عَن حُذَيفَةَ بنِ اليمانِ - ﵄ - قال: "كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ -، إذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ" (١).
أمَّا حذيفة: فهو صحابي، وأبوه صحابي أيضًا، وتقدم أنَّ اليماني يكتب (بالياء) في ترجمة عبد الله بن عَمْرِو بن العاصِ، والكلام عليه، وهو: حُذَيْفَةُ بنُ اليمانِ، واسمه: حُسَيل -بضم الحاء، وفتح السين المهملتين، ثم الياء، ثم اللام- تصغير: حِسْل -بكسر الحاء، وإسكان السين- ويقال فيه: غير مصغر: حِسْل.
واليَمانُ: لقبٌ، ولُقِّبَ به؛ لأنَّ جدَّ جدِّه: جِروة -بكسر الجيم- أصاب دمًا في قومه، فهرب إلى المدينة، فحالف بني عبد الأشهل؛ فسمَّاه قومه: اليَمَان؛ لأنَّه حالفَ اليمانية، فلقب بلقبه ابنُ جابرِ بنِ عَمْرِو بنِ ربيعةَ بنِ جروةَ ابنِ الحارثِ بنِ مازنِ بنِ قطيعةَ بنِ عبسِ بنِ بغيضِ بنِ رشيب بنِ غطفانَ بنِ سعدِ بنِ قيسِ عَيْلان بنِ مُضَرَ بنِ نزارٍ، حليفُ بني عبدِ الأشهل.
يُكَنَى أبا عبدِ الله، وحكى أبو حاتم بن حِبَّان: أنَّه يقال في كنيته: أبو سريحة، ويقال في نسبته: عبسيٌّ قطعيٌّ، وهو من حُلفَاءِ الأنصارِ.
وأُمُّه اسمها: الرَّبَابُ بنتُ كعبِ بنِ عَدِيِّ بنِ كعبِ (٢) بنِ عبدِ الأَشْهَل.
_________________
(١) رواه البخاري (٢٤٢)، كتاب: الوضوء، باب: السواك، ومسلم (٢٥٥)، كتاب: الطهارة، باب: السواك.
(٢) في "ح": "كليب"!
[ ١ / ١٥١ ]
شهدَ حذيفةُ وأبوه مع رسول الله - ﷺ - أُحدًا، وقُتِلَ أَبُوه يومئذٍ، قَتَلَه المسلمون خطأً، وكانا أرادَا أَنْ يشهدَا بدرًا، فاستحلَفهما المشركون ألَّا يَشْهَدا مع رسول الله - ﷺ -، فحلفا لهم، ثمَّ سَألا النبيَّ - ﷺ -، فقال: "نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللهَ عَلَيْهِمْ" (١)، وكان حذيفةُ مِمَّنْ هَاجَرَ إلى النبيِّ - ﷺ -، وكان له أخٌ اسمُه: صفوان، شَهِدَ معهما أحدًا.
وكانَ حُذيفَةُ من كبارِ أصحابِ رسولِ الله - ﷺ -، وهو الَّذي بَعَثَه رسولُ الله - ﷺ - ينظرُ إلى قريشٍ يومَ الخندق؛ فجاءَ بخبرِ رَحيلِهم.
وكان عُمَرُ بنُ الخطابِ - ﵁ - يسألُه عن المنافقين، وهو المعروفُ في الصحابة بصاحبِ سرِّ رسولِ الله - ﷺ -، وكان عُمَرُ ينظرُ إليه عندَ موتِ مَنْ ماتَ منهم؛ فإنْ لم يشهدْ جنازتَه، لم يشهدْهَا عُمَرُ.
وكان يقولُ حذيفةُ: خيَّرني رسولُ الله - ﷺ - بين الهجرة، والنصرة، فاخترت النصرة (٢)، وقال حذيفةُ - ﵁ -: كان الناس يسألون رسول الله - ﷺ - عن الخير، وكنت أسأله عن الشرِّ؛ مخافة أَنْ يدركني (٣).
وقال عليٌّ - ﵁ -: كان حذيفةُ أعلمَ أصحابِ محمدٍ - ﷺ - بالمنافقين (٤)، وروى عنه: أنه سأله عمر عن الأمارات التي بين يدي الساعة من يعقلُها عن رسول الله - ﷺ -؟ فقال: أنا، فقال له عمر: هات، فلعمري إنَّك عليها لحريٌّ، ثم ذكر له منها (٥).
_________________
(١) رواه مسلم (١٧٨٧)، كتاب: الجهاد والسير، باب: الوفاء بالعهد.
(٢) رواه البزار في "مسنده" (٢٩٣٦) إلا أنه قال: (فاخترت الهجرة)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٣٠١١)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٢/ ٢٦٤).
(٣) رواه البخاري (٣٤١١)، كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، ومسلم (١٨٤٧)، كتاب: الإمارة، باب: وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال.
(٤) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٢/ ٣٤٦)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٦٠٤١)، والحاكم في "المستدرك" (٥٦٣١)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢١/ ٤٢٠).
(٥) رواه البخاري (٥٠٢)، كتاب: مواقيت الصلاة، باب: الصلاة كفارة، ومسلم (١٤٤)، كتاب: =
[ ١ / ١٥٢ ]
(١) وسئل حذيفة - ﵁ -: أيُّ الفتنِ أشدُّ؟ قال: أَنْ يُعرضَ عليك الخيرُ والشرُّ، فلا تدري أَيَّهما تركت (٢).
وقال حذيفةُ: لا تقومُ الساعةُ حتى يسودَ كلَّ قبيلةٍ منافِقُوها (٣).
وقال أبو عمر بنُ عبدِ البر: وشهد حذيفة "نهاوند"، فلمَّا قُتِلَ النعمانُ ابنُ مُقَرِّنٍ (٤)، أخذَ الرايةَ، وكان فتحُ نهاوند، والري، والدينور على يد حذيفة، وكانت فتوحُه كلُّها سنةَ: اثنتين وعشرين.
رُوَي له عن رسول الله - ﷺ - أحاديثَ لم يذكرْ عدتها بَقِيُّ بنُ مخلَدٍ، وذكر صاحب "الجمع بين الصحيحين" عدة ما له فيهما، فقال: اتفقا على: اثني عشر حديثًا، وانفرد البخاريُّ: بثمانية، ومسلم: بسبعة عشر، والله أعلم.
روى عنه جماعةٌ من الصحابة: عمارُ بن ياسر، وجُنْدُبُ بنُ عبد الله، وعبدُ الله بن يزيدَ الخطميُّ، وأبو الطفيل عامرُ بنُ واثلةَ الليثيُّ، وعبدُ الله بن عكيمٍ الجهنيُّ، وخلائق كثيرون من التابعين.
وولاه عمر "المدائن"، ومات بها سنة ست وثلاثين، بعد قتل عثمان بأربعين ليلة في أول خلافة علي، وقيل: توفي سنة خمس وثلاثين، والأوَّل أصح، وقال أبو عمرو: وكان موته بعد أن نُعيَ عثمان إلى الكوفة، وكان حذيفة سكن الكوفة.
قال أبو حاتم بن حِبَّان: وكان فصُّ خاتمه ياقوتة استمانحونية، فيها كوكبان متقابلان، بينهما مكتوب: الحمد لله، قال: كذا قاله جرير، عن الأعمش، عن
_________________
(١) = الفتن وأشراط الساعة، باب: في الفتنة التي تموج كموج البحر.
(٢) في "ح": "مسألة".
(٣) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٧٥٦٩)، وأبو عمرو الداني في "الفتن" (١/ ٦٥).
(٤) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٩٧٧١)، وفي "المعجم الأوسط" (٤٨٦١)، وابن عدي في "الكامل في الضعفاء" (٢/ ٣٣٥)، لكن عن ابن مسعود - ﵁ -. ونسبه ابن عبد البر في "الاستيعاب" (١/ ٣٥٣) إلى حذيفة - ﵂ -.
(٥) في "ح": "النعمان بن بشير".
[ ١ / ١٥٣ ]
موسى بن عبد الله بن بريد (١)، عن أمِّ سلمة بنت حذيفة (٢).
وأمَّا قوله: "يَشُوصُ فاهُ بالسِّوَاكِ" فهو بفتح الياء، وضم الشين المعجمة، وبالصاد المهملة.
ومعناه: يغسل فاهُ بالسواك، قاله الهروي، وغيره.
يقال: شَاصَه يشُوصُه، وماصَه يموصُه؛ إذا غَسَلَه، والشَوْصُ أيضًا: دَلْكُ الأسنانِ بالسِّوَاك عرضا، قاله ابن الأعرابي، وإبراهيم الحربي، والخطابي، وغيرهم.
وقيل: هو التنقية، ذكره أبو عبيد، والداوديُّ، وكل ذلك متقارب (٣).
وتخصيص الذكر للشوص، بالليل؛ يقتضي: تعليقَ الحكم بمجرد القيام مطلقًا.
وقيل: يقتضي: تخصيصَه بالقيام للصلاة بالليل.
وفي الحديث دليل على: استحباب السواك في حال القيام من النوم، وعلته: أنَّ النومَ مقتضٍ لتغير الفم، وهو لتنظيف الفم؛ فسنَّ لاقتضاء التغير، وإذا كان كذلك؛ فلا فرق بين: نوم الليل، والنهار، فتخصيصه بالليل؛ للغلبة، أو لكون تغير الفم فيه أكثر، والله أعلم.
_________________
(١) في "ح": "يزيد".
(٢) وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٦/ ١٥)، و(٧/ ٣١٧)، و"التاريخ الكبير" للبخاري (٣/ ٩٥)، و"حلية الأولياء" لأبي نعيم (١/ ٣٥٤)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (١/ ٣٣٤)، و"تاريخ بغداد" للخطيب (١/ ١٦١)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (١٢/ ٢٥٩)، و"المنتظم" لابن الجوزي (٥/ ١٠٤)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (١/ ٧٠٦)، و"تهذيب الكمال" للمزي (٥/ ٤٩٥)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٢/ ٣٦١)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (٢/ ٤٤)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا (٢/ ١٩٣).
(٣) انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد (١/ ٢٦٠)، و"الفائق في غريب الحديث" للزمخشري (٢/ ٢٦٩)، و"النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (٢/ ٥٠٩)، و"لسان العرب" لابن منظور (٧/ ٥٠)، (مادة: شوص).
[ ١ / ١٥٤ ]
ولفظ الحديث في رواية البخاري ومسلم: "كانَ إِذا استيقظَ منَ النوم" (١)؛ فيعم النومَ فيهما.
* * *