عَنْ أَبي جُحَيْفَةَ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ السُّوَائيِّ -﵁- قَالَ: أَتيتُ النبيَّ - ﷺ -، وَهُو في قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، قَالَ: فَخَرَج بلاَلٌ بوضُوءٍ؛ فَمِنْ نَاضِحٍ، وَنَائلٍ، قَالَ: فَخَرَجَ النبيُّ - ﷺ - عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ؛ كأنِّي أَنْظرُ الَى بيَاضِ ساقَيْهِ، قَالَ: فَتَوَضَّأ، وأَذَّنَ بِلاَلٌ، قَالَ: فَجَعَلْتُ أتتبَّعُ فَاهُ، هَاهُنَا، وهَاهُنَا؛ يَقُولُ يَمِينًا وشِمَالًا: حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلاَح؛ فركَزْتُ لَه عَنَزَةً، فَتَقَدَّمَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيَنِ، ثُمَّ لَمْ يزَلْ يُصَلِّي حَتَّى رَجَعَ إلى المَدِينةِ" (٢).
أما أبو جُحيفةَ وهبُ بنُ عبدِ الله:
فالمشهور في اسمه، واسم أبيه: ما ذكره في هذه الرواية؛ وهو مشهور
_________________
(١) انظر: "معالم السنن" للخطابي (١/ ٢٧٢ - ٢٧٣).
(٢) رواه البخاري (٣٦٩)، كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في الثوب الأحمر، ومسلم (٥٠٣)، كتاب: الصلاة، باب: سترة المصلي، وهذا لفظ مسلم.
[ ١ / ٣٧٦ ]
بكنيته، وكان علي بن أبي طالب - ﵁ - يسميه: وهبَ الخير، ووهبَ الله.
وقيل: إن اسم أبيه وهبٌ -أيضًا-، وقيل: جابر.
وهو من صغار أصحاب النبي - ﷺ -؛ قيل: مات النبي - ﷺ -، ولم يبلغ الحلم.
ونزل الكوفة، وابتنى بها دارًا، وجعله علي بن أبي طالب - ﵁ - على بيت المال بالكوفة، وشهد معه مشاهدَهُ كلَّها، وكان يحبه، ويثق إليه، وحديثه عند أهلها.
رُوي له عن رسول الله - ﷺ -: خمسة وأربعون حديثًا؛ اتفقا على: حديثين، وانفرد البخاري: بحديثين، ومسلم: بثلاثة.
وروى عنه: ابنه عون، وجماعة من صغار التابعين، وروى له: أصحاب السنن والمساند.
قال أبو حاتم بن حبان: مات سنة أربع وسبعين، في ولاية بشر بن مروان على العراق، وقال غيره: سنة اثنتين وسبعين، في إمارة بشر البصرة.
وأما السُّوائيُّ: بضم السين المهملة، ثم الواو المفتوحة، ثم الألف الممدودة، بعدها همزة مكسورة، ثم ياء النسب؛ بنسبه إلى بني سُواءة.
وأبو جُحيفة: من بني حرثان بنِ سُواءة بنِ عامرِ بنِ صعصعةَ، وقيل: إنه وهبُ بنُ عبدِ الله بنِ جُنادةَ بنِ حجرِ بنِ رباب بنِ حبيبِ بنِ سُواءة، وقيل غيره، والله أعلم (١).
وأما القبة الحمراء: فهي شيء يُعمل من خشب مقبى؛ وهو ضيق الرأس معروف، ويُغَشَّى بالأَدَم المصبوغ بالحمرة.
_________________
(١) وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٦/ ٦٣)، و"الثقات" لابن حبان (٣/ ٤٢٨)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (٤/ ١٦١٩)، و"تاريخ بغداد" للخطيب (١/ ١٩٩)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (٦/ ٤٧)، و"تهذيب الكمال" للمزي (٣١/ ١٣٢)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (٢/ ٤٨٩)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٣/ ٢٠٢)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (٦/ ٦٢٦)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا (١١/ ١٤٥).
[ ١ / ٣٧٧ ]
وقوله: "حمراءَ"، وصفَها بذلك؛ وهو من باب وصف الشيء بما ظهر، ورُئي؛ وهو أحسنه.
وقوله: "من أَدَم"، هو بفتح الدال؛ وهو جمع الأديم: وهو الجلود.
وتقدم أن الوَضوء -بفتح الواو-: اسمٌ للماء، والكلامُ عليه.
وقوله: "فمن ناضحٍ، ونائلٍ"؛ فيه إضمار تقديره: فتوضأ، فمن الناس من ينال من وضوئه شيئًا، ومنهم من ينضح عليه غيره؛ مما يناله، ويرش عليه بللًا مما حصل له؛ تبركًا بِآثاره - ﷺ -، وكلاهما قد ورد مبينًا، في حديث آخر صحيح: "فَمَنْ لمْ يُصِبْ، أَخَذ مِنْ يَدِ صاحِبِهِ" (١)، وفي آخر: "فَرَأَيْتُ الناسَ يأخذونَ من فَضْلِ وَضوئِهِ" (٢).
وقوله: "عليه حلة حمراءُ"؛ الحلة: ثوبان غير لفقين رداءً، وإزارًا؛ وسميا بذلك: لأن كل واحد منهما، يحل على الآخر.
قال الخليل: ولا يقال حلة لثوب واحد، وقال أبو عبيد: الحلل: برود اليمن، وقال بعضهم: لا يقال لها حلة حتى تكون جديدة، بحلها عن طيها (٣).
والدليل على أن الحلة لا تكون إلا ثوبان: ما ثبت في الحديث: "أَنَّ رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا عليهِ حُلَّة؛ اتَّزَرَ بإحداهما، وارتدى بالأخرى" (٤).
_________________
(١) تقدم تخريجه في حديث الباب، عند البخاري.
(٢) رواه البخاري (١٨٥)، كتاب: الوضوء، باب: استعمال فضل وضوء الناس، ومسلم (٥٠٣) (١/ ٣٦١)، كتاب: الصلاة، باب: سترة المصلي.
(٣) انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد (١/ ٢٢٨)، و"العين" للخليل (٣/ ٢٨)، و"مشارق الأنوار" للقاضي عياض (١/ ١٩٦)، وعنه نقل المؤلف نصّه هذا في معنى (الحلة).
(٤) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (٢٦٠٦) في قصة ذي البجادين، بلفظ: "فاتزر نصفًا، وارتدى نصفًا ". أما ما ساقه المؤلف من لفظ الحديث، فقد نقله من "مشارق الأنوار"، على عادته في ذكر الحديث من غير مصادره الأصلية، وكتاب كـ "مشارق الأنوار" لا يُعنى فيه بالألفاظ الحديثية، وإنما طريقة القاضي -﵀- هي طريقة الفقهاء في ذكر الأحاديث بمعانيها دون النظر في مبانيها، وقد كثر هذا للمؤلف -﵀- فتراه ينقل من "مشارق الأنوار"، و"شرح مسلم" للنووي، و"معالم السنن" للخطابي، أحاديثَ وكلامًا دون نسبته إليهم في مواضع كثيرة، والله أعلم.
[ ١ / ٣٧٨ ]
وقوله: "حَيَّ على الصَّلاةِ، حَيَّ على الفلاحِ"، معناه: تعالوا إلى الصلاة، تعالوا إلى الفلاح؛ وهو الفوزُ، والبقاءُ الدائم، يقال: حَيَّ على كذا؛ أي: هَلُمَّ وأَقْبِلْ، ويقال: حَيَّ على، وحَيَّ هلا، وحَيَّ هلًا، وحَيَّ على كذا، وحَيَّ إلى كذا، وحَيَّ هَلَ منصوبة مخففة، مشبهة بخمسة عشر، وحَيَّ هَلْ بالسكون؛ لكثرة الحركات، وتشبيهًا بِصَهْ، ومَهْ، وبَخْ، وحي هل بسكون الهاء.
وقيل: معنى حَيَّ: هَلُمَّ، وهَلا: حثيثًا، وقيل: هلا: أسرعْ؛ جُعلا كلمة واحدة، وقيل: هلا: اسكن، وحيَّ: أسرعْ، وقيل: حيَّ: أعجلْ، وهلا: صلة (١).
وقوله: "وأذن بلالُ، فجعلتُ أتتبعُ فاه" إلى آخره؛ معناه: أتتبع فاه في حال التفاتِهِ يمينًا، وشمالًا؛ لقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح.
وتقدم ذكر معنى العَنَزة في الطهارة.
واعلم أنه لم يبين في رواية الكتاب مكانَ اجتماعه بالنبي - ﷺ -، وبين ذلك في رواية أخرى؛ في "الصحيحين"، وغيرهما، وهي [أن] "أبا جحيفة أتى النبي - ﷺ - بمكة؛ وهو بالأبطح، في قبة له حمراء، من أَدَم" (٢)؛ وفيها: فائدة زائدة رافعةٌ لإيهام أن يكون اجتماعه بالنبي - ﷺ - قبل وصوله إلى مكة، في رواية الكتاب.
فيشكل قوله: "فلم يزلْ يصلِّي ركعتين، حتى رجعَ إلى المدينة"، من غير وصوله إلى مكة؛ وكأنه لم يبق للسفر نهاية، وإذا تبين أن الاجتماع كان بمكة؛ علم نهاية السفر، وابتداء قصر الظهر، وأنه: من ابتداء رجوعه من مكة، إلى وصوله إلى المدينة، والله أعلم.
وقوله: "ركزتُ له عَنَزَةً"؛ أي: أثبتت في الأرض، يقال: ركزتُ الشيء، أركُزه -بضم الكاف في المستقبل-، رَكْزًا: أثبته.
_________________
(١) انظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (١/ ٢١٨).
(٢) رواه البخاري (٥٥٢١)، كتاب: اللباس، باب: القبة الحمراء من أدم، ومسلم (٥٠٣)، كتاب: الصلاة، باب: سترة المصلي.
[ ١ / ٣٧٩ ]
وفي الحديث فوائد كثيرة:
منها: إتيان أهل القدوة وأهل الفضل إلى أماكنهم، في السفر والحضر؛ للتبرك بهم، والاقتباس منهم، وحكاية حالهم، وذكر منازلهم.
ومنها: خدمتهم؛ بإحضار ماء الوضوء، ونحوه.
ومنها: استعمال فضل طهورهم، وطعامهم، وشرابهم، ولباسهم، والتبرك بآثارهم.
ومنها: جوازُ لبس الأحمر؛ من الحلة الحمراء، وغيرها.
ومنها: جواز النظر إلى ساقَي الرجل الصالح؛ للاقتداء به، في حاله ولباسه.
ومنها: أن الساقين ليسا بعورة، وقد أجمع العلماء؛ على أنهما ليسا بعورة من الذكور، لكن إن نظر إليهما بشهوة؛ فهو حرام إجماعًا؛ كسائر ما ينظر إليه من المحرمات.
ومنها: شرعيةُ الأذان في السفر، قال الشافعي -﵀-: ولا أكره من تركه في السفر، بما أكره من تركه في الحضر؛ لأن المسافر مبني على التخفيف (١).
ومنها: أنه يسن للمؤذن الالتفات، في الحيعلتين؛ يمينًا وشمالًا، برأسه وعنقه، قال أصحاب الشافعي: ولا يحوِّلُ قدميه وصدرَه عن القبلة؛ إنما يلوي رأسه وعنقه.
واختلف في كيفية التفاته، على مذاهب؛ وهي أوجه لأصحاب الشافعي:
أصحها، وقول الجمهور: بأنه يقول: حيَّ على الصلاة؛ مرتين عن يمينه، ثم على الفلاح؛ مرتين عن يساره.
والثاني: يقول عن يمينه: حي على الصلاة مرة، ثم مرة عن يساره، ثم يقول: حي على الفلاح؛ مرة عن يمينه، ثم مرة عن يساره.
_________________
(١) انظر: "شرح صحيح مسلم" للنووي (٤/ ٢١٩).
[ ١ / ٣٨٠ ]
والثالث: يقول عن يمينه: حي على الصلاة، ثم يعود إلى القبلة، ثم يعود إلى الالتفات عن يمينه، فيقول: حي على الصلاة، ثم يلتفت عن يساره، فيقول: حي على الفلاح؛ يفعل مثل ما فعل عن يمينه.
ومنها: استصحابُ العَنَزة للصلاة، ونحوها، في السفر، وجواز الاستعانة للإمام، بمن يركزُها له، ونحو ذلك.
ومنها: أن الأفضل قصرُ الصلاة في السفر؛ وإن كان بقرب بلد، ما لم ينو إقامة أربعة أيام، فصاعدًا، والله أعلم.
واعلم: أن مواظبته - ﷺ - على فعل شيء تدل على رجحان فعله، ولا تدل على وجوبه، إلا على مذهب من يرى أن أفعاله - ﷺ - على الوجوب؛ وليس بمختار عند أهل علم الأصول. والله أعلم.
* * *