عن عَمَّارِ بْنِ ياسِرٍ - ﵄ - قال: بَعَثَني النَّبِيُّ - ﷺ - في حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ، فلمِ أجِدِ الماءَ؛ فَتَمَرَّغْتُ في الصَّعِيدِ كَما تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النبيَّ - ﷺ -، فَذكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "إنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا، ثُمَّ ضَرَبَ بيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً واحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى اليَمِين، وظَاهِرَ كَفَّيْهِ، وَوَجْهَهُ (١).
أما عمَّارُ بنُ ياسرٍ: فهو صحابيٌّ ابنُ صحابيِّ، وأمُّه سُمَيَّةُ أيضًا صحابيَّة، وكنيته: أبو اليقظانِ بنُ ياسرِ بنِ مالكِ بنِ الحصينِ بنِ قيسِ بنِ ثعلبةَ بنِ عَنْسِ بالنون [بنِ عوفِ بنِ يلمِ] (٢) بنِ زيدِ بن مالك بنِ أددِ بنِ زيدِ بنِ يشجبَ ابنِ عوف بنِ زيد بنِ كهلانَ بنِ سبأ بنِ يَشْجُبَ بنِ يعربَ بنِ قحطانَ.
وأمُّه سميةُ بنتُ خياط، كانت أمةً لأبي حذيفةَ بنِ المغيرةِ بنِ عبد الله بن عمرِو بنِ مخزوم، وكان ياسرٌ قدم [منَ اليمنِ] (٣) إلى مكة، فحالف أبا حذيفة بن المغيرة؛ فزوجه إياها، فولدت عمارًا، فأعتقه أبو حذيفة.
_________________
(١) رواه البخاري (٣٤٠)، كتاب: التيمم، باب: التيمم ضربة، ومسلم (٣٦٨)، كتاب: الحيض، باب: التيمم، وهذا لفظ مسلم.
(٢) ما بين معكوفين ساقط من "ح".
(٣) ما بين معكوفين ساقط من "ش".
[ ١ / ٢٤١ ]
أسلم ياسرٌ وسميةُ، وكان إسلامُهما ورسولُ الله - ﷺ - في دار الأرقم؛ هو وصُهيبُ بنُ سنانَ في وقتٍ واحد بعدَ بضعةٍ وثلاثين رجلًا.
قال مجاهد: أولُ مَنْ أظهر إسلامه: أبو بكر، وبلال، وخَبَّاب، وصُهيب، وعمارٌ، وأمُّه سميةُ.
وكان ممن يعذَّب في الله؛ هو، وأبوه، وأمه، فمرَّ بهم النبي - ﷺ - وهم يعذبون، فقال: "صَبْرًا آلَ ياسِرٍ؛ فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الجَنَّةُ" (١).
وقتل أبو جهلٍ سميةَ؛ وكانت أولَ شهيدةٍ في الإسلام، ولمَّا أعطى عمار المشركين بلسانه ما أرادوا، واطمأنَّ بالإيمان قلبه؛ أنزل الله فيه: ﴿إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، أجمع على ذلك أهل التفسير.
وهاجر إلى أرض الحبشة، ثم إلى المدينة، وصلَّى القبلتين، وهو من المهاجرين الأولين، ثم شهد بدرًا، والمشاهدَ كلها مع رسول الله - ﷺ -، وأبلى ببدر بلاءً حسنًا.
وكان عمارٌ أولَ من بنى مسجدًا في الإسلام؛ وهو مسجدُ قُباء، ذكره ابن الأثير.
وقال ابن عباس، في قول الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، قال: عمار بن ياسر، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، قال: أبو جهل بن هشام (٢).
وقال رسول الله - ﷺ -: "إنَّ عَمَّارًا مُلِئَ إِيمانًا إِلَى مُشَاشِهِ"؛ ويُرْوَى: "إِلَى أَخْمَصِ قَدَمَيْه" (٣).
_________________
(١) رواه الحاكم في "المستدرك" (٥٦٤٦)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (١٦٣١)، عن ابن إسحاق: أن رجالًا من آل عمار أخبروه. ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٧٦٩)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (١١/ ٣٤٣)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٣/ ٣٦٨)، عن عثمان - ﵁ -.
(٢) رواه أبو الشيخ الأصبهاني، وابن مردويه في "تفسيريهما"، كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٣/ ٣٥٢).
(٣) رواه النسائي (٥٠٠٧)، كتاب: الإيمان، باب: تفاضل أهل الإيمان، من حديث رجل من =
[ ١ / ٢٤٢ ]
وقال خالدُ بنُ الوليد، قال رسول الله - ﷺ -: "مَنْ أَبْغَضَ عَمَّارًا، أَبْغَضَهُ الله"؛ قال خالد: فما زلتُ أحبُّه من يومِئِذٍ (١).
وروى أنس - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -: أنه قال: "اِشْتَاقَتِ الجَنَّةُ إِلَى: عَليٍّ، وعَمَّارٍ، وسَلْمانَ، وبِلالٍ" (٢).
واسْتَأْذَنَ عمَّارٌ على النبيِّ - ﷺ - يومًا، فعرفَ صوتَه، فقال: "مَرْحَبًا بِالطّيِّبِ المُطَيَّبِ؛ ائْذَنُوا لَهُ" (٣).
وعن عليٍّ - ﵁ - قالَ: قال رسول الله - ﷺ -: "إِنَّه لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ، إلَّا أُعْطِيَ سَبْعَةَ نُجَباءَ، ووُزَراءَ، ورُفَقاءَ؛ وَإِنِّي أُعْطِيتُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ: حمزةَ، وجعفرًا، وأبا بكر، وعُمَرَ، وعليًّا، والحسنَ، والحسينَ، وعبدَ الله بنَ مسعود، وسَلْمَانَ، وعَمَّارًا، وأبا ذرٍّ، وحذيفةَ، والمقدادَ، وبلالًا" (٤).
وتواترت الآثار عن النبي - ﷺ -: أنه قال: "تَقْتُلُ عَمَّارًا الفِئَةُ الباغِيَةُ" (٥)؛ وهذا
_________________
(١) = أصحاب النبي - ﷺ -. ورواه ابن ماجه (١٤٧) في المقدمة، وابن حبان في "صحيحه" (٧٠٧٦)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ١٣٩)، عن علي - ﵁ -.
(٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٤/ ٨٩)، والنسائي في "السنن الكبرى" (٨٢٦٩)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٢٢٥٢)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (٤٧٩٦)، والحاكم في "المستدرك" (٥٦٧٤)، عن خالد بن الوليد - ﵁ -.
(٣) رواه الحاكم في "المستدرك" (٤٦٦٦)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ١٩٠)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٠/ ٤٥١)، عن أنس - ﵁ -.
(٤) رواه الترمذي (٣٧٩٨)، كتاب: المناقب، باب: مناقب عمار بن ياسر - ﵁ -، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (١٤٦)، في المقدمة، باب: فضل عمار بن ياسر، والإمام أحمد في "المسند" (١/ ٩٩)، وابن حبان في "صحيحه" (٧٠٧٥)، والحاكم في "المستدرك" (٥٦٦٢)، عن علي - ﵁ -.
(٥) رواه الترمذي (٣٧٨٥)، كتاب: المناقب، باب: مناقب الحسن والحسين - ﵄ -، وقال: حسن غريب، والإمام أحمد في "المسند" (١/ ١٤٢)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢٤٤)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٦٠٤٧)، عن علي - ﵁ -.
(٦) رواه البخاري (٤٣٦)، كتاب: المساجد، باب: بنيان المسجد، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -. ورواه مسلم (٢٩١٦)، كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت؛ من البلاء، عن أم سلمة - ﵂ -.
[ ١ / ٢٤٣ ]
من إخباره بالغيب، وأعلام نبوته - ﷺ -.
وعن عَمْرِو بنِ سلمةَ قال: لَكَأَنِّي أنظرُ إلى عمَّارٍ يومَ صِفِّينَ، واستسقى، فأُتي بشربةٍ من لبن، فشرب، فقال: اليومَ أَلْقى الأحبة، إنَّ رسولَ الله - ﷺ - عَهِدَ إليَّ أَنَّ آخِرَ شربةٍ أشربها من الدنيا، شربةُ لبنٍ"، ثم قاتل حتى قتل - ﵁ - (١).
رُويَ له عن رسول الله - ﷺ -: اثنان وستون حديثًا؛ اتفقا منها على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بحديث واحد.
وروى عنه: عليُّ بنُ أبي طالب، وعبدُ الله بنُ عباس، وأبو موسى الأشعريُّ، وأبو أمامةَ الباهليُّ، وجابرُ بنُ عبدِ الله، وعبدُ الله بنُ جعفرِ بنِ أبي طالب، وأبو الطفيل عامرُ بنُ واثلةَ، وأبو لاسٍ الخزاعيُّ -وهؤلاء صحابة-، وغيرُهم من التابعين.
وروى له: أصحاب السنن والمساند.
وقُتل بصفينَ سنة سبع وثلاثين، ودفنه عليٌّ في ثيابه؛ ولم يغسلْه، وهو ابنُ ثلاثٍ وتسعين سنة، وقيل: إحدى وتسعين، والله أعلم (٢).
وأمَّا ما يتعلق بالحديث من الألفاظ، والمعاني، والأحكام:
فقوله: "فَتَمَرَّغْتُ في الصَّعيد؛ كما تَمَرَّغُ الدَّابةُ":
وهو استعمال لقياس تقدم العلم بمشروعية التيمم عليه.
_________________
(١) رواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده" (١٦٢٦)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ١٤١)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٣/ ٤٦٨)، عن ميسرة وأبي البختري.
(٢) وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" (٣/ ٢٤٦)، و"التاريخ الكبير" للبخاري (٧/ ٢٥)، و"الثقات" لابن حبان (٣/ ٣٠١)، و"حلية الأولياء" لأبي نعيم (١/ ١٣٩)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (٣/ ١١٣٥)، و"تاريخ بغداد" للخطيب (١/ ١٥٠)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (٤٣/ ٣٥٩)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (٤/ ١٢٢)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (٢/ ٣٥٢)، و"تهذيب الكمال" للمزي (٢١/ ٢١٧)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (١/ ٤٠٦)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (٤/ ٥٧٥)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا (٧/ ٣٥٧).
[ ١ / ٢٤٤ ]
وكأن عمارًا لما رأى الوضوء خاصًّا ببعض الأعضاء، وبدله؛ وهو التيمم خاصًّا -أيضًا-؛ وَجَبَ أَنْ يكونَ بدلُ الغسلِ الذي يعمُّ جميعَ البدن عامًّا لجميعه.
وقد استدل أبو محمدِ بنُ حزمٍ الظَّاهريُّ بهذا الحديث على إبطال القياس؛ لأن عمارًا قَدَّرَ: أن المسكوتَ عنه؛ من التيمم للجنابة، حكمُه حكمُ الغسل من الجنابة؛ إذ هو بدل منه، فأبطل رسولُ الله - ﷺ - ذلك، وأعلمه أَن لكلِّ شيءٍ حكمَ المنصوص عليه فقط.
قال شيخنا أبو الفتح القاضي - ﵀ -: والجواب عن استدلاله بهذا الحديث على بطلان هذا القياس الخاص:
أنه لا يلزمُ من بطلانِ الخاصِّ، بطلانُ العامِّ، والقائسون لا يعتقدون صحةَ كلِّ قياسٍ.
ثم في هذا القياس شيء آخر؛ وهو أن الأصل -الذي هو الوضوء- قد نفي فيه مساواة البدل؛ فإن التيمم لا يعم جميع أعضاء الوضوء؛ فصار مساواة البدل للأصل ملغًى في محلِّ النص؛ وذلك لا يقتضي المساواةَ في الفرع.
بل لقائل أن يقول: قد يكون الحديث دليلًا على صحة أصل القياس، وأَنَّ قولَه - ﷺ -: "إنَّما كانَ يكفيكَ كَذا وكَذا"؛ يدل أنه: لو كان فعله، لكفاه.
وذلك دليلٌ على صحة قولنا: لو كان فَعَلَهُ؛ لكان مصيبًا، ولو كان فَعَلَهُ؛ لكان قائسًا التيممَ للجنابة، على التيمم للوضوء؛ على تقدير أَنْ يكونَ اللمسُ -المذكورُ في الآية- ليسَ هو الجماعَ.
لأنه لو كان عند عمار هو الجماع، لكان حكمُ التيممِ مبينًا في الآية؛ فلم يكن يحتاج إلى أَنْ يتمرغَ؛ فإن فِعْلَه ذلك لا يتضمن اعتقاد كونِه ليس عاملًا بالنص، بل بالقياس.
وحكمُ النبيِّ - ﷺ - بأَنَّه كان يكفيه التيمم على الصورة المذكورة، مع ما بيَّن من
[ ١ / ٢٤٥ ]
كونه لو فعل ذلك لفعله بالقياس عنده لا بالنص (١).
قوله: "ثم ضربَ بيديهِ الأرضَ ضربةً واحدةً":
استدلَّ به مَنْ قال: الواجبُ في التيمم ضربةٌ واحدةٌ للوجه والكفين؛ وهو مذهب عطاءٍ، ومكحولٍ، والأوزاعيِّ، وأحمدَ، وإِسحاق، وابن المنذر، وعامة أصحاب الحديث، وهو قول قديم للشافعي، ورواية عن مالك.
وحكى أصحاب الشَّافعي عن الزهري: أنه يجب مسح اليدين إلى الإبطين.
وقال الخطابي: لم يختلف أحد في أنه لا يلزم مسح ما وراء المرفقين.
ومذهبُ مالك ترجع حقيقته إلى الاكتفاء بضربة واحدة للوجه واليدين، فإنه إذا فعل ذلك، يعيد في الوقت؛ والإعادة تتضمن إجزاءه ظاهرًا.
ومذهب الشافعي والأكثرين: أَنَّه لا بُدَّ من ضربتين: ضربة للوجه، وضربة لليدين، وقد ورد في حديث لا يقاوم هذا الحديثَ في الصحة، ولا يعارض بمثله.
وبمثل قول الشَّافعي، قال علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، والحسن البصري، والشَّعْبِي، وسالم بن عبد الله بن عمر، وسفيان الثوري، ومالك، وأبو حنيفة، وأصحاب الرأي، وآخرون.
وحكى أصحاب الشافعي -أيضًا-، عن ابن سيرين: أنه قال: لا يجزئه أقلُّ من ثلاث ضربات؛ ثانية لكفيه، وثالثة لذراعيه.
لكنَّ الأولَ قويٌّ جدًّا؛ وقَوَّاهُ بعضُ المشايخ المحققين الذين أدركناهم، وأُفْتِيَ به، والله أعلم.
قوله: "ثم مسحَ الشِّمالَ على اليمينِ، وظاهرَ كفيه، ووَجْهَهُ":
قدَّمَ في لفظ الحديث مسحَ اليدين على مسح الوجه، لكن بحرف الواو؛ وهو
_________________
(١) انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (١/ ١١١ - ١١٢).
[ ١ / ٢٤٦ ]
لا يقتضي الترتيب، وفي غير هذا الحديث: ثم مسح وجهه، بلفظ (ثم)، وهي تقتضي الترتيب.
فاستدل به على أن: ترتيب اليدين على الوجه ليس بواجب؛ لأنه إذا ثبت ذلك في التيمم، ثبت في الوضوء، ولا قائل بالفرق.
قوله: "وظاهرَ كَفَّيْهِ":
يقتضي الاكتفاء بمسح الكف في التيمم؛ وهو مذهب أحمد.
وحكى الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة: أنه إذا مسح أكثرَ وجهه، وأكثرَ يديه أجزأَه، ومذهبُ الشافعي وأبي حنيفة -في المشهور عنه-: أَنَّ التيمُّمَ إلى المرفقين، واستدل على ذلك:
بتقييده اليد، بالغاية إلى المرفقين في الوضوء؛ لقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦].
وأطلقت في التيمم؛ بقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، فلو كانت الغاية في التيمم مغايرةً للوضوء، لبينها؛ فدلَّ على أن الغاية في التيمم كالغاية في الوضوء.
وبحديث أبي الجهم عبدِ الله بن الحارث بن الصَّمة الأنصاري النجَّاري: أَنَّ النبيَّ - ﷺ - تَيَّمَّمَ عَلَى الجِدَارِ؛ فَمَسَحَ وَجْهَهُ ويَدَيْهِ" (١).
ولا شك أَنَّ اليدَ تطلق لفظًا: على رؤوس الأصابع إلى الإبط، وتطلق شرعًا، ولفظًا: على الكفِّ، وتطلق كذلك: على الكف والذراع.
وهذه الإطلاقات الثلاثة مذاهبُ للعلماء، تقدَّم نقلُها، لكن أقواها: أن المراد باليدين: الكفَّان؛ لظاهر حديث عمار؛ ولآية السرقة: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، والمراد: كفّاهما إجماعًا.
وقد ورد في بعض روايات حديث أبي الجهم: أَنَّ النبيَّ - ﷺ - مَسَحَ وَجْهَهُ،
_________________
(١) رواه البخاري (٣٣٠)، كتاب: التيمم، باب: التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة، ومسلم (٣٦٩)، كتاب: الحيض، باب: التيمم.
[ ١ / ٢٤٧ ]
وذِرَاعَيْهِ"، والذي في "الصحيح": "ويَدَيْهِ".
وفي هذا الحديث فوائد:
منها: جواز الاجتهاد في زمن - ﷺ -، وقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
أصحها: الجواز؛ فإن عمارًا اجتهد في صفة التيمم - ﵁ -،
والقائلون بذلك يجوزونه بحضرته -أيضًا-.
والثاني: لا يجوز بحال.
والثالث: يجوز في غير حضرته، ولا يجوز فيها، والله أعلم.
ومنه: مراجعة العلماء في العلم والاجتهاد؛ فإن عمارًا - ﵁ - راجع النبي - ﷺ - فيما اجتهد فيه.
ومنها: ذكرُ العلماء لمن راجعهم وجهَ الصواب، وتبيينه.
ومنها: البيانُ بالفعل، وأَنَّه أبلغُ في التفهيم من القول.
ومنها: أَنَّ التيممَ ضربةٌ واحدةٌ؛ وأنه في الوجه، والكفين، وتقدم بيانه.
ومنها: جوازُ إطلاقِ القولِ على الفعل؛ بقوله - ﷺ -: "إنما يكفيك أن تقول بيديك".
ومنها: أَنَّ الجُنُبَ، إذا لم يجدِ الماءَ، تيمم، وفي حكمه الحائض والنفساء إذا طهرتا وعدمتا الماء.
وذهب عمر وابن مسعود: إلى أَنَّ الجنب لا يصلي بالتيمم، بل يؤخر الصلاة إلى أن يجد الماء، فيغتسل، وحَمَلَ قولَهُ تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]؛ على اللمس باليد، دون الجماع.
وحديث عمار هذا حجة؛ وكان عمر نسي قصة عمار، وُرويَ أَنَّ ابنَ مسعودِ رجع عن قوله، وجوزه للجنب.
* * *
[ ١ / ٢٤٨ ]