عَنِ النُّعمانِ بْنِ بَشِيرٍ - ﵄ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لِيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ" (١).
ولمسلمٍ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُسَوِّي صُفُوفَنَا، حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِها القِدَاحَ، حَتَّى إذا رَأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا، فَقَامَ حَتَّى كَادَ أَنْ يُكَبِّرَ؛ فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ؛ فَقَالَ: "عِبادَ اللهِ! لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُم، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ" (٢).
أما النُّعمانُ بنُ بشيرٍ:
فكنيته: أبو عبد الله بنُ بَشير -بفتح الباء، وكسر الشين المعجمة-، وله في الأسماء مشابه: بُشَير -بضمها، وفتح الشين-، ونُسَيْر -بضم النون، وفتح السين المهملة- ويُسَيْر -بضم الياء المثناة تحت، وفتح السين المهملة-، ويَسِير -بفتحها وكسر السين المهملة-.
وبشير: والد النعمان صحابي؛ وهو ابنُ سعدِ بنِ ثعلبةَ بنِ جُلاس -بضم الجيم، وتخفيف اللام، وبالسين المهملة- بنِ زيدِ بنِ مالكِ بنِ ثعلبةَ ابنِ كعبِ بنِ الخزرجِ، أنصاريٌّ خزرجيٌّ.
_________________
(١) رواه البخاري (٦٨٥)، كتاب: الجماعة والإمامة، باب: تسوية الصفوف عند الإقامة وبعدها، ومسلم (٤٣٦) (١/ ٣٢٤)، كتاب: الصلاة، باب: تسوية الصفوف وإقامتها.
(٢) رواه مسلم (٤٣٦) (١/ ٣٢٤)، كتاب: الصلاة، باب: تسوية الصفوف وإقامتها.
[ ١ / ٤٠٨ ]
والنعمانُ أمه: عَمْرَةُ بنتُ رَواحةَ، أختُ عبدِ الله بن رَواحةَ.
وهو أول مولود ولد بالمدينة من الأنصار، ولد على رأس أربعة عشر شهرًا من الهجرة، وقيل: ولد قبل وفاة النبي - ﷺ - بثمان سنين، وقيل: بست، والأول أكثر وأصح؛ لأنهم يقولون: ولد هو وعبد الله بن الزبير عام اثنين من الهجرة.
نزل النعمان الكوفة، وكان يليها لمعاوية، ثم ولي قضاء دمشق.
روي له عن رسول الله - ﷺ -: مئة حديث وأربعة عشر حديثًا؛ ذكره بقيُّ ابن مخلد.
روى عنه: جماعة من التابعين، وابنه محمد، وروى له: البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن والمساند.
قال أبو حاتم بن حبان: وقُتل بحمص؛ قتله خالدُ بن عليٍّ الكلاعيُّ، بعد وقعة المرج براهط؛ وكان عاملًا لابن الزبير على حمص، هذا آخر كلامه.
وقال غيره: قُتل بالشام، في أول سنة أربع وستين، بقرية من قرى حمص، وقال ابن أبي خيثمة: قُتل سنة ستين (١).
وأما ألفاظه ومعانيه:
فالقِداح: بكسر القاف، جمع قِدْح؛ وهي خشبُ السهام حين تُنحت، وتُبرى، وتُهيأ للرمي، وتحرير السهم له؛ فإنه كان طائشًا عن الغرض وإصابته، وضرب به المثل؛ لتحرير التسوية لغيره.
ومعنى الحديث: يبالغ في تسوية الصفوف؛ حتى تصير كأنما يقوم بها السهام؛ لشدة استوائها واعتدالها، وقد تقدم في الحديث قبله كيفية التسوية.
_________________
(١) وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٦/ ٥٣)، و"التاريخ الكبير" للبخاري (٨/ ٧٥)، و"الثقات" لابن حبان (٣/ ٤٠٩)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (٤/ ١٤٩٦)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (٦٢/ ١١١)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (٥/ ٣١٠)، و"تهذيب الكمال" للمزي (٢٩/ ٤١١)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٣/ ٤١١)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (٦/ ٤٤٠)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا (١٠/ ٣٩٩).
[ ١ / ٤٠٩ ]
وقوله - ﷺ -: "أو ليخالفنَّ اللهُ بينَ وجوهِكم"، اختلف في معنى المخالفة للوجوه؛ هل هو بالصورة، أو بالمعنى؟
فمنهم من قال بالصورة؛ ومعناه: يَمسخ الوجوه، ويُحولها عن خلقتها؛ كقوله - ﷺ -: "أَما يخشى الذي يرفعُ رأسَهُ قبلَ الإمامِ أنْ يجعلَ اللهُ صورَته صورةَ حمارٍ؟ " (١)، وقيل: يغير صفتها.
ومنهم من قال بالمعنى؛ والمراد بالوجوه: القلوب؛ فإن تقدم الشخص على المصلي إلى جنبه، أو على الجماعة، يوغر صدورهم، خصوصًا إن كان غيرَ أهلٍ للتقدم في الإمامة؛ وذلك موجبٌ لاختلافِ قلوبهم، فعبر عنه باختلاف وجوههم؛ لكونه يلزم من تغير القلب تغيرُ الوجه غالبًا، فلما كان لازمًا له، عبر به عنه.
والمراد: ما يحصل في القلوب بسبب ذلك؛ من العداوة والبغضاء، وكلاهما سبب للاختلاف في البواطن، الذي سببه الاختلافُ في الظواهر؛ بعدم التسوية في الصفوف، وينشأ عن ذلك الضغائنُ والأحقاد؛ وهذا كما يقال: تغير وجهُ فلان عليَّ؛ أي: ظهر لي من وجهه كراهةٌ لي، وتغير قلبه علي، والله أعلم.
وقد يعبر بالمخالفة في الوجه؛ عن اختلاف المقاصد، وتباين النفوس؛ فإن من تباعد مع غيره، وتنافر، رُئي بوجهه تغير؛ فيكون المقصود: التحذيرَ من وقوع التباغض والتنافر، والله أعلم.
وقوله: "حتى إذا رأَى أَنا قد عَقَلْنا"، معناه: أنه - ﷺ - راقبهم في التسوية، حتى ظهر له فهمُهم المقصود منها، وامتثالُهم له.
وقوله: "فقامَ حتَّى كادَ أن يُكَبِّرَ، فرأى رجلًا بادِيًا صدرُه من الصف؛ فقالَ: عبادَ الله! لتسونَّ صفوفَكم"؛ هذا تفسير لشدة مراقبته - ﷺ - لهم، في التسوية
_________________
(١) رواه البخاري (٦٥٩)، كتاب: الجماعة والإمامة، باب: إثم من رفع رأسه قبل الإمام، ومسلم (٤٢٧)، كتاب: الصلاة، باب: تحريم سبق الإمام بركوع أو سجود ونحوهما، عن أبي هريرة - ﵁ -.
[ ١ / ٤١٠ ]
للصفوف، والمحافظة على ذلك، وتنبيه المأمومين عليها، والأمر المؤكد لهم بها؛ فإنه أكده - ﷺ - بلام الأمر، ونون التوكيد، والتهديد على تركها؛ باختلاف القلوب، والأبشار.
وفي الحديث فوائد:
منها: أنه ينبغي للإمام والراعي: أمرُ أتباعِه بالخير، ومراقبتهُ لهم في ذلك، ظاهرًا وباطنًا، والشفقةُ عليهم في الدنيا والآخرة، ولا يهمل واحدًا منهم، وألَّا يخصه بالمخاطبة؛ بل يعمهم جميعَهم بالخطاب، وإن وقعت المخالفة من واحد منهم.
ومنها: الحثُّ على تسوية الصفوف، وتسويتها بنصَّ الإمام؛ ولهذا كان عمر - ﵁ - يوكل بتسويتها رجالًا؛ فلو تركه الإمام، فعله المصلون، وأمرَ بعضُهم بعضًا بها، وشرع لكل أحد الأمرُ بها، وتسويتها.
والسر في تسويتها: موافقةُ الملائكة - صلوات الله وسلامه عليهم -، وقد ورد في حديث: "صُفُّوا كما تَصُفُّ الملائكةُ" (١)، والمطلوب منها: محبةُ الله تعالى لعباده.
ومنها: التحذيرُ من المخالفة؛ في الظاهر والباطن، والحثُّ على الموافقة، في الظاهر والباطن.
ومنها: أنه لا تُهمل مخالفةٌ، حتى لو حصل الامتثالُ من الجميع، وتخلَّفَ واحد، خُشي من شؤمه عليهم.
ومنها: شرعيةُ الكلام بين الإقامة والدخول في الصلاة؛ إذا كان لمصلحة الصلاة، ويقاس عليه: ما كان مصلحةً شرعية، وخُشي فواتُها.
واختار جماهير العلماء؛ من الشافعية، وغيرهم: الكلامَ مطلقًا، ومنعه بعضُهم.
_________________
(١) رواه مسلم (٤٣٠)، كتاب: الصلاة، باب: الأمر بالسكون في الصلاة، عن جابر بن سمرة - ﵁ -، بلفظ: "ألا تصفون كما تصفٌّ الملائكة؟ ". وقد رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٨٤٤٩)، عن ابن عمر - ﵁ - باللفظ الذي ذكره المؤلف - ﵀ -.
[ ١ / ٤١١ ]
والصواب: الجوازُ؛ سواء كان لمصلحة الصلاة، أو لغيرها، أو لا لمصلحة؛ لكنه إذا كان لا لمصلحة، كان مكروهًا.
ومنها: كراهةُ التقدم على المأمومين في الصف؛ سواء كان التقدم بقدميه، أو بمنكبيه، أو بجميع بدنه؛ فإنه إذا كان - ﷺ - منعَ باديَ الصدرِ، الذي لا يظهر فيه كبيرُ مخالفة في التسوية، وهدَّد من فعله، فما ظنك بغيره؛ من البدن، والقدم، والمنكب!!
ومنها: جوازُ التمثيل للأمور المأمور بها، بعضِها ببعض؛ فإن تسوية الصف مأمور بها، وتسوية القداح مأمورٌ بها؛ ومثل تسوية الصف بتسوية القداح.
ومنها: اختبار الإمام أو المعلم أتباعَه، بعدَ فهمهم عنه.
ومنها: التهديدُ على المخالفة، والتوكيدُ للتحذير، والله أعلم.
* * *