ الحديث.
وقال عمر بنُ عبد العزيز في حديث نقله الصنابحي [فقال: إمامٌ أخذ عن إمام، وقال يعقوبُ بن شيبة: وذكر الصنابحي عن أبي بكر الصديق] (١)، فقال: يروي عن أهل الحجاز والشام، دخل المدينة بعد وفاة النبي - ﷺ -، يروي عن النبي - ﷺ - أحاديث يرسلها عنه.
وقد قلب بعضهم اسمه فجعله كنية، وبعضهم قلب كنيته فجعلها اسمًا، وكله خطأ، والصواب: ما ذكرناه أولًا.
روى له: البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن (٢).
وأما ألفاظه:
فقوله: "شهدَ عندي رجالٌ مَرْضيُّون، وأرضاهُم عندي عمرُ":
لا شَكَّ أن الشهادةَ عند ابنِ عباسٍ؛ بمعنى: الإخبار، والرواية له عن رسول الله - ﷺ -، والتبليغ عنه؛ لا بمعنى الشهادة عندَ الحكام.
كيف، وعمر - ﵁ - كان قاضيًا لأبي بكر - ﵁ -، وأميرَ
_________________
(١) ما بين معكوفين ساقط من "ش".
(٢) وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٧/ ٥٠٩)، و"التاريخ الكبير" للبخاري (٥/ ٣٢١)، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (٥/ ٢٦٢)، و"الثقات" لابن حبان (٥/ ٧٤)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (٢/ ٨٤١)، و"تهذيب الكمال" للمزي (١٧/ ٢٨٢)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٣/ ٥٠٥)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (٥/ ١٠٥)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا (٦/ ٢٠٨).
[ ١ / ٣٣١ ]
المؤمنين بعده، ومات وهو أميرُ المؤمنين، ولم يكن ابن عباس قاضيًا له، ولا نائبًا في الإمارة؟! فدل على ما ذكرناه.
وفيه: استحبابُ الثناء على الشيوخ والعلماء، وإن لم يكونوا متهمين، وتبيين مراتبهم في الفضل، وغيره؛ حيث قال ابنُ عبَّاس - ﵄ -: "وأرضاهُمْ عندي عمرُ".
[وفي (١) بعض النسخ "حتى تطلعَ الشمسُ" ولا شك أنهما صحيحان.
فأمّا "تُشرِق" فضبط -بضم التاء وكسر الراء-، وضُبط -بفتح التاء وضم الراء- وهو الأكثر عند رواة المشارقة، وأشار القاضي عياض إلى الترجيح الأول في "شرح صحيح مسلم"، وذكر الثاني في "المشارق" (٢)، وهو بمعنى تطلع؛ لأن أكثر الروايات على تطلع، فوجب حمل تشرق في المعنى على موافقتها.
قال أهل اللغة: يقال: شَرَقَت الشمس تَشْرُق؛ أي: طَلَعَت، على وزن طلعت تَطْلُع، وغَرَبَتْ تَغْرُب، ويقال: أشرقت تشرق؛ أي: ارتفعت وأضآت، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ﴾ [الزمر: ٦٩] أي: أضاءت (٣)، فمن قال: إن الرواية من: أشرقت تشرق، واحتج لها بالأحاديث الأخرى في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، والنهي عن الصلاة إذا بدا حاجب الشمس حتى تبرز، وحديث: "ثلاث ساعات: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع" (٤)، وكل هذا يبين أن المراد بالطلوع ارتفاعها، وإشراقها وإضاءتها، لا مجرد ظهور قرصها، والله أعلم.
وأما نهيه - ﷺ - عن الصلاة بعد الصبح، وبعد العصر، فهو نهي عن الصلاة بعد
_________________
(١) ما بين معكوفين ساقط من "ش".
(٢) انظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (٢/ ٢٤٩).
(٣) انظر: "شرح صحيح مسلم" للنووي (٦/ ١١١)، و"غريب الحديث" لأبي عبيد (٣/ ٤٥٢)، و"لسان العرب" لابن منظور (١٠/ ١٧٣)، (مادة: شرق).
(٤) رواه مسلم (٨٣١)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، عن عقبة بن عامر - ﵁ -.
[ ١ / ٣٣٢ ]
فعلهما، لا بعد دخول وقتهما، لأنه لو أخرهما لم تكن الصلاة قبلهما، وإن تقدم فعلهما في أول الوقت، كرهت، فدل على ما ذكرنا، وأن عدم الكراهة بدخول وقتهما يختلف بتطويل النافلة وتخفيفها؛ فإنه ربما طول المُصلي النافلة قبل فعلهما إلى آخر وقتهما، فيكون ذلك مكروهًا، وهذا كله بخلاف كراهة الصلاة عند الطلوع، والاستواء، والغروب بالحمرة والصفرة؛ فإن الكراهة فيها متعلقة بالوقت، وهذا الحديث معمول به عند فقهاء الأمصار، وإن اختلف بعض المتقدمين فيه من بعض الوجوه.
واعلم أن صيغة النفي إذا دخلت على فعل في ألفاظ صاحب الشرع، كان حملها على نفي الفعل الشرعي أولى من نفي الفعل الوجودي، لتكون نفيًا للحكم الشرعي لا للفعل الحسي؛ لأن الشارع إنما يطلق لفظه على عرفه وهو الشرعي، ونفي الحسي منتفٍ لوجود الفعل حسًّا، ويحتاج فيه إلى إضمارٍ لتصحيح اللفظ، وهو المسمى بدلالة الاقتضاء، وينشأ منه النظر في كون اللفظ عامًّا، أو مجملًا، وظاهرًا في بعض محامله، وحمله على نفي الحقيقة الشرعية أولى؛ لعدم الإضمار.
فمن ذلك قوله - ﷺ - في حديث أبي سعيد الخدري هذا: "لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفعَ الشمسُ"، وفيه زيادة على نفي الفعل، وهي مَدُّ الكراهة إلى ارتفاع الشمس، وليس المراد مطلق الارتفاع عن الأفق، بل الارتفاع الذي تزول عنه صفرة الشمس، أو حمرتها، وهو مقدر برمح أو رمحين.
وقوله: "لا صلاة" عام في كل صلاة، وخصّه الشافعي ومالك: بالنوافل، ولم يقولا به في الفرائض والفوائت، فهي جائزة في سائر الأوقات، وأبو حنيفة يقول بامتناعها، وهو أدخل في العموم، إلا أنه قد يعارض بقوله - ﷺ -: "من نامَ عن صلاةٍ أو نسيَها، فَلْيُصَلِّها إذا ذكرها" (١)، وكونه جعل ذلك وقتًا لها،
_________________
(١) رواه البخاري (٥٧٢)، كتاب: مواقيت الصلاة، باب: من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها، ومسلم (٦٨٤)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: قضاء الصلاة الفائتة، واستحباب تعجيل قضائها، عن أنس بن مالك - ﵁ -.
[ ١ / ٣٣٣ ]
وفي بعض الروايات: "لا وقتَ لها إلا ذلك" (١).
لكن بين الحديثين عموم وخصوص من وجه، فحديث النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر خاص في الوقت، عام في الصلاة، وحديث النوم والنسيان خاص بالصلاة الفائتة، عام في الوقت، فكل منهما بالنسبة إلى الآخر عام من وجه، خاص من وجه.
ومنه قوله - ﷺ -: "لا صيامَ لمنْ لم يُبيِّتِ الصيامَ من الليل" (٢)؛ فإنه نفيٌ للصومِ الشرعي لا الحسي.
ومنه قوله - ﷺ -: "لا نكاحَ إلا بوليٍّ" (٣)، فإن حمله على الحقيقة الشرعية ينفي الاحتياجَ إلى الإضمار، وحمله على الحقيقة الحسية، يضمر بعضهم الصحة، وبعضهم الكمال، وكذلك ما شاكل ذلك.
واعلم أنه أجمعت الأمة على كراهة صلاةٍ لا سببَ لها في هذه الأوقات.
واتفق العلماء على جواز الفرائض المؤداة فيها.
واختلفوا في النوافل التي لها سبب؛ كصلاة تحية المسجد، وسجود التلاوة، والشكر، وصلاة العيد، والكسوف، وفي صلاة الجنازة، وقضاء الفوائت.
ومذهب الشافعية وطائفة: جواز ذلك كله، ومذهب أبي حنيفة وآخرين: أنه داخل في النهي، بعموم الأحاديث.
_________________
(١) قال ابن خزيمة في "صحيحه" (٢/ ١٠٠): لم يرد - ﷺ - بقوله: "من نام عن صلاة فليصلها إذا استيقظ" أن وقتها حين يستيقظ، لا وقت لها غير ذلك، وإنما إراد أن فرض الصلاة غير ساقط عنه. بنومه عنها حتى يذهب وقتها، بل الواجب قضاؤها بعد الاستيقاظ، فإذا قضاها عند الاستيقاظ أو بعده، كان مؤديًا لفرض الصلاة التي قد نام عنها.
(٢) رواه النسائي في (٢٢٣٤)، كتاب: الصيام، باب: ذكر اختلاف الناقلين لخبر حفصة في ذلك، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٤/ ٢٠٢)، عن حفصة - ﵂ -.
(٣) رواه أبو داود (٢٠٨٥)، كتاب: النكاح، باب: في الولي، والترمذي (١١٠١)، كتاب: النكاح، باب: ما جاء: لا نكاح إلا بولي، وابن ماجه (١٨٨١)، كتاب: النكاح، باب: لا نكاح إلا بولي، عن أبي موسى الأشعري - ﵁ -.
[ ١ / ٣٣٤ ]
واحتج الشافعي وموافقوه: بأنه ثبت أن النبي - ﷺ - قضى سُنة الظهر بعد العصر، وهذا صريح في قضاء السنة الفائتة، فالحاضر أولى، والفريضة المقضية أولى، وكذلك الجنازة، والله أعلم].
وفي الحديث فوائد:
من جملتها: ما في الحديث الأول من قول ابن عباس: شهد عندي رجالٌ إلى آخره، وهو الردُّ على الروافض فيما يدعونه من مباينة أهل البيت، وأكابر الصحابة.
ومنها: أن الكراهة في الصلاة بعدَ الصبح وبعدَ العصر، التي لا سبب لها: كراهةُ تحريم؛ لأن الأصل في النهي التحريم، وقد اختلف أصحاب الشافعي - ﵀ -، في ذلك على وجهين:
أصحهما: أن الكراهة للتحريم؛ ولو صلاها، لم تنعقد؛ على أصح الوجهين، ويكون آثمًا.
ومنها: أنه لا تكره الصلاة قبل الصبح؛ لأن التخصيص بالنهي بعدها، يفيد عدمَ النهي قبلَها، وقد كره جماعة من السلف: الصلاة قبلها، ما عدا سنةَ الفجر؛ والذي عليه الجمهور خلافُه.
ومنها: كراهةُ الصلاة عند طلوع الشمس، حتى ترتفعَ الشمس قيدَ رمح.
ومنها: أن الكراهة بعد فعل العصر، ممتدَّة إلى غيبوبة قرص الشمس؛ وبغيبوبته تزول الكراهة، وتجوز الصلاة؛ ولهذا كان أصحاب رسول الله - ﷺ -، إذا غابت الشمس، ابتدروا السواري، قبل المغرب بالصلاة، قد يظن الظان؛ أن المغرب قد صليت؛ لكثرة المصلين، والله أعلم.
* * *
[ ١ / ٣٣٥ ]