عن عائشةَ - ﵂ -: أَنَّ أُمَّ حبيبةَ - ﵂ - استُحِيضَتْ سَبْعَ سِنينَ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلاَةٍ (١).
أما عائشة - ﵂ -؛ فتقدمت.
وأما أمُّ حبيبة هذه؛ فيقال فيها: أُمُّ حبيب، بلا هاءٍ، قال الدارقطني: قال إبراهيم الحربي: هو الصحيح، قال الدارقطني: وقول الحربي هو الصحيح، وكان من أعلم الناس بهذا الشأن، واسمها: حبيبة.
قال الحميدي عن سفيان، وصححه أبو علي الغساني، وجعل ابن الأثير: أن أم حبيبة فيها أكثر، وأنها كانت مستحاضة، قال: وأهلُ السيرِ يقولون: المستحاضة أختها؛ حَمْنَةُ بنتُ جحش، قال ابن عبد البر: الصحيح؛ أنهما كانتا مُستحاضتين.
وهي: أم حبيبة بنت جحش بن رباب الأسدي (٢).
_________________
(١) رواه البخاري (٣٢١)، كتاب: الحيض، باب: عرق الاستحاضة، ومسلم (٣٣٤)، كتاب: الحيض، باب: المستحاضة وغسلها وصلاتها، وهذا لفظ البخاري.
(٢) وانظر ترجمتها في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٨/ ٢٤٢)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (٤/ ١٩٢٨)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (٧/ ٣٠٢)، و"تهذيب الكمال" للمزي (٣٥/ ١٥٧)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (٧/ ٥٨٦)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا (١٢/ ٤٤٠).
[ ١ / ٢٦٦ ]
قال الحافظ أبو محمد عبد العظيم المنذري - ﵀ -: المستحاضات على عهد رسول الله - ﷺ -، خمس:
الأولى: حَمْنة بنتُ جحش، أختُ زينبَ بنتِ جحش زوجِ رسول الله - ﷺ -.
الثانية: أختُها أم حبيبة، ويقال: أم حبيب، بغير هاءٍ.
الثالثة: فاطمةُ بنتُ أبي حُبيش، القرشيةُ، الأسديةُ.
الرابعة: سَهْلَةُ بنتُ سُهيل، القرشيةُ، العامريةُ.
الخامسة: سَودة بنت زمعة، زوجُ رسول الله - ﷺ -.
وقد ذكر بعضهم: أن زينب بنت جحش استحيضت، والمشهور: خِلافُه؛ وإنما المستحاضة أختاها، والله أعلم (١).
وهذا الحديث وقع في نسخ هذا الكتاب: "فأمرَها أَنْ تغتسلَ لكلِّ صلاة"، وليس في "الصحيحين"، ولا أحدهما: أن النبي - ﷺ - أمرها بذلك.
ولا شكَّ أَنَّه قد وردَ الأمرُ بالغسل لكل صلاة خارج الصحيح من رواية ابن إسحاق، وغيره، بروايات كثيرة، وليس فيها شيء ثابت، وقد ضعفها كلها البيهقي، ومن قوله: والذي صح في هذا: ما رواه البخاري، ومسلم في "صحيحيهما": أن أم حبيبة بنت جحش - ﵂ - استحيضت، فقال رسول الله - ﷺ -: "إنما ذلك عرق، فاغتسلي"، فكانت تغتسل عند كل صلاة.
قال الشَّافعيُّ - ﵀ -: إنما أمرها رسول الله - ﷺ - أن تغتسلَ، وتصليَ، وليس فيه: أنه أمرها بالغُسل لكل صلاة، قال: ولا شك -إن شاء الله تعالى-: أَنَّ غُسلَها كان تطوعًا، غير ما أُمِرَت به؛ وذلك واسع لها؛ هذا كلام الشَّافعيِّ بلفظه (٢)، وقاله قبله -بعبارة مقاربة لمعنى قوله- سفيانُ بنُ عيينةَ شيخُه، والليثُ بن سعد، والله أعلم.
وحمل بعضهم معنى حديث الكتاب؛ بالأمر بالغسل لكل صلاة: على
_________________
(١) انظر: "مختصر سنن أبي داود" للمنذري (١/ ١٩٠).
(٢) انظر: "الأم" للإمام الشافعي (١/ ٦٢).
[ ١ / ٢٦٧ ]
مستحاضة ناسيةِ التوقيت، والعدد؛ يجوز في مثلها: أَنْ ينقطعَ الدمُ عنها في وقت كل صلاة.
وقد اختلف العلماء من السلف، والخلف في وجوب الغسل على المستحاضة لكل صلاة، فقال الجمهور من السلف والخلف: لا يجب الغسلُ عليها لشيء من الصلوات، ولا في وقت من الأوقات، إلا مرةً واحدة في وقتِ انقطاعِ حيضها؛ وهو مرويٌّ عن عليٍّ، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة -﵃-؛ وهو قول عروةَ بنِ الزبير، وأبي سلمةَ بنِ عبد الرحمن، ومالكٍ، وأبي حنيفةَ، وأحمدَ.
ورُوي عن ابنِ عمرَ، وابن الزبير، وعطاءِ بنِ أبي رباحٍ: أنهم قالوا: يجب عليها أن تغتسل لكل صلاة.
ورُوي عن عائشةَ: أنها قالت: تغتسل كل يوم غسلًا واحدًا.
وعن المسيب، والحسن، قالا: تغتسل من صلاة الظهر إلى صلاة الظهر، دائمًا، والله أعلم.
ودليل الجمهور: أن الأصل عدم الوجوب؛ فلا يجب إلا ما ورد الشرع بإيجابه، ولم يصح عن النبي - ﷺ - أنه أمرها بالغسل إلا مرةً واحدةً عند انقطاع حيضها؛ وهو قوله - ﷺ -: "إذا أقبلتِ الحيضةُ؛ فدعي الصلاةَ، وإذا أدبرت؛ فاغتسلي" (١)، وليس في هذا ما يقتضي تكرارَ الغسل، والله أعلم.
وفي حديث عائشة: ردُّ على من قال: يُجمع بين كل صلاتين بغسل واحد.
وفيه: ما كانت الصحابة -﵃- في الرجوع؛ فيما يحدث لهم من أمورهم كلها إلى رسول الله - ﷺ -، والسؤال عن الأحكام، والجواب عنها، والله أعلم.
وفيه دليل على: إثبات الاستحاضة، وأن حكم دمها غير دم الحيض.
_________________
(١) رواه البخاري (٣١٤)، كتاب: الحيض، باب: إقبال المحيض وإدباره، عن عائشة - ﵂ -.
[ ١ / ٢٦٨ ]
واعلم أن الاستحاضة على ضربين:
أحدهما: ألَّا يكونَ حيضًا، ولا مختلطًا به؛ بأن يكونَ دونَ يومٍ وليلة غير متكرر؛ فحكمُه: أَنْ تتوضأَ لكل صلاة.
والضرب الثاني: أن يكونَ بعضُه حيضًا، وبعضه ليس بحيض؛ بأن يكون دمًا متصلًا دائمًا، مجاوزًا لأكثر الحيض؛ وصاحبة هذا الضرب، لها ثلاثة أحوال:
أحدها: أَنْ تكونَ مبتدأَةً؛ وهي التي لم ترَ الدم قبل ذلك؛ وفيها قولان للشَّافعي، أصحهما: تُرَدُّ إلى يوم وليلة، والثاني: إلى ستٍّ، أو سبع.
الثاني: أن تكون معتادةً؛ فترد إلى قَدْرِ عادتها في الشهر الذي قبل شهر استحاضتها.
الثالث: أن تكون مميزةً، ترى بعض الأيام دمًا قويًّا، وبعضها دمًا ضعيفًا؛ كالأسود، والأحمر؛ فتكون حيضتها أيامَ الأسود، بشرط: ألَّا يَنْقُصَ الأسودُ عن يومٍ وليلة، ولا يزيدَ على خمسة عشرَ يومًا، ولا ينقصَ الأحمر عن خمسةَ عشرَ يومًا.
ولهذا كله تفاصيلُ في كتب المذهب مبسوطة، والله أعلم.
* * *