عن عائشةَ - ﵂ - قالَتْ: لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي الفَجْرَ، فَيشهدُ مَعه النِّسَاءُ مِنَ المؤمناتِ، متَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ إِلى بُيُهوتهِنَّ لا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الغَلَسِ (١).
قولها: "فيشهدُ معه النساء؛ من المؤمنات":
_________________
(١) رواه البخاري (٨٢٩)، كتاب: صفة الصلاة، باب: انتظار الناس قيام الإمام العالم، ومسلم (٦٤٥)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها.
[ ١ / ٢٨٧ ]
يحتمل قولها: من المؤمنات؛ أنه بيان لنوع النساء اللاتي تحضرن الصلاة؛ لتخرج الكافرات.
ويحتمل أنه بيان لوصفهن؛ لتخرج المنافقات، وهو الأقرب.
وقولها: "مُتَلَفِّعاتٍ" -هو بالعين المهملة بعد الفاء-، ووقع في رواية في "الموطأ" و"صحيح مسلم": "متلفِّفات" (١) -بالفاءين-، ومعناهما متقارب؛ أي: متغطيات، أو ملتحفات، أو متجلِّلات، إلَّا أَنَّ التلفُّعَ لا يكون إلا مع تغطية الرأس.
وقولها: "بمُرُوطهنَّ"؛ أي: بأكسيتهن، واحدُها: مِرْط -بكسر الميم-، والمرطُ: كساءٌ معلم؛ يكون من خَزٍّ، ومن صوف، ومن كتان، قاله الخليل.
وقال ابن الأعرابي: هو الإزار، وقال النضر: لا يكون المرطُ إلا درعًا، وهو من خَزٍّ أخضرَ، ولا يسمى المرط إلا الأخضر، ولا يلبسه إلا النساء.
وظاهر الحديث يصحِّح قول الخليل، وفي الحديث: مرط من شعرٍ أسود (٢).
وقولها: "من الغَلَس"؛ بيان لسبب عدم معرفتهن، ومعناه: ما يُعرفن أنساءٌ هنَّ، أم رجال؟ وقيل: ما تُعرف أعيانُهنَّ، وهذا ضعيف؛ فإن المتلفعة في النهار -أيضًا- لا تُعرف عينُها، فلا يبقى في الكلام فائدة.
والغلس -ذكره المصنف-: اختلاطُ ضياء الصبح بظلمة الليل.
والغبش -بالباء والشين المعجمة- قيل: الغبس -بالسين المهملة- وبعد
_________________
(١) رواه الإمام مالك في "الموطا" (١/ ٥)، ومسلم (٦٤٥) (١/ ٤٤٦)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها.
(٢) انظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (١/ ٣٧٧)، و"شرح صحيح مسلم" للنووي (١٤/ ٥٧). والعبارة هنا فيها سقط. والذي في "مشارق الأنوار" و"شرح مسلم"، وعنهما نقل المؤلف هذا النص: "وظاهر الحديث يصحح ما قال الخليل وغيره أنه كساء، وفي الحديث الصحيح: خرج رسول الله - ﷺ - في مرط مرحَّل من شعر أسود" ا. هـ.
[ ١ / ٢٨٨ ]
الغلس -باللام-، وهي كلها: في آخر الليل، ويكون الغبس: في أول الليل.
وقولها: "يصلِّي الفجرَ"؛ يقال: صلَّى الفَجر، وصلَّى الصبحَ، وصلَّى الغَدَاةَ؛ أي: صلَّى صلاةَ كذا، على حذف المضاف، ولا كراهة في ذلك، فكله ثابت في الصحيح.
وكره بعضهم صلاةَ الغداةِ، وهو مرجوحٌ ضعيف.
لكن قال الشَّافعيُّ: سماها الله الفجرَ، وسماها رسول الله - ﷺ - الصبحَ؛ فلا أحب أن تسمى بغيرهما (١).
وفي هذا الحديث:
دليل على: استحباب التبكير بصلاة الصبح، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، والجمهور، وقال أبو حنيفة: الإسفار أفضل.
وجه الدلالة للجمهور: أَنَّ الغلسَ لا يكون إلا مع الظلمة، مع ما ثبت من طول قراءة رسول الله - ﷺ - في الصبح، حتى إنه كان يقرأ ما بين الستين إلى السبعين مع الترتيل والتدبر.
واستدل أبو حنيفة بحديث ضعيف: "أسفروا بالفجرِ؛ فإنَّه أعظمُ للأجرِ" (٢).
وتأوله الجمهور -على تقدير ثبوته- على التبكير بالصلاة، لا على غلبة الضياء وظهوره؛ جمعًا بين فعله - ﷺ - وقوله، والله أعلم.
وفيه دليل على: جواز حضور النساء الجماعة بالمسجد مع الرجال، وهو مقيد بما إذا أمنت المفاسد؛ من الافتتان، وغيره، إما عليهنَّ، أو بهنَّ.
وليس في الحديث ما يدل على كونهنَّ عجزًا، أو شَوابَّ، وقد كره بعضهم
_________________
(١) انظر: "الأم" للإمام الشافعي (١/ ٧٤).
(٢) رواه أبو داود (٤٢٤)، كتاب: الصلاة، باب: في وقت الصبح، والنسائي (٥٤٨)، كتاب: المواقيت، باب: الإسفار، والترمذي (١٥٤)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الإسفار بالفجر، وابن ماجه (٦٧٢)، كتاب: الصلاة، باب: وقت صلاة الفجر، عن رافع بن خديج - ﵁ - بلفظ: "أسفروا بالفجر" وبلفظ: "أَصْبِحوا بالصبح".
[ ١ / ٢٨٩ ]
للشوابِّ ذلك، والذي ينبغي في هذه الأزمان: المنعُ مطلقًا، إلَّا أَنْ يكنَّ عالماتٍ عاملاتٍ، لا يُفْتَن بهنَّ، ولا يَفْتِنَّ غيرَهنَّ بصورة، أو حالة، أو فعل، أو قول، والله أعلم.
ولا شك أَنَّ صلاةَ المرأةِ في بيتها أفضلُ من المسجد مطلقًا، وفي مخدع بيتها أفضلُ من بيتها مطلقًا؛ لحديث ثبت في ذلك، والله أعلم.
وفيه دليل على: استقرار المرأة في بيتها مطلقًا؛ لحديث ثبت في ذلك، وألَّا تخرجَ منه إلا لمصلحةٍ شرعيةٍ، وأن ترجع إليه بعدَ فراغها منها، والله أعلم.
* * *